علي فضائية دينية وهابية يبثها القمر الصناعي نايل سات ويؤمها مشايخ ورجال دين اسلامي، تنسدل علي رؤوسهم خرقة بيضاء دون عقال دليل حرية العقل والتفكير والاستدلال لاستخراج الاحكام الشرعية بعكس باقي الناس في مجتمعات الخليج التي تفضل ربط عقلها بعقال وعدم تشغيله في قضايا الحياه المتعدده والمتباينة، علي هذه الفضائيات خرج احدهم ليفتي في برنامج له مهمة واحده هو الاجابة علي تساؤلات الحياري ممن اسلموا وقالوا بالتوحيد. تنوعت الاسئلة والمطالب وكان اكثر المتصلين من النساء المسلمات وهو دليل فضائي علي صدق الحديث النبوي بانهن ناقصات عقل ودين. فبعد الدعوة له بان يجازيه الله خيرا، طلبت إحداهن الفتوي في زوج هي احدي زوجاته الاربع. انتوي الزوج ان ياتي بخامسة، ربما لانها بكر لم يمسسها انس ولا جان، وطالبهن بان يقرعن بينهن. فمن خرجت عليها القرعة طلقها حتي يكون ملتزما بما تفرضه عليه الشريعة السمحاء.
طال الحوار بين المفتي الاسلامي وبين التي تخاف ان تقع القرعة عليها. وتبين ان من بين الزوجات اثنتين محجبات وواحده منقبة ورابعة لازالت تحتفظ بقدر ولو ضئيل من احترام الذات وقررت ان تظل سافرة كبقية خلق الله. افتي الشيخ الفضيل اكرمه الله ووسع من علمه الغزير بان القرعة هي عمل شرعي واستشهد برسول الله حين كان يقرع بين زوجاته لمن تخرج معه في غزوه للقبائل لخدمته. قال ان القرعة مكرمة لمن ترسو عليها لان كل ما ستقوم به سيكون في ميزان حسناتها يوم القيامة واكد الامر بسؤال اخباري قائلا : وهل هناك افضل من خدمة الدعوة للاسلام.
طال الحوار وقالت المتصلة انهن اقرعن ووقعت القرعة عليها لهذا فهي تتصل لحل الاشكالية وخاصة انها ستكون بلا عائل بعد طلاقها، او بالاحري استبدالها بامرأة اخري. رد الشيخ صاحب العلم الغزير ان الله سيجعل لك مخرجا وسرد قصة سوده بنت زمعة زوجة النبي كما اتت في كتب التراث. وقبل الانتقال الي فتوي اخري سالها الداعية الفضيل هل هي تعمل بشرع الله اي هل هي من الثلاث المحجبات فاتضح انها الرابعة التي لم تتحجب. وعندها استاسد الشيخ وسالها سؤال مستنكرا حديثها : فهل عرفتي لماذا خرجت القرعة عليكي؟
رد الرجل بكل ثقة وقوة في الحجة عن فضل القرعة التي لا تكذب ولا تظلم احدا. فالعرب كانوا يقرعون في الجاهلية كما اقرعوا في الاسلام فهي القسمة التي لا ظلم فيها بل ياتي منها كل ما يحمي الدين الحنيف وشريعته السمحاء.
لم تنتهي المشكلة والرد عليها عند هذا الحد فقد اتضح ان الزوج لم يرضي بالقرعة وعندها سالها الداعية عن سبب الرفض قالت لانني الاجمل بينهن. عندها قطب الشيخ حاجبيه وعدل من خرقته واستعدل من جلسته وتنحنح علي طريقة المقرئين العظام قبل الاستعاذة من الشيطان وقال بصوت اجش وهيبة مخيفة: فليتصل بي زوجك لانك وكما اشهد ولعلي من الضالين انك نشاز. لا تتحجبين ولا ترضين بالقرعة وتفتنين الزوج.
صدرت من الجهاز صفارة متقطعة وانقطع الاتصال
في مكالمة اخري سالت إمرأة عن فتوي فيما ينبغي عمله إزاء زوج دخلت زوجته السجن بحكم قضائي لسنتين صدر من ولي الامر في هذه الدولة لجريمة لم يتطرق الحوار عن تفاصيلها.
رد المفتي بانه لا يجوز النفقة عليها وهي في محبسها لان الاستمتاع بها اصبح متعذرا لانها بفعلها تسببت في حرمان الزوج من مجامعتها، فكما حرم الرجل منها تحرم هي ايضا من نفقته عملا بالايه القرآنية الكريمة القائلة: فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن. واستشهد بفتوي من المعلوم من الدين بالضرورة ان الناشز تسقط عنها النفقة. هذا ما جاء في سياق الحوار علي الهواء، اما كيف بدا الحوار فقد جري بان بدأت المتصلة بعد ان سلمت وجاملت الشيخ بالثناء عليه وانها تحبه في الله علي فضله وعلمه الغزير قائلة: هل يجوز ان تظهر علي زوج اختها وان يري منها والاخت غائبة، رد الرجل بانه لا يجوز شرعا. اكملت المتصلة الحوار فقالت ان الرجل يراودها عن نفسها. فقاطعها الشيخ الفضيل بسؤالها واين اختها؟ عندها اقرت بحكاية السجن كما سبق. هنا افتي الشيخ بان الصحيح ان يطلق الرجل اختها ويتزوجها هي بدلا من عصيان الله وارتكاب المعاصي. فبادرت الاخت بسؤالها الجوهري الذي تم اخفاؤه من بداية الامر وهل يجوز ان آخذ من امواله لاعيل أختي في سجنها؟ وللمرة الثانية استعدل الشيخ عباءته ومسح بلحيته وقال انه حرام حرام حرام لانها لم تعد في ذمته بعد الطلاق او وهي في محبسها الان لما سبق بيانه ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا..
صفارات اخري وانقطع الاتصال
اكثر ما يدهش في هذه الفضائيات ان المتصلات من النساء يعرضن مشاكل حقيقة تعكس اوضاعهن الاجتماعية والاقتصادية البائسة في المجتمعات الاسلامية. ولم يدركن ان الجلاد هو نفسه القاضي وان من يلجؤون اليه هم انفسهم اصحاب الفقه الذي بسببه تراكمت كل هذه المشاكل التي لا حل لها في هذه البيئة الدينية. طالبات الفتوي من النساء يحاولن التحايل علي التشريع الذي وضعهن في هذه المآذق الاجتماعية والاقتصادية وعندها يقدم لهم الدعاه والمشايخ الحلول بان يشربوا من نفس النبع او ياكلوا نفس الطبق الذي اكلوه فتسممت حياتهم منه سابقا. نفس هؤلاء الدعاه يخرجون في برامج اخري ليقولوا بان الاسلام اعطي المرأة حقوقها غير منقوصة من 1400 عام سابقا بها البشرية وفي نفس الوقت يكيلون التهم للمراة في المجتمعات الغربية وتشريعاتهم العلمانية.
حرية الفتاوي للجهلاء من الشعوب الاسلامية لا حد لها ولا رقيب عليها طالما ارتدي المفتي زيا وهابي المنشأ علي قاعدة دينية. وهنا تنفجر المظالم ويعاد انتاجها مرات ومرات لان المتصلين من طالبي الحلول من القطيع الفاقد الاهلية لايجاد حلول انسانية شريفة لمشاكلة الموروثه منذ الجاهلية وعبر ازمنة الاسلام.
المشترك فيما بين المتصل والمتصل به هو ذاته المسكوت عنه والمحتكم اليه في البيئة الاسلامية. لكن الفتاوي وكما تصدر من اصحابها تاتي بمزيد من الظلم ولم يجرؤ المتصل علي رفض الفتوي خوفا من تكفيره ولم يرتقي ضمير المفتي للقول بان فتواه ظلم وغبن لاناس هم اصلا مظاليم جاؤوا الي دنيانا بفضل انطلاق عقل هؤلاء المشايخ وعدم تحجيمهم اما بالكفر او رفض التشريعات الظالمة التي يحتكمون اليها.
الجمعة، 14 مايو 2010
الأربعاء، 12 مايو 2010
محمد البدري
منذ فورة النفط وعوائده العالية تعرضت منطقة الخليج علي جانبها الغربي المسكون باقوام عربية وتحكمها نظم قبلية او أسر مالكة لطوفان من هجرة العمالة من كل بقاع العالم. فلسفة الوجود في هذه المجتمعات ان الغريب ضعيف ولو كان قوى والغريب أعمى ولو كان بصير بعكس بلاد اخري شرقا وغربا حيث الغربة تحمل معان اخري بل ان القوة هي ما يمكن امتلاكه بسهولة فيها مهما كان ضعف الوافد عليها.
ارتبط وجود العمالة الخليجية بفكرة الكفيل. فالكفالة والعبودية وجهان لعملة واحدة، الكفالة ومصادرة حقوق الانسان والبشر وجهان لنفس العملة، الكفالة والارهاب شئ واحد. أما الكفالة هي السرقة بشرعية وقانونية.
في مجتمعات الغرب حيث الحريات متعاظمة بكل انواعها فان تاريخها قام علي منطق واضح وصريح هو العبودية او القنانة او البروليتاريا حسب تاريخ تطور هياكل الانتاج علي الترتيب من النظام العبودي زمن روما القديمة الي الاقطاعي ومن حكم الكنيسة الي الراسمالي الحديث. في جميع المراحل ظل الملاك يزدادون ثراءا لكن مكاسب قوي العمل كانت ايضا تزداد تعاظما اما بالتحرير من عبودية الملكية للفرد الي الاسر في نطاق الارض والزراعة الي الاستمرار بيع قوة العمل طبقا للسعر الاعلي في سوق راسمالي مفتوح تتعدد في ارباب العمل ويحق فيه السفر والانتقال واعادة اختيار جهة ورب العمل بما فيه رفضه والتظاهر ضده ومحاكمته ايضا.
ولان الجانب الغربي من الخليج الفارسي لم يعرف اطلاقا هذه العلاقات الانتاجية بتعدد انماطها حيث كان الصيد البحري او رعي الاغنام او السلب والنهب علي طريقة الغزوات الاسلامية ، وكلها تجري علي خلفية ثقافية اساسها البداوة والقبلية فان ثورة النفط التي فجرتها تكنولوجيا الغرب الراسمالي ادت الي انقلاب في الموازيين الديموغرافية لهذه المنطقة برمتها. يمكن تصنيفها في قوي عمل وافده تمتلك العلم والمعرفة وقادرة علي البناء والاعمار والانتاج وتقديم الخدمات واهل بلاد لا يعرفون سوي انماط بدائية من التعييش علي المتاح من ثروة واما تجارة في سلع باقي الشعوب او نهبا وسلبا من الغريب او المجاور بطريقة الغزو او رعي ما هو متاح من قطعان يمكن لها ان تدر عائدا من اللبن واللحم.
تحت هذه العقلية ضغط الغرب الراسمالي ومنظمات حقوق الانسان ومؤسسات العمل المدني لالغاء تشريع الكفيل حيث ظلت قوة العمل في اسر الكفيل حتي يقرر هو التخلص منها بضمان السيطرة عليه بعدم السفر او التعاقد مع اي من ارباب العمل الاخري. فرغم وجود عقد او ربما غيابه بين الطرفين فالعرف السائد والمعمول به كان هو نظام الكفالة (الابتزاز السلمي) الممتد منذ القدم مع اهل البلاد العرب وهو الامر الذي بينا شروطه وتفاصيل ظهوره في مثل هذه المجتمعات في مقالات سابقة علي هذا الموقع.
مؤخرا قامت البحرين بالغاء هذا النظام في تشريعاتها القانونية لكن تبدو المشكلة اعمق من مجرد شطب عرف وتشريع قانون فالعرف هو اصلا مصدر كثيرا من القوانين. لهذا فمعارضة التعديلات تبدو قوية وخاصة في بلاد اكثر تشددا ولا تعرف التنوع وارث البداوة بها اكثر رسوخا. افضل ما في البحرين ان بها تنوعا من الشيعة والسنة وباقي طوائف الاسلام مما يدفع بمحاولة ايجاد صيغة قانونية تضمن بقاء الجميع في سلام اجتماعي. وربما هذا هو السبب في انها كانت البادئة في الغاء نظام الكفيل لا لسبب سوي ان الصراع بين قوي العمل وملاك هياكل الانتاج ليست اقل ضراوة من الصراعات الديني بل ربما تكون هي الاصل لو اننا نظرنا الي الامور بعيون منفتحة وليس بعقول عفنة مغيبة في نصوص الاديان بكل ما فيها من مظالم طبقية واجتماعية وجنسية واعلاء بشر علي بشر بظلم فادح. فتاريخ الصراعات من اجل المساواه والتي سميت فتنة منذ زمن الخلافة مرورا بالاموي والعباسي والفاطمي والمملوكي والعثماني، كلها تبدو دينية لكن حقيقتها انها طبقية اجتماعية كتب عنها كثيرون امثال برهان الدين دلو في كتابه " مساهمة في اعادة كتابة التاريخ الاسلامي" و كلود كاهن في كتابه " تاريخ الشعوب الاسلامية" وما ذكره هشام جعيط في كتابه المرجع " الفتنة" وكثيرين آخرين من مفكري روسيا ومستشرقيها ومن المصريين د. زبيده عطا وأخريات من الاكاديميين المهتمين بفضح تاريخ العرب المغلف بسلوفان ديني زائف. بل ان طه حسين نفسه تماس مع هذه المنطقة الشائكة في كتبه وخاصة الفتنة الكبري.
الغاء الكفيل هو خطوة علي طريق الديموقراطية في هذه البلاد التي تكره ان يحكم الانسان نفسه بنفسه. لكنها تفضل هيمنه كفيل علي مكفول واولي امر علي رعية. مجتمعات تكره الديموقراطية والعلمانية والليبرالية والاشتراكية في آن واحد. انه كوكتيل العذاب الذي لا بد من أن تتجرعه تلك المجتمعات حتي الثمالة لتكون اكثر اقترابا وتصالحا مع العالم المتحضر. فرغم ان غياب العقل هو آفة البشرية الا ان الوصول بالعقل السياسي والقانوني الي حد الثمالة بهذا الكوكتيل في بيئة انسانية افضل من الغياب في مستنقع ديني لا يوفر شيئا سوي العبودية لمن في الارض ومن في السماء علي السواء.
الاثنين، 3 مايو 2010
محمد البدري
اما في المجتمعات الدكتاتورية، مصر نموذجا، فان النظام الحاكم لكل قوي المجتمع افرز عجبا مكانه الطبيعي في المتاحف كحفرية من حفريات التاريخ. فكما يشترك المتحف مع القبر في الصمت والسكون سكت الجدل ايضا في حياه المصريين لاكثر من نصف قرن. حدث مؤخرا أن خرجت قيادات عمالية لتشن هجوما حادا علي د. البرادعي بسبب مطالبته بالتغيير وبالغاء نسبة العمال والفلاحين في مجلس الشعب؟ رغم ان الرجل بدأ مطالبه بتغيير المواد المانعة للمصريين من حكم انفسهم.
قاد الهجوم رئيس اتحاد عمال حلوان واحد قيادات حزب التجمع اليساري الاشتراكي الوحدوي. الافدح انه في خطابه اعلن تاييده ومساندته لحسني مبارك الرئيس الحالي بحجة انه الضامن لحقوق العمال وثورة يوليو!!! وسخر من البرادعي قائلا " البرادعى بيهرج.. ونحن القيادات العمال سايبينه لما يخلص الفيلم الدائر بتاعه بمزاجنا.. وبننتظر النتيجة".
وفي نفس الوقت لم يحدد لنا نقيب وممثل البروليتاريا القيادي العمالي الملتحف بثورة يوليو الانقلابية والذي ادبته ثورة يوليو فاحسنت تاديبه باعدام اثنين من القيادات العمالية بعد شهرين من قيام الانقلاب، لم يحدد الرجل اي افلام يمثلها البرادعي علي الشاشة البانورامية في حياة المصريين. فمنذ أن فرضت حركة يوليو قطيعة سياسية على المجتمع المصري مع التراث الليبرالي وحق الطبقات في تشكيل احزابها بحل الاحزاب المصرية، لم يعد لاحد من غطاء يحميه من بطش السلطة واصبح الجميع في موضع التهديد، وتم سحب الاعتراف باي قوي سياسية الا ضمن تحالف قوي الشعب العامل في التنظيم الشمولي الدكتاتوري. ادخلت سلطة يوليو العمال الي مجلس الشعب وجعله سورا حديديا علي النمط السوفيتي. فلم يعودوا عمالا وفلاحين انما شبه مسخ رث في مجلس يصفق ويرحب ويشجب واخيرا يتسول حقوقه من النظام الذي انعم عليه بالجلوس في معيته. فرغم ان الزعيم والقائد كان يفضل منطقة حلوان بعمالها كانسب مكان للقاء عمال مصر ليفرغ ما في جوفه من حقد وضغينة وسباب وشتائم للامبريالية وللراسمالية المستغلة والاستعمار وعملائه في الداخل، انقطعت صلة عمال مصر الناصرية بالعالم وتوقف نمو قدراتهم الانتاجية وقدراتهم الفكرية وتعاملهم مع مستجدات التكنولوجيا والعلم.
لكن مشهد المسخرة اليسارية الحقيقي التي اداها ممثل العمالة الرثة لنظام يوليو جاء في قوله بان مطلب البرادعي بتعديل الدستور يعد «تهريجاً سياسياً» لان هذا التعديل يهدف لافقاد الغالبية العظمى من المصريين لكثير من حقوقهم السياسية والاقتصادية .. !!! ولم تمر ايام حتي تظاهر عمال كثيرين امام مجلس الشعب مطالبين برفع الحد الادني للاجور باكثر من خمسة اضعافه الحالي. فماذا كان يفعل السيد العضو النقابي الحزبي المتمرس سياسيا في غرف نوم اليسار وغرف ودهاليز مجلس الشعب بعد تمثيله فيه لاكثر من نصف قرن؟
فبعيدا عن الاشخاص او الرموز التي هي زائلة ولا يبقي سوي واقع الحال ذو الجلال والاكرام وما يتحقق فيه، فان التظاهرات باتت يومية في كل مواقع العمل وتطالب بحقوق هي لا ترقي لادني المطالب الحقوقية لاي فئة في بلاد الرأسماليات الضخمة منذ قرنين من الزمان. فمطالبهم عمال مصر أمام مجلس الشعب لا تعدو سوي تسولا من السلطة، وليس اعادة للتفوض بين مالك راس المال وقوي العمل المتعاقد معه. فالفارق ليس فقط في حجم العوائد او الفوائض التي يتقاسمها صاحب العمل مع العاملين (بغض النظر عما في التقسيم من عدالة او ظلم) في بلد كمصر غابت عنها طويلا القيم الليبرالية الراسمالية، انما ايضا في طبيعة الطبقة العمالية ومدي وعيها ونوع خطابها السياسي الرث والمهترئ والذي يقترب من التهريج والتسول منه الي الخطاب السياسي او النقابي الواعي بمصالحه، رغم وجود حزب يحمل صفة اليسارية إضافة لنواب العمال في المجلس الموقر. ويكمن الفارق ايضا في نوع الطبقة الحاكمة التي يستظل في ظلها يوم لا ظل الا ظلها كل من مالكي هياكل الانتاج وطبقة العمال والفلاحين حيث تمتد الرثاثة الرحيمة اليهم جميعا. فليس غريبا اذن ان نجد العضوية في حزب التجمع اليساري الوحدوي قد انخفضت الي حوالي العشر بل ويطالب البعض منهم بادخال الشريعة الاسلامية في القوانين!!!!!!!
بسبب كل هذه التراكيب والكراكيب الاجتماعية والسياسية فاننا نجد الخطاب الديني هو البديل عن الخطاب النقابي للبروليتاريا الرثة مع غياب تام لخطاب عقلاني فلسفي من اصحاب العمل ومؤسسات الدولة، حيث نجد الثري منهم يصل بسيارته المرسيدس آخر موديل الي المسجد ويدخله متوضئا طاهرا من ذنوب لا تقنين لها تحت اي ايديولوجيا، ليقف في خشوع مصليا ومستمعا لخطيب المسجد القادم من سقط الريف ورثاثة المدن، وفي افضل الاحوال من خريجي الازهر حيث تتم عملية تفريغ ثم التهام وابتلاع لنصوص من زمن المقايضة والتجارة بالدراهم والسفر بالابل والانعام وتقسيم الغنائم وفقه الجواري والاماء. في مساجد مصر يجتمع كل انواع البشر من عمال وفلاحين وموظفين وتجار وراسماليين وبعض من رجال الادارة والسلطة ايضا. انه مجلس شعب غير رسمي ومواز للمجلس النيابي. انه اتحاد اشتراكي جديد او ربما تجديد للدماء القديمة التي هزمتها حروب ونخر فيها الفساد.
علي ابواب مساجد مصر يخلع الجميع عقولهم واحذيتهم وفي مجلس الشعب يخلعون افكارهم وايديولوجياتهم وانسانيتهم ويعود الجميع كما ولدتهم امهاتهم عقليا لا يفرقون بين الخرافة والحقيقة وبين الدجل والحكمة وبين السياسة وفقه التمثيل النيابي.
الكوكتيل الطبقي في مصر هو اقرب الي حالة البلازما حيث السيولة المفرطة. وتبادل كل شئ كما يحدث في انابيب الغازات المضيئة. فالفساد الذي يجري مجري الدم بين طبقات المجتمع هو الضامن للتماسك الاجتماعي حيث يبدع الجميع في اكتشاف الطرق لانجاز مصالحهم اليومية.ويظل السؤال الحائر دون اجابة، كيف يتظاهر العمال امام مجلس الشعب مهددين باقتحامه وهم يشكلون نصف عضويته؟!!
في الولايات المتحده قامت ثورة كبري شعارها "لا ضرائب بدون تمثيل" منذ ذلك اليوم اصبحت الضرائب لا تؤخذ فقط من الشعب لكن لتعود اليه في شكل خدمات ورعاية كان آخرها مشروع التامين الصحي الذي وافق عليه المجلسين النيابيين الخاليين من العمال والفلاحين، بل كلهم من االراسماليين العتاه. وهو ما يعطي مؤشرا الي ان من يمثل المصريين في مجالسهم النيابية لا علاقة لهم بالشعب بل ان جميع الطبقات كانت خارج التمثيل النيابي.
اما ما يدعو للضحك ان احد نواب الاخوان المسلمين – اليمين المنتمي للعصور الوسطي - وعضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين (الجماعة المحظورة) فقد أعلن تضامن الجماعة التام مع العمال الذين أعلنوا دخولهم في اعتصام مشترك مفتوح أمام المجلس حتى تستجيب الحكومة لمطالبهم المشروعة. الم نقل انها حالة من البلازما او ربما المسخ الاجتماعي حيث لا ملامح فيها ويختلط احط انواع اليمين الديني مع من كانوا يسارا قبل الثورة المباركة ولا نعرف لهم من ملمح الا بركوب كل افاق زنيم موجه المطالب الاجتماعية او ضربهم ابنائهم بالرصاص من نوابهم داخل المجلس الموقر.
عمال مصر متمسكون بالتمثيل داخل المجلس مثلما تمسك عثمان بالقميص الذي البسه الله له فتم قتله واخلعه اناس اياه عملا بقاعدة التغيير، بينما عمال مصر يرفضون خلع نوابهم من مجلس الشعب او ممثليهم في الاحزاب والنقابات الكارهين للتغيير. سخر عثمان من الناس فسخرت منه الناس، ولم يحقق رضا الله عنه أي مردود عليه. فلحقت به صفة أفسد الخلفاء الراشدين، فما بالنا ونحن امام سلطة لم نسمع اطلاقا ان الله قد رضي عنها طوال اكثر من نصف قرن وعمال خارج التصنيف الطبقي ويمتطي موجتهم اليمين الديني والفساد السياسي داخل المجلس الذين يمثل العمال والفلاحين نصف نوابه.
محمد البدري
برفض دفع الغرامة وصل الامر للتحقيق معها في قسم الشرطة فاتضح انها الزوجه الرابعة لاحد اعضاء الجماعات الخطرة التي رصدها الامن الفرنسي. أنجب زوجها 12 طفلا من زوجاته الاربع الحلال اسلاميا وحرام فرنسيا – كلهم مسلمين طبعا. اما الزوجات فيحصلن علي اعانات اجتماعية مالية من حكومة فرنسا التي يتهمها الاسلاميون بالعلمانية في افضل الاحوال وبالكفر في اسوأها. الاموال هذه طبعا حلال طيب في عرف الزوجات التي وضع الله الجنة تحت اقدامهن طالما الاموال مأخوذة بالخداع ممن ليسوا مسلمين.
حجة الحصول علي المعونات من حكومة فرنسا (عدوه الاسلام حسب ادعاء الاصوليين) ان كل زوجة تعول اطفالا بدون أب يكفلهم بينما الكفالة الشرعية نكاحا ومضاجعة للزوجات تجري عليهن بكل مساواة يرضاها رب العالمين حسب الحديث القائل عن أنس رضي الله عنه قال .. قال رسول الله حبب إلي من دنياكم .. النساء والطيب.. وجعلت قرة عيني في الصلاة وهذا يدل على حب رسول الله للنساء ولكن كان عدلاً في كل شيء .. في معاملته وتوزيع الليالي والنفقة ..أما في النكاح..( والجماع عند أبن القيم ) فقد روي عنه أنه قال اللهم هذا قسمي فيما أملك .. فلا تلمني فيما لا أملك وبعض النساء هداهن الله تفتي ...!! وتتكلم بما لا تعرف وتقول إن الرجل إذا أراد التعدد لابد أن يكون مستطيع للعدل في كل
شي حتى في قلبه وحبه .. سبحان الله هذا سيد البشر لا يمكنه التحكم بقلبه فكيف بالباقي من أمته.
قامت الحكومة الفرنسية بدورها في اقامة العدل بتوزيع نفقة من اموال الشعب الفرنسي علي الزوجات اللائي خدعن الادارة الفرنسية، ذلك العدل الذي لم يقيمه الزوج الفرنسي من اصل جزائري بعد ان خدعها نساء الرجل بانهن يعولن أطفالا دون أب كفيل طبقا للقانون الفرنسي الذي يمنع زواج الذكر المسلم باكثر من انثي واحدة. ربما تكشف الاحداث ايضا ان الرجل كان يعلم بتدليس الزوجات علي الحكومة بالغش في تقديم المعلومات لا يقرها القانون الفرنسي لكنها تسمح بسحب اموال من البنوك الاجتماعية الفرنسية.
بعد هذه الواقعة وما بها من ملابسات جديدة ربما سيكشف الزمن عن تفاصيل اخري مثيرة تصلح لافلام هوليوود، فان الحوار الدائر في الغرب لن يكون عن النقاب كحائل للرؤية اثناء القيادة او في الحياة اليومية او كحق من الحريات العامة في ميثاق حقوق الانسان انما في مدي الصدق والامانة وعدم التدليس والخداع لدي كل من قال لا اله الا الله وان محمدا رسوله.
محمد البدري
علي هذا الموقع يكتب د. عصام عبد الله اسكندر استاذ الفلسفة الحديثة بجامعة عين شمس مقالاته بينما ترفض الجامعة ترقيته لاسباب طالما سمعنا مثيلاتها بقبح معهود في احداث مماثلة كترقية د. نصر حامد ابو زيد، الذي احتضنته اكبر جامعات هولندا، وآخرون كثيرين ممن لهم راي مستقل وعقل مستنير. فرغم ان د. اسكندر متخصص في الفلسفة ولم يتعرض لدين بالنقد اللهم الا بكشف مدي تردي اوروبا زمن عصور ظلامها في غيابات الجهل دون فلسفة او معرفة واستنارة، الا ان المعركة الدائرة في الجامعة عبر تقارير ادارية ووظيفية ومهنية مع خلفية من الفساد المزمن الذي يغلف الدولة المصرية بكليتها وليس الجامعة فقط، يجعلنا نشتم رائحة الطائفية كخلفية للمشهد باكمله.
جامعات مصر برمتها لم يات ترتيب ايا منها ضمن افضل 500 جامعة في العالم بينما المظاهرات في ساحة جامعات مصر اعطت ظهرها لمياه النيل واهتمت باوثان العرب وطائفية الدين الاسلامي. تنكر جامعات مصر للكفاءة والقدرات التعليمية بطرد متفوقيها بناء علي اسباب شخصية او طائفية جعل منهم افضل العناصر التي يتم تعيينها في اكبر مؤسسات العالم. فالبيت الابيض في واشنطن حيث عاصمة الدولة التي يتمني ابناء جامعات مصر الهجرة اليها، رشح وعين مصريين كالدكتور زويل ومصطفي السيد و بباوي ليكونوا مستشارين لمستقبل ابحاث العلم والتعليم والتربية والتامين الصحي. الولايات المتحده بكل قوتها تعرف من اين تاخذ الكفاءات. جامعات مصر توفر لهم من يطور اعظم المجتمعات تطورا بينما تبقي هي في قائمة الجامعات بلا قيمة.
فاختيار الكفاءة في عالمنا الحديث منوط بما في عمل الباحث من جدية وابداع وبقدر ما يحمله من جديد، لكن ما يغلف الحياة المصرية هو شئ مختلف ينتمي الي نفس العصور الظلامية التي كتب عنها كثيرا د. عصام عبد الله. فهل هذا سبب مضاف الي الاسباب الرديئة والخفية التي ترفض ترقيته؟
محمد البدري
http://www.ahram.org.eg/132/2010/04/10/10/15149.aspx
وهذا طبيعي لكاتب يكتب لصالح السلطة فهي لا تريد تغييرا لكنها فوجئت برجل وبشعبية كبيرة مؤيده له تقتحم ساحة السياسة التي لم يحاور فيها احد السلطة. فهل كانت هناك ممارسات سياسية من اي نوع لاكثر من ثلاثين عاما؟ لم يدخل الرجل ساحة السياسة الا لان الساحة مغلقة امام المصريين وطالب في الجمعية المصرية للتغيير بالحد الادني والمتواضع من التغيرات التي تسمح للمصريين باخذ فرصة حرموا منها طويلا وبسببها لم تحقق شيئا الا الهزائم والخسائر من كل نوع.
فالتغيير ليس شعارا بقدر ما هو لب حركة التاريخ وروحه. فالجمعية والبرادعي إذن يعرفون ما ينبغي عمله إزاء الجمود والموات الذي ارتكبه الحزب الحاكم واوصل مصر الي درجات متدنية في احصاءات الامم المتحده. وبابسط قواعد التفكير فان اي متصفح لحال المجتمع عليه بالنظر اولا في القانون الاساسي الذي يموجبه يتحرك المجتمع اما الي الامام او الي الخلف، الا وهو الدستور. ولم يكن البرادعي هو اول من اشار الي عوار الدستور الحالي بل ان الحزب الحاكم طلب تغييره اكثر من مرة ليكون أكثر ضيقا وتضييقا ومنضبطا علي بعض من اعضائه فقط دون باقي الشعب المصري باكمله بما فيهم كل اعضاء الحزب تقريبا.
عند هذه النقطة فان الدستور يصبح فاقدا الشرعية لان كل القوي السياسة والاحزاب والمستقلين تطالب باعاده النظر فيه اما بالتعديل او بالتغيير الكامل له حتي يتيح لهم الدستور الجديد فرصة لتحقيق مطالبهم. وبناء علي هذه المقدمة البسيطة يصبح راي كل القوي المطالبة بالتغيير شرعيا باكثر مما في الدستور الحالي من شرعية. فالدستور هو تعبير عن ارادة الشعب. فما بالنا وهناك كثيرين وربما الاغلبية في الحزب الحاكم صاحب الدستور المعتل يطلبون ايضا التغيير!!!
فيالها من سخريات ان تصبح مطالب الشعب بالتغيير هي خروج علي الدستور، وهل الدسنور سوي تعبير عن اراده الناس!! بهذا اصبح الدستور الذي يلبي مطال الناس ليس هو الدستور المكتوب الحالي وكذلك السلطة ليست هي السلطة الحاكمة الان. فكيف وصلنا الي هذا التناقض الا لان الحراك السياسي كان ممتنعا لنصف قرن. انها مفارقة لا تقل عن مفارقات زينون والسوفسطائيين اليونانيين. فعندما يخرج اكاديمي صحافي ويقول بان ما يفعله البرادعي عمل غير دستوري ندرك ايضا ان الصحافة اصبحت تهريج صحافي ويقودها مهرجون بدرجة كاديمية واتي من اكاديمين ربما تناسيوا صفة العلمية في مناخ السلطة الصحفية ومكاسبها. فحق تغيير الدستور هو ضمن ضمانات الدستور للشعب اولا رضيت السلطة ام لم ترضي. فهل كان التغيير الذي مارسه الحزب الحاكم لاكثر من خمسين عاما بالوان وفساتين مختلفة خارجا علي الدستور وشرعيته عندما اقترح التغيير وقرر التغيير وفبرك التغيير؟ انه منطق مغلوط ومتآمر يحرم اصحاب الحق باتساع رقعتهم في كل ارجاء مصر في التغيير ويجعله حكرا علي من لا يريد تداول السلطة رغم البكاء علي ما يدعونه تحت مسمي الديموقراطية او الليبرالية.
اكتشف المصريون الخدعة التي في الدستور الحالي بعد التغيير الاخير له بجعله لا يتسع الا لشخص واحد دون الـ 80 مليون مصري بحيث يبقي الي الابد في السلطة. بهذا التعديل والتعديلات التآمرية زمن السادات ووجود المواد 76, و77, و88 المثيرة للشبهه والجدل والشك في امانة الدستور يصبح الدستور الحالي ساقطا لانه لا يمثل الشعب بل يجعله متفرجا غير مشارك رغم انه الدافع للضرائب والذي تجبي منه السلطة وصحفييها ثرواتهم. انها ليبرالية بعض مثقفي مصر الذين ارتضوا التنكر لليبرالية فاصبحوا اكثر وحشية من خاطفي العبيد زمن الترحيل بالسفن قديما.
وبدت فكرة جمع التوقيعات التي هي ببساطة مجرد تجميع لآراء ومطالب، وهو حق دستوري، فزاعة ليبدا التهديد بالاخوان المسلمين التي طالما هدد بها النظام العالم الخارجي ليهدد بها الصحفي اليبرالي طالبي التغيير بالداخل بالقول " فماذا سيكون الحال لو أن جماعة الإخوان المسلمين أو أيا من الجماعات الأصولية جمعت مثل هذه التوقيعات, وبعضها له قدرة أكبر بكثير من المجموعة التي التفت حول صاحبنا, وأرادت تطبيق برنامج الإخوان المسلمين الذي ينادي بولاية الفقهاء ولم يحدث تراجع واضح وصريح عنه حتي الآن, أو أيا من البرامج السلفية المنتشرة في البلاد؟!"
ولطمئنة السيد الصحفي الليبرالي فالاخوان لن يجمعوا توقيعات فهم ليسوا في حاجة اليها لان توصيفهم الصحيح انهم عملاء النظام وحلفاؤه وشركاؤه وجزء منه له مصداقيته عند الحزب الحاكم. فالدولة والنظام سلما نصف الجتمع المصري لفكر الاخوان فارتدت النساء الحجاب واخذت السلفية نصيبها من الكعكة فارتدت بعضهن النقاب. بل ان كثيرا من الرجال اصبحت عقولهم لا تفكر الا بالدين وهو امر يتفق مع توجهات الدستور الحالي الذي يستبعد عقل الشعب باكمله بتوجيه دفة تفكيره الي الغيبيات حتي لا يلتفت الي ما هو واقعي علي ارض وطنه. فهل يفكر الحزب الوطني بعقل الاخوان ويصبح برنامج الحزب هو برنامج الاخوان والاصوليين والسلفيين. فمن يا تري الذي خرج علي الدستور بنشكيل حزب بل ومجتمع علي اساس ديني بضرب قيمة الوطن والمواطنة وحرية التعبيير بعدم التغيير حتي ولو كان التغيير هو امل المصريين جميعا الا قلة قليلة اصبح الدستور الحالي دستورها والصحفيين دعاتها وفكر الاخوان فلسفتها. فهل ننتظر حوارا جادا بين السلطة وصحفييها ام اتهامهم بالجنون عندما يكلم الشخص نفسه؟
محمد البدري
ويبقي السؤال هل يمكن لمعتنقي ايا من الديانات الثلاثة ان يتبنوا ضميرا حيا للوقوف ضد العنف والارهاب الذي باركته الاديان وانزل من فوق سبع سماوات طباقاً؟ قبل طرح السؤال يمكن التقديم له: كيف ينشأ الضمير وما هي شروط وجوده؟
فرغم نشأة الضمير عند المصريين القدماء الا ان موسي الذي قالت عنه التوراه بأنه تهذب بكل حكمة المصريين لم تستطع توراته تهذيب قومه بما تهذب به، ومع ذلك فضلهم الله علي العالمين لاحقا. كتبهم المقدسة تمتلئ بما يندى له الجبين. ولان القرآن يعترف بما هو سابق من كتب واديان وجعل منها نورا ورحمة، فان الهولوكست منذ نشأته قديما استمر في عقول وذهنية المعترفين بوحي السماء يتبادلونه فيم بينهم وبمباركة الكتب وأهل الكتاب جميعا دون القدرة علي خلق ضمير واحد كالذي تولد عند المصريين القدماء. فليس غريبا إذن ان نجد السب لفرعون وقومه يشكل ارضية هولوكوستية لم يعرفها المصريون، اللهم الا إذا كان فرعون هذا ليس مصريا كما جاء في كتاب المفكر الفذ الاستاذ / عاطف عزت المصري بعنوان: "فرعون من قوم موسى". فالكتاب استدلال منطقي من تحليل لغة القرآن وفقه اللغة العربية بكل اشتقاقاتها وتداعياتها عبر التاريخ. حيث جاء في المقدمة ان الكتاب دراسة تعدل التاريخ الذى قلبوه رأساً على عقب. ويستطرد فيقول "فرعون موسى ... كان من قوم موسى، هو آخر ملوك الهكسوس. فالمعركة بينهما بكل ما فيها من تعذيب وقتل ثم هروب وخروج كانت معركة داخلية بين أفراد من نفس القوم الهولوكوستيين، ولم يكن للمصريين علاقة بها". فالهلوكست القديم جدا قدم العصا الموسوية له تأسيس داخلي بين اناس كان الضمير غائبا عنهم رغم احتلالهم لارض الضمير كما قال "هنري بريستد" في كتابه الشهير "فجر الضمير".
ووقف اصحاب الضمير واصحاب الارض يتفرجون علي فضيحة سجلتها الكتب المقدسة جميعا بعد ان جعلهوا شرعة ومنهاجا. فماذا عن ورثة الانبياء وكل من اقنعنا بالنور والرحمة في كتب الأولين؟ فعالم العرب والمسلمين مطالب بتصفية الحسابات التاريخية لهم ولكل من ورثوهم دينيا او عرقيا او تربعوا عليهم وقالوا بانهم خير امة اخرجت للناس. فخير الناس او من فضلهم الله علي العالمين لا يستطع احد تصورهم وهم يقومون باعمال هولوكوستية إما باسم الرب كتعاليم مباشرة منه او بالجهاد كفرض عين علي المؤمنين وغيرهم من اصحاب العقول الحية.
يعيش الآن عالم العرب، وفي قلبه عالم اليهود، ذات الفترة التاريخية التي كانت تعيشها أوروبا لحظة الخروج من عصور الظلام الي العصور الحديثة. فمحاولة إنقاذ القرآن من النقد مرت علي الاوروبيين لانقاذ الكتاب المقدس وشروحه التقليدية. وهو ايضا تكرار ممل لما كان قائما علي ارض فجر الضمير في الزمن السحيق باعادة النظر في كل نص ادعي صاحبه انه تلقاه من السماء. فالهروب من التاريخ ليس سهلا علي اهل البداوة من جانبي اليهودية والاسلام . فالماضي إن آجلا أم عاجلا سوف يعود مجددا لو ان العقل الحامل للنص المقدس وخالي من الضمير هو المتحكم في مصير البشر. لكن الصراحة والمواجهه بهدف تصفية الحسابات ضرورية. وضرورتها اكثر اهمية بين الفريق الواحد لان الصراع بين الفريقين المختلفين علي من هو الله ولصالح من يعمل هي محسومة ليس لصالح الله وانبياؤه إنما لصالح العالم الغربي الذي توعك لاكثر من الف عام بالمسيحية وخرج الي نور العلمانية والديموقراطية.
علي هذه الارضية العلمانية والديمقراطية الجديدة بدأت معارك من نوع آخر بين الايديولوجيات الراسمالية والماركسية ومعارك قديمة تجدد نفسها بين العنصريات القومية كالناصرية والبعثية. ومع سقوط السوفييت في المعركة انتكست الطفيليات القومية الناصرية والبعثية العروبية الي ظلام الاديان فظهرت الاصولية السلفية لتعلن الحرب علي الجميع دون استثناء. فما اكثر الضربات العشوائية للعميان. لهذا دعمتهم الراسمالية الغربية لتنتشر الاصولية حتي تتجدد انتصارات من تسلحوا بفلسفة الانوار علي من التحفوا بافكار الظلام. فما أسهل أن يصطاد البصير الاعمي. وهل يستوي الاعمي والبصير؟
بمباركة امريكية استضافت الولايات المتحده سيد قطب. ذهب اليها الرجل ماركسي الفكر وناقدا فنيا فعاد اصولي التفكير. وتكرر الامر مع ايمن الظواهري ومؤخرا اعترف محمد حسان الشيخ النجم او راسبوتين الاسلام الحالي بانه ذهب ايضا الي هناك حيث جادل وانتصر علي عالم امريكي لا يؤمن بالله واليوم الآخر. واستقبل الغرب الخميني في حضانته حتي اتت الفرصة فارسلوه علي طائرة الخطوط الجوية الفرنسية لتستقبله الجماهير المؤمنة في إيران الإسلامية.
فتح ملفات زيارة الولايات المتحده وزيارة كل من اصبح زعيما دينيا وجاء ليشكل تنظيما مخربا أو تأليفا لكتب بعناوين مثل "في ظلال القرآن" او "الفريضة الغائبة" وكتابة تنظيرات هولوكوستية حديثة، يحيلنا الي كيف يتم إعادة تصدير الماضي الي من لا يريد مغادرة ماضيه. بكاء مثقفي لغة الضاد علي الارتداد الي الوراء بعد ان تسلحنا ببعض من قيم الحداثة علي مدي قرن ونصف تقريبا لن تجف دموعه الا بفهم معني اليهودية والإسلام كوحدة واحدة لا انفصام فيها. استدعاء احدهما يستدعي الثاني بالضرورة فلا توجد عملة بوجه واحد علي الاطلاق.
هكذا نشا صراع الشرق الاوسط بجذوره الموغلة في القدم منذ اول هولوكوست وتكرر مرارا وتكرارا بمباركة انبياء الديانتين اليهودية والاسلام علي حد سواء. وبعد ان انتهت حرب الايديولوجيات الكبري تفجرت صراعات العرق والطائفة والمذهب والدين. انها القنابل التي لم نجرؤ يوما علي تفكيكها بل اضاف اليها امثال عبد الناصر ومن قبله مفكري البعث القومي ومشايخ السلفية الاصولية من الديانتين اليهودية والاسلامية مزيدا من المواد سريعة الالتهاب. فانفجرت في وجوهنا ووجه الولايات المتحده في جريمة 11 سبتمبر. إن تفكيك الدوجما الاسلامية المحاطة بقشرة عربية وتمولها اموال نفطية وترعاها مصالح غربية خارجية وفساد محلي داخلي، شرط لفهم ما يمكن عمله إزاء حقل الالغام هذا. فبينما النفاق العربي الذي يستضيف ليبراليين وعلمانيين ويهود وملحدين كوضوء من تهمة التشدد في مهرجان الجنادرية السنوي
http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&issueno=11436&article=561835
هي ذاتها التي تمول باموال النفط السعودي لزرع الالغام ولنشر السلفية الارهابية الوهابية في فضيحة تمويله في البلقان:
http://www.timesonline.co.uk/tol/news/world/middle_east/article7078771.ece
انه النفاق العربي الكامن في صلب الثقافة العربية الاسلامية. كما لو انه لم يكفهم هولوكست يوغوسلافيا منذ أكثر من عشر سنوات.
تعاظمت طباعة كتب التراث في الثلاثين سنة الاخيرة الي الحد انها شكلت أكثر من نصف معرض القاهرة للكتاب. كتب كلها لا تفخر الا بالهولوكست الذي قاده من رضي الله عنهم واصبحت أقوالهم في كتب هي الصحيح بخاريا ومسلما. وتعلن احصاءات البيع بانها الاكثر مبيعا رغم ارتفاع سعر الورق ومستلزمات الطباعة والنشر. فالمحنة التي يعيشها عالم لغة الضاد ستجر معها كل المجتمعات الاسلامية وتسعي لجعل ماضينا هو مستقبلنا. وبالتالي فان منطق الحل يقول ان من الواجب تدمير المستقبل المرسوم لنا كشرط لظهور مستقبل مختلف للاجيال الجديدة، حيث لم يعد احد يبني مستقبله بناءا علي ماضية او استدعاء ماضيه ليكون مستقبله. الخيار الاخير هو مشروع اسلامي اصولي سلفي يتآمر به علينا مشايخ الاسلام وحاخامات اليهود واثرياء العرب وبعض القومجية من العروبيين . فلماذا يحشر المسلمون البسطاء انفسهم في معاركه هولوكوستية باستدعاء داوود وسليمان وبناه الهياكل علي انقاض اناس لم يكونوا في ذاكرة الله وقت تسليمه التوراه لمن فضلهم علي العالمين ثم تتسلط عليهم كتب جديدة باسم نفس الاله ويحولونها الي مساجد وبعهده عمرية لم تكن تراضيا انما إذعانا.
فإذا كان الأمر كذلك فإننا لن نخرج من ورطتنا هذه بالفكر العربي الاسلامي او اليهودي التوراتي كمأزقين ومصيدتين لنا جميعا. فالقوميين أتوا ايضا بمباركة امريكية كما كتب "مايلز كوبلاند في كتابه الشهير" لعبة الامم" واجبروا المنطقة لتكون امام خيارين لا ثالث لهما كلاهما مهزوم. فإما أن نتجرأ لمرة واحده واخيرة بمناقشة الثوابت التي رسخها القوميين والاسلاميين واليهود بالتطاول واحترام الذات امام بعبع القداسة. وإما الخضوع لها الي حد الاستلاب والهزيمة النهائية. وبكلمات اخري علينا بتبني منهج جديد اصبح قديما في عرف العالم الحديث وهو ما قدمه توماس كون في كتابه الشهير بنية الثورات العلمية وهو ايضا ما مده الفيلسوف باشلار علي استقامته عندما قال بالقطيعة المعرفية كشرط للتخلص من جهل الماضي وضمان مستقبل جديد.
فالمشروع الذي يجري تمويله نفطيا ليس القطيعة بل تكريس نفس النموذج القديم باستدعاء الماضي المكتوب في كتب صفراء. القطيعة هي هزيمة للمتآمرين علينا بذقون ولحي يمولهم امراء النفط واثرياء العرب. فالفساد استفاد من مقولة ماركس الشهيرة عن الافيون لتتعاطاه العقول حتى ينتعش الفاسدين.
درس الاستعمار التقليدي بلاد العرب وظهر المستشرقون فوجد السياسيون عندهم كنزا لا يفني في تراث المنطقة يحيلها الي منطقة تجارب لكل انواع الاسلحة والامصال وتجريب المنتاجات الجديدة والاستهلاك بنهم لكل منتاجات الحداثة عندهم. هو لديه كل ما تحتاجه شعوب المنطقة بدءا من حفاظات الدورة الشهرية لطهارة الانثي المؤمنة حتي الحزام الناسف من اجل الشهيد المشتهي لاثنين وسبعين من الحور العين. لكنه لا يملك شيئا يمكن به عمل اصلاح داخلي للاسلام أو الخروج من كهف الجاهلية العربية رغم ان المنطقة مرت بها وعليها كل الثقافات والايديولوجيات والافكار التي يمكنها اصلاح افسد انواع البشر. سالت صديقا مشاغبا عن كيفية اصلاح الاسلام رد قائلا: الاسلام مالوش حل. وهنا نستعيد الموقف من الضمير الذي نعتقد اننا في حاجة اليه في هذا الزمن المعقد حيث لا تعاقد فيه بين حاكم ومحكوم انما طاعة وانصياع بين خالق ومخلوق ويعيد فيه الحاكم تصدير اقوال الخالق الي المحكوم المخلوق حيث لا تنفع معه ثورة او احتجاج او اضراب. ورغم ذلك تظل نظرية توماس كون وفلسفة باشلار معروضة امامنا في بوفيه مفتوح لضرب مشروع اصحاب النوايا الشريرة. فالدعوة اليه مجانية وليس مطلوبا سوي الشجاعة والجرأة لنتذوق منه تفاحة العلمانية والمعرفة وكفي، مثلما اخذتها حواء فعلمت آدم الجاهل مبدأ اللذه لكن دون باقي القصة الطويلة السخيفة والمملة التي لو اكملناها لوجدنا ماضينا امامنا مرة آخري بنفس الحكام واصحاب اللحي ولارتكاب كل هلوكوست ممكن من داخلنا ونكون نحن أول ضحاياه.
محمد البدري
هل تنطبق معايير وضوابط النشر المرئي والمكتوب على شبكة الإنترنت؟ هذا السؤال يسبقة سؤال آخر ، هل التليفزيون له ضوابط بكل السفالات المرئية الغير عقلانية به وخاصة من القنوات الدينية؟ انا لاأعتقد أن هناك رقابة علي التليفزيون باي شكل طالما ان ما يقال يخدم النظام السياسي وفقط. ودعونا من اكذوبة حماية حقوق الملكية الفكرية فما اكثر السرقات في عالم العرب والمسلمين التي طالت سرقة اقوال الكتب المقدسة من بعضها البعض. إن تحول التليفزيون ليكون منصة اطلاق للجهل في عالم العرب والمسلمين جعل من الانترنت قلعة لتحصين عقل القارئ والمشاهد من مفاسد الفكر التي في يد جماعات الارهاب المتطرفة فكريا.
فالدولة والنظام بكامل سلطاتهما يتدخلا للمصادرة والمنع وقتما يشعرا بالخطر عليها، لكنهما تركا كل ما ينمي الغباء والجهل في عقل رجل الشارع والمواطن. لهذا سمحت لشبكات التنصير والأسلمة تنمو بشكل قوي فليس هناك اكثر جهلا من المتدينين او من يفكر في احوال الدنيا من خلال ثقب الايمان.
لكن الخطر الحقيقي الذي تخافه دولة العربان والاسلام ياتي من مواقع اللادينيين او الملحدين والعلمانيين أوعلي الاقل من كل موقع به نقد للاديان والشرائع المتفق ضمنا عليها بانها سماوية. فالدولة الفاشلة هي من يقصر الاديان علي تلك الديانات الثلاث المسماه بالسماوية اما الدولة الاكثر غباءا فهي التي تقصرها علي الاسلام وفقط. وجميعهم متناسيين ان هناك الاف الاديان ومعظمها يدعو لقيم اكثر رقيا مما جاء في الاديان السماوية.
شبكة النترنت هي منصه واسعة لاطلاق طاقات الشباب قبل الكبار ليقولوا ما لا تجرؤ دول الانحطاط العربي قوله وليتعارف الناس فيما بينهم ويتقاربوا بكل لغاتهم وثقافاتهم بافكارهم من بعضهم البعض مع الاحتفاظ بالخصوصية ومع تغييرها ايضا حيث تقام المقارنة بين ما يقوله الجميع من باطن كل ثقافة. لم تتمكن الايه القرانية القائلة انا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا بتفعبل هذا القول بقدر ما قالته وفعلته الشبكه العنكبوتية للمعلومات. فايهما كان اكثر اهلية يا تري؟
اخطر ما في الشبكة العنكبوتية هو التجييش السياسي للافراد والمواطنين ونشر كل ما لا يقبل النظام السياسي العربي او الاسلامي به. فالدفاع عن الحريات والوقوف ضد التوريث وفضح ممارسات الامن والتعذيب والتنبية الي حقوق المواطن كلها من مكتسبات الانترنت التي اخترعها الغرب ومجتمعات العقل والعلمانية. فهل كان فضل الانترنت علينا عظيما؟
الانترنت هو دولة مدنية ديموقراطية يمكن ان ينبح فيها الاصوليين باعلي حناجرهم وسنكون سعداء باقوالهم. فسعادتنا ليس مردها اننا نصدق ونقول آمين لما يقولوه انما لان هناك مساحة لا نهائية لتفنيد وفضح ما يقولوه. فما اكثر ما مررت الاصولية من اكاذيب وضلالات وحشرتها في عقل البشر لانه لم يكن هناك اي فرصة لنشر نقد ما يقولوه.
الانترنت دولة مدنية تتسع للجميع بما فيها الاصوليين والسلفيين وكل مروجي الاديان لكن بها ايضا العقلاء واصحاب الفكر السليم. انها مدينة كبيرة بها المجانين والاطباء في وقت ومكان واحد. هي مكان به المرض وبه الشفاء انها الكون بكل ما افرزه من سخافة وعقلانية. من يريد وضع الكون تحت الوصاية بغلق مواقع ومصادرة بلوجات وحجب صفحات انترنتية فهو يرتكب نفس الجريمة التي لم تنجح الالهه في ارتكابها.
محمد البدري
يتعامل النظام السياسي علي جبهتين الداخلية والخارجية ولم ينجح في ايا منهما لسبب لم يعد خاف علي احد الا وهو الدين. فالدين، بطبيعته، لا وجود مادي له يمكن التعامل معه بموضوعية، انما هو اقوال بشر تمت بها السيطرة علي عقول لم تكن لها معرفة عميقة بمعني الوجود او قوانينه. أما بالنسبة للخارج فهو سهم طائش يصدر من داخل المنطقة ليبطش بمن في الخارج اجتماعيا وحضاريا هدما للعمران وتفتيتا للنسيج الوطني في دول علمانية مدنية في اسس تكوينها الحديث. قديما، سقطت روما بالمسيحية وخضع حاكمها لاقوال البسطاء المظلومين من جراء نظامها العبودي. لكنها وبعد السقوط جرت اوروبا باكملها الي عصور الظلام. ذات الامر في الاسلام عندما اجتاحت القبائل العربية بدون اي مبرر كل مناطق الشرق الاوسط. وبكلمات اخري، فإن الدين بالنسبة للعالم خارج وداخل الشرق الاوسط هو عامل هدم وليس بناء.
الترويج الدائم للدين عبر الاعلام الذي يتحكم فيه النظام السياسي المشترك في كل دول المنطقة تمتنع معه انطلاق القدرات الفردية وتحقيق حد ادني من التنمية القائمة علي التشارك بالمساواه التامة في الحقوق والواجبات بين ابناء الوطن الواحد. وهذا هو الفارق بين و,روبا بعد انتفاضها من قدرها المسيحي وبين الشرق القابع في ظلام العصور الوسطي. إضافة الي ان الامساك بتلابيب الدين الاكثر انتشارا يحول المنطقة بشكل دائم لقنبلة قابلة للانفجار الطائفي في اي لحظة، هي ذاتها اللحظة التي يجد النظام العربي ذاته مأزوما في لحظة اشعالها تامينا لنفسه بحجج الحفاظ علي ذاته المفرطة والمفرطة في حقوق المواطنين مهما كانت دياناتهم، مغامرا بتعريض السلام الاجتماعي والوحده الوطنية وسياده القانون والمساواه والعدالة بين المواطنين الي الخطر. فالدولة تحت مثل هذا النظام لم تبحث بجدية في خلفياتها التاريخية التي اوصلتها لحالها الراهن. لكنها اعتمدت موروثها القروسطي في تعاملها داخليا وخارجيا الملئ بالفتن الدينية. فهي لم تعد تعبأ بما يهدد بنية الدولة من داخلها، بعد ان قلل الفكر القومي العروبي والاسلامي من دور الفرد، ولم يعتمد شكلاً حداثيا من أشكال الوحدة الحديثة، وعليه فقد امعن في السفك بحقوق المواطنة والوطن لصالح ما يجعل الانفجار الطائفي ممكنا.
ولان النظام العربي لا يريد الخروج من مازقه لاستفادته من المأذق ذاته فقد تمترس وراء ثلاث دوائر هي الوطنية والقومية والاسلامية. لكن المثير للسخرية ان كل نظام حاكم يتشبث في الوطن ويتاجر بالقومية والاسلام. وكما قال احد دهاة السياسة بان "الوطنية آخر ملاذ للاندال" فقد تم اللعب بالقومية والدين ويبقي النظام يدافع عن الوطن حتي ولو تبني اجنده الدين والقومية الوافده عليه. لكن ولان الوطن ليس له سوي اكثر من ملاذ للاوغاد فلن يفعل به هؤلاء باقل مما فعلوه عندما عاثوا فسادا باسم القومية والدين في كل الشرق الاوسط فيما سموه بالامة قوميا مرة واسلاميا مرة أخري. فالوطن اصبح وكرا للخارجين علي القانون او منصة اطلاق كالتي تقيمها حماس لجباية شرعية باسم ما يسمي مقاومة لصالح الامة!!!!
التوفيق بين ثالوث الوطنية والقومية والدين مستحيل في اي مكان في العالم. فكل وطن ليس سوي اكثر من عده هويات عرقية تم تذويبها، ويجمعهم اديان متعدده حتي ولو تضاربت الهه كل دين. لهذا فان الوطن بمدنيته هو الحل الوحيد علوا فوق الفروق التي لازال يحلو لبعض السفهاء استغلالها لفك اوصال اوطان اوروبية حققت رفاهية وامن ومواطنية لكل سكانه مثلما نسمع عن محاولة شق سويسرا الي ثلاث دول من منصة اطلاق من شمال افريقيا.
مصلحة النظم الحاكمة في الشرق الاوسط لا تقوم علي استغلال قوي المواطن الفكرية والعقلية والعضلية وكذلك عمل مؤسساته المتعدده مع استغلال أمثل للمصادر الطبيعية وما توفره البيئة من ثروات إنما الادعاء بانه القادر علي حماية الامن القومي والوحده الوطنية وامن المواطن والدفاع عن الدين والعقيده. وبكلمات واضحة هو يتبني ويدافع عن كل التناقضات وحواف الدم داخل كل وطن برعايتها وليس بابطال فعاليتها. فاستغلال الدين المتمسكين به ويوجهونه دعاية وترويجا، بيعا وشراءا، بعمل فتن طائفية لكفيل ببقائهم بحجة الحفاظ علي امن الوطن والمواطن بعد ان فقدوا كل الاوراق في ملفات الامن القومي العربي للمنطقة. قبل ذلك اتوا باكبر هزيمة في تاريخ البشرية في حرب يونيو الشهيرة عندها سقط البعد القومي. الان يتلاعبون بالدين ولن يكون الامر مختلفا في نتائجة لان اللاعب هو ذات البهلوان بامكانياته العاجزة علي نفس الحبال التي سقط منها سابقا.
المشكل الاكبر في مسالة استخدام الدين انه سريع الالتهاب اينما وجد، لهذا يتم تصديره الي الخارج في اوطان تخلصت من الارث الديني بكل تخلفه وعنفه وعدم تلبيته لطموحات الانسان. هكذا تضع النظم حدود الدم والدين وخلق جبهه ساخنة بين ما هو اقليمي وعالمي.
ولان النظام العربي الاقليمي لا ارث حضاري له سوي ما في جعبة العروبة من ثقافة سياسية او معرفية فان الضحالة والجهل هو ما يميزه عن باقي النظم في العالم. فلم يدرك النظام العربي الحكمة البسيطة القائلة بان "ما تصنعه يصنعك". جهلهم الفادح اوصل اليمن ان تصبح حاضنة لكل انواع التناقضات الايديولوجية في اعلي مراحلها الفكرية (كالايديلوجيا الماركسية في الجنوب) متضاربة ومتصارعة مع احط وادني التشكيلات القبلية البدائية في سلم التطور الحضاري الانساني وكلها تجري برعاية نظام عربي تحت قبه جامعته ويجمع كل شئ في جعبته لكنه كالحمار (مع الاعتذار لهذا الحيوان المسالم) لا يدري بما يحمله علي ظهره حتي ولو كان الماء وهو يعاني من العطش. الامر الذي ادي الي ان تصبح ارض هذا البلد حاضنة لاحط انواع الفكر الديني السلفي ممثلا في الارهاب الاسلامي الاصولي. انها تكرار ممل لتجربة الصومال والجزائر والسودان.
يختلف نسيج كل وطن عن الاخر في الشرق الوسط، بل ان تاريخية كل منها تختلف جذريا في نشاته واصوله وكيفية تعامله وقبوله للاسلام. فالاخير هذا (وقت تاسيسه) حمل كثيرا مما لا يصلح للمجتمعات الاكثر تقدما حضاريا لهذا (وبعد دخوله اليها) تشكلت بيئات حضارية كل منها يحمل ما يناسبه. ورغم ذلك ظل النظام العربي يردد اقوال الارهاب الاسلامي بان هناك وطن اسلامي واحد يسمي دار الاسلام اقام له مؤسسات كمنظمة المؤتمر الاسلامي لتضم من ليس بعربي، فيه تركيا وباكستان واندونيسيا وايران واوطان افريقية وآسيوية لا تنتمي للعروبة اللهم الا بقدر ما ينطق به القرآن صوتيا. فاكثرية مسلمي دار الاسلام من العجم وتسوده خياراتهم بما يصلح لها من قيم الاسلام الخام الذي وصلهم سابقا. فمثلما تشكل ما اصبح يسمي وطن عربي يختلف باختلاف مكوناته الحضارية تشكل عالم اسلامي يختلف باختلاف مدي قبوله ما يناسبه مما في الاسلام. فالتململ، علي سبيل المثال، من تعدد الزوجات دفع تونس التي حسبت علي التجمع العربي والاسلامي ان تعيد النظر في مفهوم التعدد الزواج قانونيا. وفي السودان الذي يضم اكثرية من العجم الزنج اخذت المعارضة السياسية باصوليين سابقين مثل حسن الترابي علي الخوف من تفتت وطنه تحت دعاوي العروبة او الاسلام فاقترح بجواز زواج اليهودي من مسلمة وكذلك حق الارتداد والاعلان عنه. بل اصبح لدينا وبشجاعة مشكورة من يقول في مصر بجواز ولاية المسيحي المصري (القبطي) للولاية العامة.
تدهور دور العرب، رغم كل الدعم المالي لاعاده زرع العروبة وعسف الاسلمة في العقود الاخيرة، ادي الي اعاده النظر فيما يقال بانه شريعة اسلامية. لكنه لا يكفي في حده الادني للقول بان وجها عروبيا او اسلاميا جديدا يحاول ان يتوافق مع واقع حال العالم في هذه الالفية الجديدة لان هناك شواهد اخري كزرع النقاب المدفوع الاجر في فرنسا او محاولة تطبيق قوانين الشريعة في المانيا وكندا تؤكد ان صراع التحولات في اتجاه التحضر والمدنية داخليا جعل الاصولية العربية بوجهها الديني يفتح جبهه المعركة الحضارية بزراعة ما ينبغي التخلي محليا في التربة العالمية. وكما سبق قوله فان النظم العربية تتفق والاسلام الاصولي معتبرة نفسها جزءا من دار الإسلام الذى يدعي انه لا يفرق بين العربى وألاعجمى لكنه يشهد بالعنصرية ضد ما هو عثماني او ايراني او تركي او زنجي او امازيغي او قبطي، كلها ظلت قائمة واضيفت اليها كل العناصر التي وفدت تحت الاستعمار الاوروبي للمنطقة والتي تحسنت فيها احوال أهل الذمة باكثر مما انجزه العرب والمسلمين علي مدي اكثر من الف عام.
أدت التداخلات العرقية والثقافية والحضارية المكونة لمنطقة الشرق الاوسط بكل ما فيها من قديم اصلي او وافد مستجد الي ظهور افكارا جديدة لم تكن المنطقة بقادرة علي انجازها قبل ذلك. فالفكرة القومية هي من اصل اوروبي منذ نشاه الدولة االاوروبية الحديثة وهي ذاتها التي اختفت حاليا داخل عباءة العولمة لكن الفكرة ذاتها مازالت تفجر جدار الدم للتفرقة بين ما هو عربي وأعجمي وسني وشيعي ومسلم وغير مسلم. فمع ظهور فكرة القومية العربية واخفاقها السريع اشتعلت معها ازمة الهوية ومدي تحديدها فيما اسموه وطن عربي او عالم اسلامي. وبينما ظلت العلوم والمعارف الاوروبية هي الاساس في الفهم والمعرفة في الزمن الحديث بمساهمتها لانشاء الدولة الحديثة، فقد ظهرت لها مقاومة من نوع آخر تهدف الي اسلمة العلوم تخلصا من العلم الحديث وتشكيله لعقل حداثي لكل من افترسته العروبة يوما او دخل في الاسلام ظالما او مظلوما.
مع كل ازمة اصبح لقراءة أعمال المستشرقين اثر كبير في فهم اسباب الازمة وكيف أنها كامنة في التراث المشرقي الذي لم يتعرض للنقد داخليا. واكتشف كثيرين بعضا مما تعايشوا معه دون وعي منهم بمدي العسف الذاتي بهم جراء قبول ما لم يشاركوا في تاسيسه او قبوله او حق الارتداد عنه. وهي ذاتها الفترة التي بدت ازمة الهوية تاخذ منحي شديد الانحدار في اتجاه اعاده صياغة الذات اصلاحا للتخريب المستدام املا في تنمية مستدامة. فكما لم يفلح تاريخ المنطقة في إلغاء ما هو وطني قديم ومتجذر وفي زرع ما هو قومي شوفيني وعنصري بالتوحيد علي اسس اسلامية فان النخب الثقافية باتت تبحث عن سؤال الهوية مرة اخري. كسر بعضهم كثيرا من تابوهات الماضي وتبرؤا من كتب خطوها بايديهم في زمن الاحلام التي اتت باكثر الهزائم قسوة وباعظم الخسائر فداحة.
وقف النظام العربي يرصد ما يجري تحت جسوره من مياه آسنة وحاولت اجهزته التعويضية كالجامعة العربية او المؤتمر الاسلامي في إعاده توجيه رياح العنف الداخلي والتمزق الوطني والتخبط الاقليمي الي الخارج كالدفاع عن الحجاب والنقاب في اوروبا مستخدمين الشحن الجماهيري علي الطريقة العروبية القومية او الاسلامية الاصولية، كما جري في حادثة مقتل المحجبة المصرية في المانيا او قانون منع المآذن في سويسرا وقوانين الضبط والمراقبة في انجلترا ومنع النقاب في فرنسا. ولم يعي النظام العربي بعد ان الهوية الوطنية خارج عالم العرب والاسلام قد تاسست علي قيمة الفرد ومدي عطاؤه ومساهمته وليس علي اساس عرقه او دينه ومدي طاعته لحكم اولي امر لم يشارك في اختيارهم. لهذا حققت هذه المجتعات نموا غير مسبوق بما فيها الصين التي تتحول وتجدد شبابها. جميعهم اخذوا فرصتهم لاكثر من نصف قرن اثبتت فيها الهوية المتماسكة والقوية قدرتها علي الصمود ومواجه التحدي بعكس عالم لغة الضاد والاسلام الذي يتخبط في دمائه الداخلية ومخلفاته الحضارية حيث اصبح الدين وكأنه القبيلة والعرق والعنصر والقومية وكأنه الذات والهوية وضاع ما كان يسمي وطنا ربما لان العرب لم يعرفوا القومية ابدا ورددوا بجهل ان الاسلام وطن.
فليس هناك تضليلا بأكثر مما يوفره الفكر العربي المعاصر والقديم من إشكالية الدولة ونظامها السياسي. فهي الدولة السلطة ولا شئ آخر ولا علاقة لها بما يسمي بالأمة أو بالمجتمع المدني أو بالحريات الفردية؟ إن كل ما هو عربي او اسلامي يتناقض جذريا لمفهوم الدولة الحديث بشقيه الليبرالي والماركسي. فالاخيرين يعتمدان علي واجبات شروط العمل بغض النظر مدي اتساع ايهما لراي الفرد في كلا منهما وحرياته الفردية ووحقوقه بالتبعية. لكن النظام العربي الذي بات خطرا علي العالم الخارجي ليس اكثر من جماعة مثل جماعات الكهوف الطالبانية ترعي قطيعا يسمي الشعب تدربه علي النباح ضد كل الانظمة الخارجية تحت مسميات قديمة اسمها الامبريالية والاستعمار والهيمنة. وحاليا فقد اسفر وجه النظم عن نباح تؤديه بدلا منه جماعات الاسلام السياسي بان العالم الخارجي هو دار حرب.
محمد البدري
في ليلة سوداء خرجت جماعات مسلحة الي شوارع العاصمة لتحاصر قصرا ملكيا لم يكن به احد سوي الخدم. وجهوا فوهات مدافعهم الي مكان ليس به الشخص الهدف الذي قاموا من اجله. بعد ساعات قلائل وفى صباح يوم 23 يوليه وبعد احتلال دار الإذاعة اذاع احد ضباطها البيان التالي:
"اجتازت مصر فترة عصيبة في تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم، وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش، وتسبب المرتشون والمغرضون في هزيمتنا في حرب فلسطين، وأما فترة ما بعد الحرب فقد تضافرت فيها عوامل الفساد، وتآمر الخونة على الجيش، وتولى أمره إما جاهل أو فاسد حتى تصبح مصر بلا جيش يحميها، وعلى ذلك فقد قمنا بتطهير أنفسنا، وتولى أمرنا في داخل الجيش رجال نثق في قدرتهم وفى خُلقهم وفى وطنيتهم، ولا بد أن مصر كلها ستتلقى هذا الخبر بالابتهاج والترحيب.
أما من رأينا اعتقالهم من رجال الجيش السابقين فهؤلاء لن ينالهم ضرر، وسيطلق سراحهم في الوقت المناسب، وإني أؤكد للشعب المصري أن الجيش اليوم كله أصبح يعمل لصالح الوطن في ظل الدستور مجرداً من أية غاية، وأنتهز هذه الفرصة فأطلب من الشعب ألا يسمح لأحد من الخونة بأن يلجأ لأعمال التخريب أو العنف؛ لأن هذا ليس في صالح مصر، وإن أي عمل من هذا القبيل سيقابل بشدة لم يسبق لها مثيل وسيلقى فاعله جزاء الخائن في الحال، وسيقوم الجيش بواجبه هذا متعاوناً مع البوليس، وإني أطمئن إخواننا الأجانب على مصالحهم وأرواحهم وأموالهم، ويعتبر الجيش نفسه مسئولاً عنهم، والله ولى التوفيق".
بعد ثلاثة أيام إجبر الملك فاروق على التنازل عن العرش لابنه أحمد فؤاد ومغادرة البلاد. وفى اليوم التالي أصبح جمال عبد الناصر رئيساً للهيئة التأسيسية للضباط الأحرار.
كان الملك في الاسكندرية وقت حصار القصر في القاهرة وعندما غادر كان السفير الامريكي كافري في وداعه. ولحفظ ماء الوجه فقد تم استدعاء محمد نجيب لوداعه فوصل متاخرا الي حد انه اضطر الي اخذ زورق حربي للحاق بالباخرة المحروسة في عرض البحر لتقديم التحية.
لم يكن الملك اسيرا بين ايدي من قالوا بانهم ثوار بل في حضرة السفير كافري ومع ذلك خرج البيان ليقول " إجتازت مصر فترة عصيبة... وتولى أمرنا رجال نثق في قدرتهم وفى خُلقهم وفى وطنيتهم " التعديل في البيان هنا متعمد.
كان تحديد الملكية والاصلاح الزراعي من اول مشروعات المماليك الجدد رغم انهما من مشروعات حزب الوفد المصري والاهم انهما كانوا ضمن التوصيات الامريكية حسب ما جاء في صـ 114 من كتاب د. انور عبد الملك " مصر دولة يحكمها العسكر" والذي تبدل عنوانه الي " المجتمع المصري والجيش" (طباعة دار المحروسة) ومعها وقف الحياه الحزبية وإنهاء العمل السياسي في الشارع المصري.
افترض بعض اليساريين مثلما اوحت الولايات المتحده ان تفتيت الارض بحجة الاصلاح ضروري لتاسيس القطاع الصناعي الحديث رغم ان امريكا نفسها بها اكبر املاك زراعية. هكذا نفذ ثوريوا الليالي السوداء برنامجا هو في حقيقته نسف للقواعد الاجتماعية الريفية لطبقة كبار الملاك وأحلالها ببرجوازية صغيرة رثه حجم املاكها لا يحقق عائدا يكفي لحياه كريمة. كان الثوريون يبرجزون الريف، فهل انتقلت عوائد الريف الي المدينة للتصنيع ولتحديث المجتمع؟
بتفكيك الاحزاب تم اقتلاع العقل السياسي للطبقات الاجتماعية وبهذا وقفت حركة الضباط حائلا بين طبقات وفئات المجتمع بل واصبحت هي الحكم والادعاء لاي تهمة توجه لاي فئة من الفئات وانتصارا لطبقة علي طبقة، وفي قول اكثر صدقية تقليب طبقة علي طبقة. الوحيدون الذين اعفوا من عملية الفك والتذويب كان الاخوان المسلمين. حيث لا مقولة سياسية لديهم او برنامج اجتماعي عندهم اللهم الا اسلمة المجتمع دون اي فكر او حركة سياسية. ففي ظل الاسلام يستحيل لاي حراك اجتماعي ان ينجح والدليل هو فشل اي حركة سياسية اجتماعية أو حتي عقلية فكرية منذ ظهر الاسلام وحتي عصرنا الحالي.
مرت حوالي تسع سنوات شغل فيها ضباط يوليو بمعركة التسليح والقناه بعد ان وضعهم حلفائهم في موقف محرج بسحب تمويل السد العالي. لم يدرك توم ان جيري يري الامور حسب عنوان كتاب مايلز كوبلاند الكاشف "لعبة الامم". فذهب من لا مذهب له الي السوفييت لانقاذه. ولانه لا مذهب له فقد عاملهم كما لو انهم باشوات الريف ممن وقعوا تحت امرته. ففي زمن التوجه للسوفييت خرجت كتبا بعنوان "عندما تدخل الشيوعية بلدا" بغلاف احمر دموي كله صورا مما جري في المجر. لم يجرؤ الزعيم علي فعلها ثانية عندما عندما اجتاح السوفييت تشيكوسلوفاكيا عام 1968، لانه كان قد وقع في قبضة جيري الصغير الغير شرعي للقط الكبير وحاجته كانت اعظم للسلاح السوفيتي الملحد.
كان توم اصغر من ان يتلاعب معه جيري فتركه لربيبة الاستعمار المسمي بالكيان الصهيوني. وفي زمن الاشتراكية كانت اخبار اغتيال الشيوعيين في السجون المصرية تصل الي الزعيم وهو في اجتماعه مع كبار الاشتراكيين في العالم مثل تيتو حيث فوجئ الاخير بها اثناء اجتماعه مع بطل التحرر القومي. كان الثوري راكب الدبابة الليلية يقدم عربون الولاء للراسمالية العالمية وهو جالس يتسول المعونات من اعدائها.
فماذا فعل في راسماليته الموروثه منذ ليلة ركوب الدبابات. بنهاية زمن وحدته مع سوريا امم الرجل الشركات والمشروعات المصرية بعد ان بدد الاموال التي اخذها في التمصير سابقا. كانت تكلفة مشروعاته الخارجية وتامين ثورته داخليا تفوق الدخل القومي المصري. لهذا انتهت الخطة الخمسية الاولي بافلاس وبدون ايه فوائض مما ادي الي تاجيل الخطة الثانية التي كان موعد بدئها منتصف العام 1965. شركات راسمالية كثيرة وضع علي راسها ضباطا لا علاقة لهم بالعمل والانتاج والادارة وكانت خزينة الشركات عامرة وقت التاميم لانها تحقق فوائض، اما في العام 1966 فقد بدأت الادارة في تصفية الودائع البنكية لصرف ارباح للعاملين!!!!!
فمثلما انشات الثورة برجوازية رثة فقيرة في الريف تحولت بروليتاريا المدينة الصناعية رغم بعدها الشاسع عن الحداثة الي بروليتاريا رثة تتسول العلاوة في عيد العمال والمناسبات الدينية وتباع الاصول وتفك الودائع لدفع المرتبات، وليس بالتفاوض مع ملاك هياكل الانتاج ارتكازا علي كفائتهم في العمل وقدرتهم علي ضخ المزيد من الارباح في السوق.
ربط الرجل ونظامه مصيره بمصير العرب رغم ان تاريخه يختلف عن تاريخ العرب. العرب لم يعرفوا غير الاسلام بينما باقي المنطقة فكانت اكثر ثراءا ولم تنحصر في ذلك القفص الضيق. وكان الربط ضرورة لنظام لا يريد الا طبقات رثة لا تفكر ولا عقل سياسي لها، لهذا بدأ المشروع الاسلامي في ذات الفترة التي كان فيها المد الاشتراكي متصاعدا والذي توجه خليفه الزعيم والقارئ لبيان الثورة بجعل الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع في دستور 1971. بعدها بدأت الفتن الطائفية المفتعلة عمدا بحادثة الخانكة انتهاءا بواقعة نجع حمادي في عيد المصريين المسيحيين هذا الشهر.
بعد ان انهي الزعيم ونظامه ترثيث الريف وشرع في ترثيث المدينة فان نظرته المستقبلية جعلته يضع لبناتها فيما يسمي الميثاق حيث افترض وجود دوائر ثلاث اسلامية وعربية وافريقية هي البيئة التي ينبغي التعامل معها. لكن ما حدث ان الرؤية المستقبلية كانت تهدف الي اسلمة الجميع. ولننظر لدور الازهر الذي صدر كل الاصوليات الي افريقيا وليست احداث الصومال والسودان ونيجيريا وموريتانيا الحالية ببعيده. ووجدت فلسفة الرثاثة ان مادام الغرب الراسمالي الاستعماري ليس مسلما وان السوفييت والصين من الملاحدة كذلك فان عدم الانحياز والحياد الايجابي يمكن ان يرتكز علي خصوصية ثالثة لا تتفق وهوية الكتلتين المتصارعتين في لحرب الباردة. هكذا تم دق الاسفين الاسلامي في المجتمع دون جهد او مشقة. كان نجم هذه الفترة الشيخ الغزالي والشيخ كشك حيث عرضا كراهيتهما للمرأة في حوارات حول الميثاق بحضور راكب الدبابة الاول ليلة 23 يوليو.
التحضير لهذا تم علي يد كتاب يوليو الذين هالهم كشف المستور مؤخرا. كتب هيكل القائم بدور الوسيط بتبرير الاشتراكية العربية فقارن وايد فكرة الترثيث الاجتماعي للطبقات باكملها حيث قارن بين الشيوعية والاشتراكية في ان الاولي لا تنفي الطبقات اما رفضه للثانية فلانها تقييم دكتاتورية لطيقة وحيدة، لكنه لم يتطرق الي تفسير او شرح كيف يتأتي لدكتاتورية العسكر ان تصل الي السلطة وهي غير مالكة لا لقوة العمل او هياكل الانتاج؟ كان الكذب والفجور والضجيج الاعلامي كاف لمنع اي صوت أن يسال. وجاءت الهزيمة لتنقذ النظام ولتصبح المحبس الذي يضمن عدم تسرب اي فكرة تنقد او تكشف ما هو قائم من تخريب، بالا صوت يعلو فوق صوت المعركة.
الان، هرم وشاخ النظام المصري وخرج من جوفه حزب حاكم هو ذاته هيئة التحرير والاتحاد القومي والاتحاد الاشتراكي وحزب مصر والحزب الوطني. الخرف والهذيان هما من اعراض الشيخوخة خاصة لو انهما ما رسب في قاع الذاكرة زمن الطفولة الاولي. من مظاهر الشيخوخة ان يتذكر الفرد احداثا غاية في القدم رغم نسيانه لها زمن شبابه ونشاطه. فالذاكرة الانسانية تحوي كل ما مر علي الفرد. ولو اننا اعتبرنا ان المجتمع والنظام السياسي خاضعين لنفس الامر، فكلاهما كائن حي يهرم ويخرف ويصاب بالجنون ايضا وينهار ويموت. انها مظاهر ما قبل النهاية واسترجاع للذكريات القابعة في قاع الذاكرة شهدناها مؤخرا في حوار بين شخصيتين من فضلات النظام حيث قالا في جريدة المصري اليوم بتاريخ 12 و 13 يناير الجاري:
مصطفي الفقي في المصري اليوم: لا أعتقد أنه سيأتى رئيس قادم لمصر وعليه فيتو أمريكى ولا حتى اعتراض اسرائيلى للأسف. فرد عليه محمد حسنين هيكل في اليوم التالي وبسرعة مدهشة فى ذات الجريدة: أسئلة ضرورية حول مقولة مصطفى الفقى ، الرئيس القادم يحتاج إلى موافقة أمريكية وعدم اعتراض إسرائيل.
خلع الفقي سروال النظام فاسرعت الحيزبون الام لستر العورة. رحم الله مايلز كوبلاند والسفير كافري إذا كانا قد توفيا اما لو الامر غير ذلك فانا اسالهما بدوري ما العمل دام فضلكم.
فكم هي كثيرة تلك النصوص المقدسة التي تخدم اصحاب الشهوات المتاججه، وتعتبر المرأة متاع للذكر دون اي احساس بمدي العسف علي مشاعر النساء اللائي وصفن في النصوص بانهن تحت. ففي كل ازمنة العرب الرديئه ومعها ازمنة الحكم بالدين، وما اطولها، يستحيل حصر مجالات الرداءة في وضعيه الانسان مسلما او غير مسلم، رجلا كان ام انثي، عبدا كان ام سيدا. وهل كان هناك زمن عربي غير ردئ؟
جاء في سورة التحريم الايه العاشرة "ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ"
جاء ذكر هذا الوضع (بغض النظر عن المقصود هل هو اجتماعي عام ام اثناء الممارسة الجنسية) لشخصيتين انثويتين تحت شخصيتين ذكوريتين مؤمنتين يرتكز عليهما الاسلام من اجل تمرير قيم ومبادئ يستنكرها الميثاق العالمي لحقوق الانسان وتستنكرها المرأة المظلومة والمتمرده علي وضعها في بلاد المسلمين دفاعا عن كرامتها الانسانية بشكل عام.
كم حاول الاصلاحيون ترميم نصوص الاديان بالتاويل دون الاقتراب من بعضها حتي لا ينخدش الحياء. لكن تظل النصوص مستعصية علي المعالجة، لان الايمان بها ليس التحاما تصالحيا بين المؤمن والمؤمن به انما اخضاع المؤمن لما آمن به، طوعا او كرها. لم يات الحل إلا في تقدم وارتقاء البشر، فكلما ارتفعت مستويات الكرامة داخل نفوس من ظلموا انفسهم بالايمان يوما، كلما تصدعت النصوص الدينية وتهرأ ما هو معروف من الدين بالضرورة واصبح الاصلاح بالمغادرة وفك الصلة بين المؤمن والمؤمن به ممكنا.
لم يكن النص القرآني بعيدا عن ثقافة العرب قبل الاسلام. فما اكثر ابيات الشعر الجاهلي التي نجد تطابقا ومشابهه في ايقاعها المرسل وموازينها الشعرية مثل:
اسلمت وجهي لمن اسلمت له الارض والجبال
دحاها فلما استوت ارسي عليها الانهار زلالا
خفت الموازين بالكافرين وزلزلت الارض زلزالها
ونادي مناد باهل القبور هبوا لتبرز اثقالها
ومسهم ما مس اصحاب الفيل
ترميهم بحجارة من سجيل
أما النموزج النثري الاكثر شهرة وقربا من قصاري السور فيما روي عن قس ابن ساعدة الايادي المتوفي عام 600 ميلادية.
فمن ناحية البلاغة والقدرات اللغوية واعادة توليد الاساطير استقبل اهل الجاهلية نصوص الاسلام بما يرضيهم والا لما دخلوا فيه حتي ولو كان السيف مشرعا كما حدث لاحقا. أما من الناحية الاجتماعية فتعدد الزوجات كان قائما ولم يغير الاسلام شيئا منه لان استبدال زوج مكان زوج بات من ثوابت الايمان، كتنظيم تبادلي للسلعه، عملا بمبدا الاقتصاد وحساب التكلفة الجارية لو ان عدد الاناث في حضرة الذكر الواحد يفوق قدرته الاشباعية لهم. جاء في الايه العشرون من سورة النساء "وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً".
لم يتوقف أحد عند مسالة الاستبدال فالنص ليس مهموم بها إنما مشغول بالاموال او القناطير والاثمان كحالة تجارية أكثر اهمية من عملية استبدال النساء كحالة سلعية. فمنطق السوق في المجتمع التجاري فرض نفسه في الايه الكريمة حتي ولو كان المستبدل بشرا كالمنقولات من ممتلكات لمن يريد استبدال انثي بانثي اخري. أما التعرض لبيئة السوق ومفهوم القيمة فليس واردا بين مالك وبائع ومشتري وسلعة وسعر وعرض وطلب مما لا يستحب الحديث فيه. الم تكن الاستاذة البديرعلي حق إذن فيما هي تقاتل وحدها منفرده في ساحة يملؤها ذئاب السوق الراغبين في تعدد انواع اللحم الانثوي جمعا لهم او استبدالا فيما بينهم. كلمة "تحت" ولفظ "استبدال" هما لاثبات الاعجاز اللغوي ولا ينكره احد شرط ان يكون الحديث عن أمتعة وممتلكات واصول منقولة.
بعد ان جرت اموال النفط في ايد اصحابها واصبحت الشريعة في حاجة الي تصحيح ظهر فقه الرغبات الجنسية لطمس ما سينكشف من الشرع والمشرع لعدة انواع من الاستبدال او الجمع او التسريح دون اخذ راي الانثي ودون مراعاة لمشاعرها. فثورة نادين البدير ليست فقط على التعدد فى حد ذاته بل ثورة علي جلافة الفقية ومدي احتقار الفقهاء والمشايخ للمرأة وصلافة الجاهلية حيث وجد التعدد العربي الجاهلي واخلاق السوق طريقه الي الاديان وشرائعها لتخضعها لرغباتها. لم تتطرق الكاتبة الي صدقية التعدد بناءا علي احاديث أو ايات لان الايمان طاغ والبصيرة باتت عمياء، لكنها آثرت ان تعدد ايضا تحقيرا للذكر العربي الاعمي. وهناك ما هو اعمق من ذلك لان للنص قائل وللحديث راو، وللنص ارضية اجتماعية وبيئة ثقافية، هي ذاتها ابنتها. وكما يقول علم النفس في قاعدته الاساسية " وراء كل سلوك هدف" و "وراء كل كلمة دافع".
كشفت البدير ان اوجاع المراة العربية المسلمة ليست من فعل الامبريالية الامريكية او هيمنة الغرب المتهم بكل انواع الفسوق عبر السوق العولمي الهائل. إنما في اموال نفطية استثمرها اهلها لدهس كرامة المرأة في تعدديه ودهس الابرياء وقتلهم تحت مسمي الجهاد.
اصلاح خلل التعدد مستحيل لو حاولنا إعاده تاويل النص لان النص يمتلأ بالثقوب التي شجعت الجاهلية للدخول في الاسلام. فأن تستعيد الانثي كرامتها في حضور الالفاظ الدالة علي استخدامها السلعي من امثال " فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً" امر مستحيل. ولمرة ثالثة نجد لفظي الاستمتاع و الاجور معجزين، ويعجزا السيدة البدير لو اعتمدنا النص الديني كمرجع للمساواه او في ادناها عتقها من كونها متاعا وسلعة استهلاكية. فالعرب اتوا بمعجزات ليس فقط في اللغة كما هو معروف، إنما في استحضار الاقتصاد بديلا عن الاخلاق، والتجارة كاخلاق سلوكية، والنخاسة بديلا عن الحريات. امريكا لم تسوق المثني والثلاث والرباع وملك اليمين، ولم تختلق تلك النصوص فالقانون الامريكي يمنع الدعارة بعكس بلاد اخري كثيرة بها بيوت علنية او مستترة لاقدم مهنة رحب بها الرجل وكان هو الزبون الوحيد ليستهلكها.
دخلت الاستاذة البديرالمعركة وقت انكشاف بلاد العرب والمسلمين علي العالم في زمن العولمة بمسألة المساواه في الحقوق. فالحرية لا تؤخذ الا بالثورة علي العبودية والحقوق لا تسترد الا بالثورة علي الظلم. لكن الغريب في حالة البدير ان المجتمع الرعوي البدوي القبلي الجاهلي المفترض اختفاؤه منذ ظهور الاسلام لازالت افرازاته الفكرية والثقافية حاضرة وبموجبها ظلمت ملايين النساء بتطبيق الشريعة. فآثرت البدير المعاملة بالمثل.
اقامت القومية العروبية، قبل انهيارها، الدنيا سبا وشتما للغرب والراسمالية باعتبار السوق من منجزات الراسمالية بينما البيع والشراء ولا شئ سوي الاسواق والتجارة دون الانتاج والعمل هما من واقع عالم المسلمين اوائل ومتأخرين. ففلسفة عكاظ وما حولها لازالت حية، رغم القول بان الاسلام يجب ما قبله!!. وجاء مؤخرا الاسلام السياسي الوهابي ليتهم الغرب بانه لا اخلاقي بدون اي مقارنة لنصوص كلا من المجتمعين في الغرب وفي الشرق ودون نقد للذات بل بثقة مفرطة. وكانت الصدمة من إمرأة من داخل ذات المجتمع المصدر والمنتج للاسلام. لم تطالب البدير بالعدل الذي نصت عليه بعض ايات القرآن لانها تعلم ان الذكر المسلم ومعه الفقية الشيخ جعلاه من المنسوخ من النص بالضرورة. فآثرت ان تهين الرجل وتطلب اربعة رجال ونسيت، ربما لانها ناقصة عقل ودين حسب التوصيف القرآني لها بالنسيان، حقها أيضا في ملك اليمين.
من اصعب الامور فهم معني العقل في الاسلام. فكثيرا ما جاء ذكرهذا الجهاز ضمن نصوص القرآن بالرغم من عدم التلميح او التصريح عن كيفيه عمله. فالنص القرآني في ذات الوقت الذي يطلب التصديق والايمان بالغيب لم يكن في حاجة لان يبرهن علي صحه مصدره او صحة ما جاء به من وقائع واحداث فإنه طالب المتحدث اليهم بان يعقلون!! لمجرد ورود مثيلات تلك الاحداث عند من اطلق عليهم أهل الكتاب. ولعل تعمد إهمال البرهان واعتبار ان وجود كتب سابقة وان هناك اهل كتاب كان متمشيا مع كيفية التفكير عن اهل ذلك الزمان.
فتعريف العقل يمثل تحديا للاسلام وللفكر العربي حيث يغيب معني التفكير ومعني التعقل وياتي بدلا منه التراث او الفقه أو قصص الاولون كبديل ويتم البرهنة علي صدقية الادعاء باستدعاء القصص من كتب الاولين. بل كثيرا ما يتم الخلط بين العاطفة والعقل او بين العقل والسلطة.
كان تعريف القدماء للشئ مرهونا بالحديث بما ليس هو، فيكفي ان تذكر النقيض حتي تتاكد هويه ما يجري تعريفه، وذلك لفقدانهم الدراية بما يتحدثون عنه ولاسباب موروثه من الاسلاف. وهنا ياتي الخلط والابهام والايهام والخطأ. وهذا النمط من التفكير راجع الي زمن التحريمات الطوطمية حيث يمتنع ذكر اسم الطوطم او المعبود لئلا تحل لعنته حيث كانت المعبودات في بدايتها هي كل قوي الشر اتقاءا منها. أما في الفلسفة اليونانية فالعقل هو الاله الذي لا وظيفه له الا بتعقل ذاته. اما في الاسلام فلم يات ذكر العقل كجهاز، فالنص افترض وجوده لدي البشر وافترض استخدامه قولا "افلا تعقلون". أما الاله فوصف "ليس كمثله شئ"، وظيفته الوحيده ادارة الكون من خارجه لكونه العقل الكامل.
لم تظهر تعريفات حقيقة وصادقة للعقل الا بقدر انتاجه للمعرفة واكتسابه خبرات من واقع الحال وامور الدنيا. فكلمات مثل الوعي - الذكاء - الفهم – الحدس - الادراك – التعلم كلها من ادوات ووظائف العقل ورغم ذلك فلم ياتي ايا منها في نصوص الاسلام للتمييز بين المعارف المطلوب من المسلمين عقلنتها وبين ما ينبغي عليهم استبعاده. فان يكون العقل هو صانع للمعرفة وصنيعتها في آن واحد فان العلاقة الجدلية بينهما لا تعني سوي أن معارفنا ستتتجدد وعقولنا ستتغير لنصبح ارقي مما نحن عليه حاليا. ذلك هو الجدل ومعني صراع النفي في تناقضاته. فلا المعلومة القديمة ستعود صالحة ولا العقل القديم سيصبح متواجدا ليصدق عليها أو يعيد انتاجها او احيائها. فما هو ذلك العقل الثابت في الاسلام والمنصوص عليه للتعقل في القرآن؟
كانت الاسطورة من اولي منجزات العقل البشري تاريخيا ولان هناك علاقة عضوية وجدلية في آن واحد في كيفية صناعة العقل للمعرفة وصناعة المعرفة المعلوماتية للعقل فان العقل الحديث يمثل نقلة نوعية في التزامه بالادوات الجديدة بعد ان كان غير ملتزم، قديما، بضرورات الواقع ومدي توافقها مع قوانينه. فما اكثر الخرافات التي صدقها الاولون وقامت عليها أخلاق وقيم وأديان مجتمعاتهم. وعليه اصبح الهم الاول في عصر المعلومات الحالي هو البحث في تغيرات العقل من اجل معرفة ما لم يدركه من قبل. ففي الاساطير القديمة تجري الاحداث بما لا يتفق وقوانين الواقع ولهذا السبب بالذات تكلس العقل البشري طويلا ولم يعد قادرا علي الحركة بالبشر الي الامام. كانت النشوة والامتاع من أهداف العقل القديم كلما أعيد سرد الاساطير وتلاوة ترانيمها واياتها. الان تتم النشوة والامتاع كلما اخرجنا احشاء المادة وقوانينها الداخلية التي كانت خافية علينا وليس مجرد ترديد ما كان معلوما في معارفنا بالماضي.
بعد ادراك كيف اصبحت المعرفة المعلوماتية هي عقال العقل ومفجرته وصانعته في آن واحد، فان الاعتقاد بان الكتب السماوية وكأنها فتحا مبينا وكشفا عظيما للانسانية، يمثل خصومة وقطيعة بيننا وبين الحاضر والمستقبل. ولان الكتب هذه لم تؤصل لما هو العقل والتعقل وكيفية اداؤه لوظائفه وباي منهجية يعمل فقد أعيد ذكر وتجديد ما كان معلوما قبل الاديان الي ما بعد الاديان. وبالرغم من هذا فهو ينكر الامر ويتهم السامعين لنصوص القرآن دون الايمان بها حسب ما جاء في سورة الانعام الايه 25 "وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا جَآؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ". وهنا ياتي خلطا واضحا بين القلب والفقه الذي هو من منتجات العقل. لكن الاخطر هو ان التعقل من عدمه مشروط بما يصبه الله من غضب علي البعض وليس من البرهان الداخلي القبل للتصحيح.
فقه الشئ، إسلاميا، هو عقلنته من اجل تصديقة استعدادا للايمان به، ففي سورة التوبة تقول الايه 87 "رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ". طالب القرآن وهو الكتاب السائد حاليا عند المسلمين بالتعقل والحض علي العقل لكنه لم ينهي مقولاته باقوال التجريب او الاستقراء او الاستنباط المنطقي رغم قوله احيانا " أَفَلاَ تَعْقِلُونَ " و "لعلكم تعقلون". وجاء في سورة البقرة "فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" وهو مثال واضح كيف كان القدماء يعرفون الشئ بنقيضه حيث تصبح المعجزة (بافتراض حدوثها) كفيلة بان يؤمن مشاهديها بديلا عن العقل.
وقال ايضا "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ”. و "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" و "لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ". وهي أيات كاشفة لمعني العقل في الاسلام والمطلوب من العرب تبنيه. فذكر العرب كدليل للعقلنه إذن كفيل بان يطلق العرب علي باقي الشعوب بالعجم وبالتالي بعدم التعقل!!!
وفي سورة الصافات وبين سردين متتاليين لقصتي لوط ويونس جاء القول "أَفَلَا تَعْقِلُونَ" في الايه 138 للتوكيد علي صحتهما باعتبار ان العقل ملزم بتصديق مثل هذه الاحداث.
تلك نماذج التعقل والعقلانية في القرآن واصبحت مثل هذه المعلومات التي لا تتفق وقوانين الواقع الوارده صانعة للعقل الاسلامي حتي الزمن الحديث. رغم ان الزمن الحالي اعاد تشكيل العقل بعد ان اكتشف امراضه الداخلية التي سببت له عجزا امتد معه لالاف السنين. حذرنا فرانسيس بيكون منها، وهو اول من تأسست عليه العقلانية الحديثة، فقال ان اوهام العقل اربعة:
• أوهام القبيلة والمقصود بها العينة البشرية المتحدثة والمنتجة لنصوص جعلت تعميمها فكرا وسيادتها دينا ومصداقيتها قدسا من الاقداس. من اوهام القبيلة التعميم وافتراض انها تنطبق علي
الجميع دون النظر للفروق حيث تصبح التطابقات ملزمة والنزاهه علي المحك.
• أوهام الكهف والمقصود بها البيئة الثقافية والحضارية التي نشأ بها الفرد المنتج والمستهلك للنصوص المعرفية المعلوماتية. ومدي تاثرها بالموروث الاجتماعي الثقافي الاقدم تاريخيا.
• أوهام المسرح ويقصد بها الاخطاء الناتجة عن تاثير المفكرين القدامي ورؤاهم المتضاربة والمنفصلة عن الواقع الراهن. وبالتالي فان اعجاب المتلقين في المسرح لما يقدم لهم علي خشبته وبراعة النصوص ومدي اعجازها يجعل العقل عاجزا ومشلولا عن فحص مدي الصحة لما يلقي عليه من اقوال.
• أوهام السوق وهي الناجمة عن الخلط اللغوي وسؤ استخدام اللغة وهي اكثر ما ينبغي تجنبه حيث ياتي ذكر اشياء لا وجود لها بهدف الترغيب او الترهيب لان الفيصل في الحق – حسب تاكيدات بيكون – هي مدي مطابقة الواقع بحقائقه لما يقال.
قام بيكون بعملية تطير جراحي لجهاز التفكير البشري. لكن مدي تعارض العقل الحديث مع العقل الاسلامي الموروث تؤكد مدي حاجتنا لعمليات جراحية عميقة، فأهم انجاز حققته الفلسفة من بعده كان التيار التحليلي الذي وفي نهاية المطاف اخذ اللغة حقلا للبحث لاعادة تنقيتها من كل ما لحق بها من زيف. كان مشوار التحليل طويلا بدأ بالنقطة والخط االمستقيم عند ديكارت الي حركة الاجسام عند نيوتن الي تركيب بنية رياضية للموجات عند ماكسويل الي البيولوجيا نهاية بالجينوم وتحليله ثم اعاده تركيبه استهلالا لخلق بشر او كائنات حية في المستقبل. واصبح التحليل والتفكيك اللغوي من اهم العلوم الحديثة لفهم كيف يتعامل العقل مع امور الحياه. فامراض اللغة اضافة للامراض الاربعة السابقة كلها تملأ الثقافة العربية وتعوق العقل المشرقي من الانطلاق.
لم يغازل بيكون الغرائز والشهوات ولم يخلط بين القلب والعقل اثناء تشكيله للجهاز العقلي الجديد فوضع العنوان " الاورجانون الجديد" علي غلاف كتابه كجزء من عمل ضخم اسماه "الاحياء العظيم". الاسم يحيلنا مباشرة الي ابو حامد الغزالي عندنا في كتابه "إحياء علوم الدين" لكنه لم يذكر العقل وكأن الدين كفيل بامور الدنيا وأمور العقل مثلما اعتقد المسلمون الاوائل أو ان الدين هو بديل للعقل. وتحصنت المعجزة بالاسطورة لان الاسطورة تجري علي وتيرة لا عقلانية. فاقوال العقلانية في القرآن تصبح مدعاه لاعاده فهم كيف كان يفكر سلف العرب ومن رضي الله عنهم في جزيرتهم وما نقلوه الي باقي الامصار باعتباره " الاورجانون العربي الجديد".وهل كان لديهم عقلاء قالوا بانها ليست باكثر من اساطير الاولين!!
إختزل الاسلام العقل والتعقل في تصديق الاوائل لكتب سماوية سابقة عليه (لم تعد موجوده لانه انكرها) وانكار قصص الاولين باعتبارها اساطير ثم تثبيت نفس القصص وقصص أخري مشابهه في كتب يدعي المسلمون تبديلها وتحريفها. فالرجل الاول في الاسلام هو الصديق ابو بكر. ذلك هو الاورجانون العربي والذي يتم توزيعه مجانا عبر الفضائيات والصحف وجميع وسائل الاعلام لنناطح او نصارع عقول العالم الحديثة من حولنا التي باتت علي وشك خلق كائنات حية في مختبراتها.
كان عقل الصحابة عربيا جاهليا قبل الاسلام، وبعد دخولهم فيه اصبحت هناك وحده بين العقلين عربيا واسلاميا حسب عنوان الكتاب الثاني لجورج طرابيشي. فاصبحت الاستقالة هي من النهايات الحتمية لذلك العقل حسب الكتاب الاخير للمفكر الكبير "طرابيشي".
الكويت التي عصفت بها القومية العربية عادت وتنكرت لاصلها العربي فجاءها البديل الاصولي. الدولة "الترانزيت" كالمنتظرين في صالات السفر. حتي المسافرين يعرفون وجهتهم واين تقف طائراتهم ومتي سيقلعون. طلب احدهم الحوار معي يوما منذ اكثر حوالي ثلاث سنوات، كان الرجل مستشارا ثقافيا في الحكومة الكويتية. حضر اللقاء شباب من مصر منهم الاستاذ عمرو البقلي. لم اشأ الحديث معه فيما انا به اعتقد لكنه جاء وفي نيته الحديث عن موسي وفرعون. اعتبرت الامر مسخرة ومضيعة للوقت علي طريقة العرب والاسلاميين، فخجل من نفسه وهو في وضعية المستثمرين في مصر فرهن نفسه للحديث فيما لا يقدر علي الحوار فيه. قلبت الطاولة، واجبرته علي التحدث فيما هو فيه غارق. وكماسورة للصرف الصحي انفجر الرجل وخرجت منه كل المخاوف واقر واعترف دون وعي منه بما هم عليه من خرائب تحت مسمي الدولة العربية. فاعداء الكويت هم وحسب الترتيب الايرانيين، الشيعة، العراق، البدون، العمالة الوافده وحركة القومية العربية والاسلام السياسي.
اضطررت لسؤاله من انتم إذن حتي تكون كل مكونات مجتمعكم ضدكم؟ رد الرجل بثقة بالغة "الكويت" مجرد تجار. وارتاح الي ذاته لاول مرة وراح يسرد تاريخ الكويت باعتباره سوقا اسسه شيخ من احدي القبائل متحالفا مع عائلة الصباح حتي وصلوا الي ما هم عليه الان. كرسي وتذكرة طائرة مفتوحة لاي وجهه. فالمهم الخروج من جحيم جزيرة العرب بعروبتها واسلامها. استبدلوا الابل وبضائعهم بحاويات وسفن وطائرات، ولم تتبدل اشياء اخري كثيرة عدي قله غالبا من اصول غير عربية هي التي دعت استاذ اللغة العربية والتاويل بجامعة القاهرة سابقا وجامعة "ليدن" حاليا..
في حوار علي قناه الجزيرة بين "عايد المناع" سليل التجار وبين "ناصر قنديل" القومجي العروبي قال الاول: أنا الحقيقة أقول إن جورج بوش يستحق الاستقبال ويستحق التقدير ويستحق، الحقيقة، أن يحظى بما حظي به، في كل الوطن العربي، مو بس بمنطقة واحدة، لا في كل المنطقة العربي. شوف، إحنا نعرف أنه للسياسة الأميركية أخطاء ولها مشاكل وإلى آخره. لكن يا أخي الإنسان يكون عقلاني، يعني العملية إنت تنظر من زاويتك ولا تنظر من زاوية الآخر، من زاية الآخر أيضا لبلاده مصالح ولها أيضا حلفاء. طبعا أنا ما ألوم الأخ ناصر، أنا أعرف أن الكثيرين الحقيقة متضررين من انتشار الديمقراطية الفعلية التي تحاول الولايات المتحدة أنها تنشرها في العالم. الكثيرين...
رد ناصر قنديل (مقاطعا): هذا كان زمان، هو أعلن التخلي عن الديمقراطية في زيارته للمنطقة. حتي القومجي كان علي استعداد لتلقي الديموقراطية لولا ان حنث بوش في وعده.
بين استقبال "بوش" وطرد "نصر ابو زيد" ... لا يجرمنكم شنآن الكويتين الا تخطؤا. أخطأوا هو اقرب للتجارة. ابو زيد صاحب الفتح الجديد في الاسلام بتاويل النص وتفكيكه لفهمه بديلا عن خداع البسطاء بالاحاجي والالغاز عند زغلول النجار لم يسعد السلطة او الاسلاميين لا في مصر او الكويت. أما بوش الاب والابن فعلي الابناء اطلق الكويتيون اسمائهم بل ان "بوش" الاب و "شوارتسكوف" باتا من الصحابة ومن المبشرين بالجنة. الكويت اسلاميا وعروبيا تجارة ونفطا ولت ظهرها لمن يتحدث بامانة وصدق وعلم ورغبة في قضية انقاذ نصوص العرب القديمة. لكن الجميع يريد نص الاسلام الاول كبيت جحا من دخله فليس بآمن، يتوه فيه ويضل ولن يسعفه الزغلول او القرضاوي.
ما لم يقله العروبيين والاسلاميين لو ان عمرو ابن العاص او سعد ابن ابي وقاص وفرا علي انفسهم مشقة الحرب وشن الغزوات ونهب وسرقة الشعوب، وارسلا في طلب احتياجهم من الغذاء والكساء من مصر والعراق وبلاد فارس وايضا الاندلس، لما تاخرت الشعوب عن عون الجيران. لكن هناك دائما ما يخفي تحت السطح. فالاسلام دفعهم دفعا لارتكاب جرائمهم، لانه كان في حاجة لمن يعيد تكريره كالنفط ليكون صالحا للاستخدام الانساني. وهو ما قامت به مصر والعراق وبلاد فارس والاندلس برجالها علي مدي قرون. تلك هي الامصار التي خرج منها ما يمكن قبوله ولو علي مضض كدين، رغم ان برميل النفط يخرج جاهزا للاستخدام في ساعات محدودات. عاد الزمن وعاد معه النفط واقوال العرب ونصوصهم وكل ما في هو حاجة الي اعادة التكرير. هذه المرة خرج نصر ابو زيد وخرجت نوال السعداوي وقتل فرج فوده وكان محفوظ علي وشك الموت.
نصيحتي للدكتور د. ابو زيد الا يلوث باطن حذائه بقرارات كويتية ايا كان نوعها فليس بها سوي النفط واهل السواد والنخاسة والباقي في انتظار اقلاع الطائرات.
من الممكن ايضا اعتبار ان القانون والشريعة لاي مجتمع هو عملية تقنين للتنوير او تشريع للحالة التنويرية الجديدة علي سادت بين افراده بعد إعادة تصورهم عن انفسهم في وضع جديد مخالفا واكثر تطورا من وضعيتهم السابقة. فمن اجل بناء مجتمع انساني وسليم يفترض ان يتم عقلنة العالم والمجتمع قبل ان يتم وضع القانون الضابط لسلوكه. لهذا فان ايديولوجيا العقل هي التي اتت بالتنوير الفرنسي الذي تاسس عليه العقد الاجتماعي ومن ثم القانون الضابط لعلاقات افراده ارضاءا لما رضوا هم عنه بعد مخاض الثورة وولادتها وانتصار قيمها. ويتكرر المشهد في التنوير الامريكي الذي ارسي قواعد علم سياسة الحريات. وعليه جاء الدستور الامريكي كاعظم وثيقة تاريخية ترسي قواعد للقانون الذي يساوي بين اعضاء المجتمع الامريكي كافة وكان هو السبب الرئيسي لثورة لوثر كنج ومقتله في آن واحد. يبدو التناقض هنا واضحا والجدل ظاهرا لكنه ذات الجدل الذي اتي بـ "اوباما" حاليا رئيسا لاقوي دولة في العصر الحديث. أما بريطانيا بقيادة الجزء الانجليزي منها والمحافظ بطبيعته فقد رهنوا انفسهم لعلماء الاجتماع باعتبارهم فلاسفة اخلاقيين. ولان المجتمع الانجليزي محافظا فقد الزم نفسه بما هو قائم ولم يرتكب جريمة الثورة مثلما حدث علي الارض الامريكية او علي الارض الاوروبية في فرنسا وروسيا فيما بعد. وتعويضا لهم عن منهج الثورة ومنطق العقل فقد رهنوا انفسهم للمنهج التجريبي لاستخلاص القيم الخلقية وبالتالي القوانين التشريعية لضبط المجتمع. فالتجريب الذي اسس قواعده الفيلسوف الانجليزي "دافيد هيوم" هو النصف الاخر للعقلانية واتت منه قوانين ثابته تتفق ومدي ما يقول به الواقع المادي المستقر بالضرورة. لهذا تبدو المادية كصفة متنحية رغم فاعليتها بنشاط في المجتمع البريطاني بينما هي واضحة لا تخطئها عين في المجتمع الفرنسي والامريكي.
ولن نتطرق الي مجتمعات اخري اهمها الهند والصين لانها ارست لنفسها قوانين وضوابط خلقية وقانونية آتية من من واقع الحال وليس من مصادر قيل انها من وراء الطبيعة. تقول القصص الهندية والصينية ان "بوذا" خرج يوما فصدمته مظاهر البؤس الانساني مما دعاه للاعتزال والتدبر في امر الناس. فخرج عليهم قائلا ان عليهم الابتعاد عن خرافة ما وراء الطبيعة والالتفات الي واقع حياتهم باعتبار التجربة الانسانية المعاشة هي اساس الدين والاخلاق والقانون.
عند هذه الحكمة البوذية يمكن إعادة الحديث عن الشريعة الاسلامية حيث كان المجتمع الجاهلي قبل ظهور الاسلام مباشرة يعج بمظاهر عديدة كثيرة كلها تصب في خانة مطلب إعادة ترتيب البيت اجتماعيا. فعلاقاته كلها التي باتت قائمة علي التجارة وجمع الاتاوة لخدمة زوار مكة من اقصي الجنوب واقصي الشمال في رحلات التجارة ومعها علاقات عبيدية بين ملاك للثروة وفقراء معدمين . لم يكن هذا المجتمع خاليا من ايه قيم او قوانين لضبطه عقابيا او بالفضيلة والحكمة. لكن الجاهلية العربية بكل مفرداتها وقواعدها القانونية كانت هي الضامنة لبقائه واستمراره في تلك المرحلة.
أتي الاسلام بقواعد تبدوا جديدة حسب الدعاية الايمانية له، لكن في ضوء قواعد التاسيس الفرنسية والامريكية والانجليزية وعلي رأسهم اقوال بوذا فان التدقيق في الشريعة الاسلامية لن تخرج كثيرا عما ارتضاه عرب الجاهلية عن انفسهم. فالقانون او الشريعة، في التعريف العلمي لهما، هو مجموع توافقات المجتمع واتفاقاته حسب وضعيته كل في بيئته الخاصة والتي تلزمة بقواعد سلوكية معينة وبالتالي بقوانين عقابية تناسبها.
فالامثلة كثيرة فيما هو منقول من عرب الجاهلية الي عرب الاسلام ليس فقط لغويا وادبيا بل ايضا اجتماعيا وسلوكيا وقانونيا وبالتالي تشريعيا. فالجديد في الاسلام ليس ترتيبا جديدا لعلاقات العمل علي الارض او تبديلا للبيئة الطبيعية او تغيير البشر باناس جدد، إنما هو الغاء لبعض الالهه وتثبيت لاله واحد. هذا هو الجديد في الاسلام. وهو ذاته التحذير فيما اشاعه "بوذا" بين الناس في قومه منبها اياهم اليه. فالجاهليين هم انفسهم الاسلاميين وقتذاك، لم يات اليهم غازي اجنبي او محتل غاصب ليغير ما بهم. لهذا انتقلت بسهولة ويسر قوانين مثل قطع يد السارق واستحلال اموال المهزومين وتقسيم غنائم الحروب حسبما كانت توزع عند الجاهليين، وحيازة اكثر من امرأة في وقت واحد قد اقرت مثلما كانت قبل الاسلام بل اصبح من الممكن ان يصل عددهم الي مالانهاية بالتبديل تركا للقديمة واستجلابا للجديدة.
ففي حالة السرقة او الاعتداء علي الاملاك لم ياتي السجن او الحرمان من الحضور الاجتماعي كوسيلة وتقنين عقابي لها، علي سبيل المثال لا الحصر في قوانين الشريعة الاسلامية، لا لسبب الا لان قولة بوذا السابقة هي مفتاح لهذا اللغز. فالبيئة والبشر وعاداتهم وقواعدهم السلوكية ونظمهم الانتاجية التجارية مازالت علي حالها لم تتغير. فان يتناسي الناس هبل واللات والعزي وتستبدل الهتهم باله آخر واحد أحد، ليس كافيا لاعادة ترتيب المجتمع في وضعيته الاجتماعية حتي تظهر قواعد جديدة للسلوك وبالتالي قوانين جديدة للعقاب. فشروط العمل ومدي الحاجة الي اليد العاملة في مجتمع الجاهلية او مجتمع الاسلام ظلت علي حالها لهذا استجلبت نفس قواعد التعامل معها قانونيا في حالة السرقة من الجاهلية الي الاسلام. فمجتمع الندرة وكما اوضحنا في مقال سابق ومعه مجتمع له اساس رعوي قبلي متنقل فيما قبل الاستقرار بمكة او المدينة يجعل السجن شيئا مستحيلا بل ويصعب علي العقل تدبيره كوسيلة عقابية. فالجاني المحكوم عليه عقابيا يحتاج الي الطعام والكساء بل والي سجن وسجان بكل اعبائه الخدمية ايضا وهو ما يعجز مجتمع التنقل والترحال بكل ما فيه من ندرة طعام وكساء وامن من توفيرها. فما اسهل قطع اليد في هذه الحالة وخاصة ان الاحتياج لها للعمل ليست مما هو ضروري. هكذا ظل القانون العقابي متوارثا علي حاله من زمن الرعي والتنقل مرورا بفترة الاستقرار بمكة جاهليا وورثه الاسلام بعد ان اضفي عليه قداسة دينية. ولو تتبعنا الشريعة في كل قواعدها لوجدناها استمرارا لما قبلها لا لسبب سوي ان التغيرات الكبري والتحولات العظمي لم تتم في هذا المجتمع مثلما جرت في الامثلة الثلاث التي سبق وقدمنا لها في الحالات الامريكية والفرنسية والانجليزية.
ولو انتقلنا الي اللغة العربية الحاملة لكل ما هو اسلامي لوجدناها ايضا خاضعة لنفس معايير البيئة التي تفرض التنقل والرعي. وهو ما يشرح لنا لماذا ظلت الشفاهية قائمة لازمنة طويلة ولم يعرف هؤلاء الناس التدوين الا بعد ان استقر القائمين علي نشر الاسلام في امصار تعرف الاستقرار منذ الاف السنين في ارض العراق ومصر. فمنذ الترحل رعيا للاغنام وراء الكلأ والماء لم يكن ممكنا ان يحمل العربي مدوناته ولوحاته وجدارياته واحجاره معه (لو انه انجزها). كان البديل بالضرورة هي لغة مكثفة حتي ولو كانت مشوهه في قواعدها وصرفها ونحوها من اجل الاختزال الشديد لها بهدف حفظها في العقل حفاظا علي تراثه وتاريخه وانسابه. لهذا قيل فيما بعد ان الشعر هو ديوان العرب. فهو ليس ديوانا بالمعني الحضاري انما مجرد ذكراه التي امكنه الحفاظ عليها وتوريثها شفاهيا عبر الاجبال المتتالية. ولهذا انتقلت هذه القيمة الحضارية رغم بدائيتها ايضا الي ما بعد الاسلام مرورا بمجتمع الاستقرار المكي. فالعنعنة وقواعد استخلاص صحة الحديث هي قضية مرتبطة بالشفاهية العربية الماقبل جاهلية. بل ان جمع القرآن من الحفظة الشفاهيين تم علي نفس المنوال زمن عمر وعثمان. وهي ذاتها القضية التي سببت ارتباكا وخلافا ومشاكل لا حصر لها في مجتمعات كانت اكثر رقيا لمعرفتها التدوين بزمن اطول واكثر عمقا في التاريخ من زمن الجاهلية العربية.
الاسلاميون حاليا يطالبون بتطبيق الشريعة رغم استحالة تطبيق قيم ازمنة قديمة في ازمنه اخري حديثة تختلف جذريا عنها ولا يكفي اضفاء القداسة عليها حتي يسلم الناس بها. فعلاقات البشر حاليا حتي في نفس البيئة التي انجزت ما سمي يوما ما "شريعة اسلامية" باتت مختلفة، وتطبيقها هو مخالفة لسنن البشر المتغيرة والتي يحتاجون الي ما يتناسب وعصرهم اللهم الا بان يرتدوا الي عصور القبلية والرعي حتي تصبح الشريعة صالحة.
كل تلك الدول تعاني ازمات اقتصادية هيكلية وبنيوية اما صلب العلاقات الداخلية فهو مناقض لاي مفهوم اقتصادي قامت عليه الدولة الحديثة. وكما يقول وول ديورانت في موسوعته مؤكدا قول ماركس الشهير "History is economy in action"، فان هذه الدول وبناء علي هذا التعريف اصبحت خارج التاريخ مرة اخري. فالازمات المستمرة لهم جميعا تستلزم هذا التحالف القوي المتين المشبوه بين الامن والاعلام. حيث يقوم الاخير بتشويه حقيقة ما يجري من صراعات داخلية مع القاء اللوم بشكل مستمر علي المؤامرة الخارجية حتي اصبحت كل دولة تقول انها مستهدفه وان القوي المتربصة بهم لا تتورع من عمل كل ما يضر الامن. هنا يلتقط الطرف الاول في الكوكتيل ليبدا في حماية كل ما هو مترهل وفاسد في الداخل حمايه للامة المستهدفة من مؤامرات الخارج.
لكن كيف يمكن لاعلام يمتلك 24 ساعة بث فضائي في مئات القنوات الفضائية والارضية ومعها صحف ومجلات وادوات اخري كالسينما والمسرح وقدرات هائلة لطباعة الكتب ان يملئها بما يمنع الدول هذه من العوده الي التاريخ. فالخريطة التليفزيونية ومعها الكتب في المعارض كلها تحولت الي ما يشبه الهوس الديني والدروشة الايمانية، تشعر معها وكأن لحظة أن يوم القيامة قد سرب الله موعدها لهم وباتت اتية لا ريب فيها بعد كل اعلان سمج بين الفقرات الفقيرة.
هكذا حددت السطة الاعلامية الامنية في الدول المطروده من التاريخ مشكلات المجتمع بانه فاقد الاهلية لضعف ايمانه وعقيدته وحاجته اليومية لمن يجدد له دينه متناسيين ان المجتمع به كل انواع العقائد والملل والنحل وان ما يجمعهم ليس الايمان انما الوجود الفاعل كمواطن له حقوق وواجبات في اتجاهين، المجتمع و السلطة. هذا التشويه المتعمد لا نجد له من تداعيات الا بان تحدث فتن طائفية ومعارك لا معني ولا مسبب حقيقي لاحداثها سوي هذا الاعلام الذي يستفيد منه الامن ورجاله ويخسر فيه الوطن والمواطن بتفكيك اواصر الوحده الوطنية. فنتائج تحالف كوكتيل الامن والاعلام هو لذه للسلطة وسم زعاف للمواطن جعل الوطن كله مسموما بل ويصدر سمومه مع كل مهاجر او هارب املا في حياه افضل.
شغلت المعارضة نفسها بتشخيص الداء وتشخيص العلة ، لكن الزمن وتوقيت البحث لم يعطهم ايه فرصة لان يجد احدا من عون ايديولوجي في السوق العالمي كالذي اتيح في زمن الحرب البارده وقبلها، لهذا راجت المقولة السائده علي لسان الجميع بان الحاجة للمجتمع المدني ضرورة بل واصبح الجميع يرون ان غياب هذا المجتمع هو سبب نمو الاصوليات الدينية. لكنهم لم يسالوا انفسهم وهل الاصوليات لها كل هذه السيطرة علي الاعلام الي حد ان اكثر من 65 % من البث الفضائي هو ديني؟ ولنطرح السؤال بصيغة إخبارية، إن تواجد الاصولية في الاعلام عبر السلطة بهذا الحضور الطاغي ومعها كل هذه الفتن الطائفية والدينية يصبح في حاجة الي رجال امن يفوق تعدادهم نصف تعداد الشعب !!!! وفي ذات الوقت ينشر الاعلام كل هذه المواد الدينية ومعه الامن لضمان الحفاظ علي نتائج حقنه في شرايين المواطن. فهل هو تحالف ام وجهين لعملة واحده؟
الشعار الذي يغلف المنطقة من المحيط الي الخليج هو انها امة واحده يربطها الدين واللغة ووحده المصير. فالاخير هذا قد تحدد بالفعل طردا من التاريخ، اما الرابطين السابقين فهما السبب الحقيقي للطرد. ولان الدول الفاشلة تعتبر ان الدين هو سقف أعلي لا يجوز تجاوزه فقد ملئت به فضاء الاعلام ليستنشقه كل من افلح بالافلات بعقله من الغش الثقافي السائد. متناسية ان العامل الديني في حياة الناس غير قادر على معالجة الأزمات، بل صانع لها، والتي تعصف الآن بكل دول المنطقة. لكن دعنا نعود الي قول وول ديورانت لان به مفاتيح كثير من الالغاز المحيرة في فضائنا الحالي. اسست الدول الفاشلة المطروده من التاريخ نظاما اقتصاديا لا علاقة له باي نظام في الدول التي في قلب التاريخ. وعندما يطالب الذين احكموا الكمامة علي انوفهم منعا لاستنشاق الافيون الذي تبثه الدولة الفاشلة، ويطالبوا باقتصاد حر ومجتمع ديموقراطي قائم علي اسس سليمة يخرج مثقفي السلطة ومعهم مشايخ بكل انواع المباخر لحرق اردأ انوع البخور والمخدرات قائلين ان العولمة باقتصادها لا تعترف بهوية ثقافية وخصوصية حضارية، هي تدعو للاباحية والشذوذ وانحلال المرأة. حدث هذا في برنامج شهير علي فضائية مصرية تبعها برنامج فتاوي ووعظ ديني قال فيه احد كبار الدعاه ان الاسلام يجيز تعدد الزوجات وان جواز المتعة حلال لكنه مكروه اما التسري بالجواري فهو مشروع وان زواج المسيار هدفة التخفيف علي المسافر وان من لا يقدر علي الزواج فعليه بالصوم والصلاة. أما الفقر والغني فهو ابتلاء من الله للغني والفقير معا اما البنوك فهي كلها شر. وعندما سالوه عن العولمة قال انها لا تفرق بين الصديق والعدو لانها تقيم علاقات اقتصادية معيارها المصلحة.
لم يكن الانف هو فقط ما ينبغي حمايته من استنشاق الابخرة السامة في اعلام الدولة الفاشلة انما ايضا السمع هو ما ينبغي حمايته. فالحاضرين في الاعلام هم دائما من العميان الذي لو نظروا الي العالم لوجدوا ان كثيرا منهم دخل العولمة ولم يفقد اي خصوصية بل ان اوروبا الموحده حافظت علي كل لغة وكل لهجة وكل فولكلور وكل طراز معماري وكل صفة لها خصوصية ومع ذلك اسمها الاتحاد الاوروبي. فالراسخ في عقول المشايخ الذين اطلقتهم الدول الفاشلة ان المحو والازالة هي ما رسب فيهم من تاريخهم فاصبحوا عربا ومسلمين اي متوحدين عبر اسباب الطرد من التاريخ، وبالتالي فان اسقاطهم لامراضهم التاريخية هو كل ما يملكوه دفاعا عن بقائهم خارج اي منظومة حضارية لها مستقبل مع العالم المتحضر. وجد كثير من مثقفي اليسار واليمين والاصولية الدينية مشتركا لهم في الوقوف ضد العولمة احدهما نكاية في رأس المال والثاني دفاعا عن العروبة بكل جهلها وعنصريتها والثالث حفاظا علي الافيون الذي اكتشفه ماركس ونبت اول ما نبت في منطقتنا التي لها خصوصية تعادي العالم والتاريخ.
سال الاميركيون انفسهم يوما في بيان بعنوان "لماذا يكرهوننا" لم نجد احدا ليجيب بامانة علي السؤال ناقدا نفسه بان غياب الديموقراطية في ادني حدودها هو سبب بقاء العالم داخل التاريخ وهو ذاته السبب لان يخرج آخرين مطرودين خارجه. بينما ظلت الكراهية محافظة في مستواها في الداخل ، وجنينا نحن كراهية الاخر لنا من الخارج. الخروج من التاريخ هي شهادة سوابق جعلت سويسرا مؤخرا تصدر قرارا (بناء علي استفتاء وليس بمرسوم سلطوي) بعدم بناء مآذن, فهل يعقل ان يصبح السويسريون عنصريون وهم الذين لم نسمع عنهم ولو دبيب النمل. ام انه احتراز من اصحاب السوابق؟ سويسرا بلد مسالم الي حد السلبية السياسية والعسكرية فلم تنضم لاي حلف وبقيت علي الحياد السلبي بعكس نظمنا ذات الحناجر الرنانة والزعامات الكاريزمية الذين تبنوا الحياد الايجابي وتمرغوا في فراش كل الكتل الايديولوجية دون خجل. الايجابيين عندنا انتقلوا بايجابيتهم ليكونوا عدوانيين علي شعوبهم في الداخل وفي الخارج فهل كانت السلبية نزيهة الي هذا الحد؟ الايجابيين الان ضد شعوبهم يقمعوهم ويذلوهم ويهينون كرامتهم ولا يحركون ساكنا ضد المعتدي بل ويمالؤونه ويحابونه سرا وعلنا، فهل نستعظم ونستكثر علي من لم يشارك في مثل هذه المهازل ان يكون مدافعا عن ذاته عندما يخترقها الاسلاميون الذي هم من صناعة الايجابيين.
فلنعقد مقارنة صادقة وامينة كيف ايقظنا من كانو سلبيين. الاجابة لمن سأل يوما "لماذا يكرهوننا" تطرح سؤال وهل يكره أصحاب الحياد السلبي اصحاب اصحاب الحياد الايجابي. بعد منع المآذن ولوهلة سريعة بات التسامح السويسري في خبر كان، والانفتاح الاوروبي اصبح دخانا مما دفع اصحاب الكراهية المحليين في منطقتنا للمطالبة باتخاذ اجراءات عقابية ضد سويسرا لان حيادها اكذوبه، وانفتاحها على كل الاجناس والعقائد هو من قبيل التضليل والخداع وخرج احدهم قائلا الجهاد ضدها فرض عين!!
ولم يسال احد ما قيمة المئذنه وهي ليست من الاسلام في شئ حتي تحتقن الدماء من اجلها؟ فالمئذنة بدعة ولن نتطرق لحديث البدع لكننا نراها في ضوء فكرة كوكتيل الاعلام والامن الذي تحرص عليه دول الحياد الايجابي الخارجة من التاريخ عندنا. فهي رمز اعلامي دعائي لا ينقصه سوي تحالف امني لتمرير كل القيم الاصولية التي تضر بالحياد السلبي السويسري. المئذنة، كما رآها اكثر المجتمعات حيادا وسلبية في اوروبا، هي قاعدة دعائية اعلامية انطلقت منها اللحي والنقاب وتضر باي حياد ديني فهي منحازة لثقافة لم تعد محصورة فقط في المسجد كما فعل المجتمع المدني بباقي الاديان. فعدم حياد المئذنة الايجابي الذي يضر بالتماسك السويسري يكمن في صورة الإسلام الحالي المناقضة لقول اصحابه انه دين تسامح وسلام؟ اصحاب الحياد السلبي ليسوا نياما فلديهم الاجابة عن تساؤلنا نحن عما جلبته لنا مآذننا وصلواتنا وصيامنا وحجنا قياما وقعودا وعلي جنوبنا؟ نحن لا نملك اجابة واحده عن جدوي طقوسنا وشعائرنا ومآذننا التي هي وسيلة الاعلام الاولي كبدعة اسلامية. لا نملك إجابة لو سالونا عن جدوي ديننا الحنيف؟ لا نملك ردا، لماذا تكرهوننا في ديانتكم وتسبوننا في خطبكم بعد تجميعكم للمصليين من فوق المآذن؟ سيسألونا لديكم مساجد ومآذن باهظة التكاليف وبكل انواع الزخارف والمنمنمات لكن العدوانية والكراهية ضد من لا يؤمن يالاسلام هي المرادف لكل هذه التكلفة. ولا يوجد تعليم جيد في مدارسكم وجامعاتكم رغم ايجابيتكم في الحياد مقارنة بسلبيتنا. انتم انحزتم لاكبر الكتل المنتجة للسلاح ولديكم اكبر الجيوش والعتاد من كل حدب وصوب ولم تنتصروا لقضاياكم بل كنتم اكبر الخاسرين. سيقول السويسريون، نحن سلبيين لا جيوش لنا بل والدولة الوحيده تقريبا التي لا تملك اساطيل ومع ذلك ننتتج لكم ادق الساعات لضبط توقيت الصلاة لحرصكم وحرصنا ايضا بالا تفوتكم فما حاجتكم إذن للمئذنة اللهم الا التعبئة والتجييش اعلاميا ودعائيا وهو ما سيحتاج الي قوي امن لضبط الخارجين منكم علي القانون، أنتم اكثر تكلفة وخسائركم باهظة. سيقول السويسريون نحن فقراء بعكس ما انتم عليه، اموالكم كلها عندنا تستأمنونا عليها، لثقتكم فينا فنحن خزنة لكم، رغم اننا من الضالين في اعرافكم، فكيف تلقون السلام علي بعضكم البعض ولا ثقة لكم في بعضكم البعض؟ حدودنا الارضية كلها مؤمنة عبر اتفاقات نحترمها ويحترمها جيراننا وانتم لا زلتم تتصارعون علي شبر ارض قاحلة هنا او متر ماء مالح هناك. نحن نحترم ما في عقول كل فرد منا باختلافاتها وانتم عبر المئذنه تريدون اقتحام كل العقول لاصلاحها حسب مقاييس الايمان عندكم. نحن لا فتن دينية او عنصرية عندنا رغم تعدد لغتنا وادياننا بينما كل الفتن والصراعات لديكم رغم قولكم بانكم امة يوحدها الدين واللغة!! ينهاكم الدين الحنيف، كما تقولون، عن القتال والعدوان فهل سلبيتنا اكثر اسلاما من ايجابيتكم في اتجاه بعضكم البعض داخليا؟ تقولون " خذوا العلم ولو في الصين" لكننا رغم قربنا لكم باكثر مما هي الصين فلم تاخذوا شيئا لا من الصين ولا من سويسرا اللهم الا الساعات رغم احتقاركم للوقت؟
نحن لا جامعة اوروبية لدينا يجتمع فيها قادتنا وينفضوا بلا ادني انجاز وليس لدينا تجمع اعلامي مطعم بادارات امنية يجتمع دوريا للتآمر علي عقل مواطنينا. فنحن لسنا اصحاب فكرة المؤامرة لهذا نعيد عليكم السؤال "لماذا تكرهوننا"؟