الأحد، 2 مايو 2010

تاريخ العرب ضد التاريخ

محمد البدري



ما جري في المنطقة العربية – سابقا – لم يعد فيه أسرار. فكيف يمكن فهم ما يجري في شرقنا الأوسطي الواسع والجديد حاليا؟



شكل الصراع في المرحلة الأخيرة اخذ بعدا وصبغة دينية. فالرموز الدينية والأسماء القدسية والإشارات إلي ما هو متعالي وفوقي وبعيدا عن الإدراك والفهم البشري بات حاضرا. وتتأجج المشاعر الدينية عند العامة ورجل الشارع ويشاركه مثقفين وصفوة وبعضا من النخب ونقابات. داخل حرم المساجد خرج متظاهرون. يؤججهم قادة، زمنهم العمري يقع في خانة ممن كانوا شاهدين علي أكاذيب الخامس من يونيو. وكيف أن إسرائيل لم تحقق نصرا لان المستهدف كان زعيم الأمة وسقوط القيادة التي عادت بمسرحية التنحي. كانت الهزيمة يشهدها العالم اجمع وعندنا من يرقص في مجلس الشعب ابتهاجا بعدم سقوط الأصنام. فهل تعلموا الدرس بعد أربعون عاما أم أنهم علي العهد والخداع باقون؟



وتبدو صورة الجنوب اللبناني استكمالا لنفس المشوار السابق مع فارق يبدو باهتا لكنه تواق ليأخذ بريقه الأبصار. فالموقف يتسارع وكأنه ينزع ويتوق إلي ليبرالية فكرية وسياسية تمكنه من قول المسكوت عنه ضمن حلبة الصراع حتى لا تتكرر نفس مشاهد يوليو المؤلمة. فالحاضر الجنوبي اللبناني يقول دون أكاذيب قومية عربية، أن الجيش اللبناني يتسلم الأرض اللبنانية من القوات الإسرائيلية الغازية. قناة الجزيرة صورتها بمشهد مقلوب رأسا علي عقب حيث قالت أن قوات الجيش اللبناني دخلت إلي الجنوب وان القوات الإسرائيلية تنسحب منه. ولم تسال ذات القناة لماذا يدخل الجيش الآن وليس قبل ذلك؟ فذات المشهد تشكل علي وجهين بذات اللغة. لكن المرفوع الثالث في كلا الخطابين هو أين حزب الله ؟؟؟ّّّ الذي هو أس البلاء وسبب كل هذا الدمار الأخير. إنها اللغة إذن التي تخدعنا كثيرا ولم تخدم أهداف التاريخ في التقدم إلا قليلا مع بقاء العقول في خانة الأوهام والهتاف الأجوف لقائد ما يلمع النصر ضمن اسمه وصوره وتماثيله قديما و حديثا ولا يلمع إطلاقا من أفعاله أو نتائج مغامراته.



فحزب الله بقيادة نصر الله وتحت أعين الجميع لم يطلق طلقة واحدة ولم يحرك جنديا أو مقاوما أو مجاهدا من أفراده بعد أن احتل الجيش الإسرائيلي الأرض اللبنانية. فقد قبل الحزب القرار 1701 بوقف إطلاق النار والذي لم ينص علي عودة القوات الإسرائيلية الي حدود الخط الازرق الدولي تماما مثلما حدث عندما قبل عبد الناصر القرار 242 دون النص علي العودة الي خطوط ما قبل الخامس من يونيو. هنا لنا ان نسال لماذا التهليل للمقاومة وارض الجنوب اللبناني غير محتلة بينما تسكت المقاومة صوتا ورصاصا، لغة واستشهادا بعد الاحتلال؟ فهل الحروب العربية هي حروب جعجعة تعظيما للقول بان العرب ظاهرة صوتية؟ مع الحرص علي ان تحتل اسرائيل الارض وتقتل المدنيين والافراد حتي نجد مبررا لصدور الظاهرة الصوتية مجددا والهتاف للزعماء الذين لم يقدموا شيئا سوي اضاعة الارض والعرض.



واذا ما حدث ما لا تحمد عقباه وتحول الصراع واخذ شكلا دينيا كما يتمناه ابن لادن والظواهري ونصر الله وحماس فان الحروب الصوتية سوف تنتقل الي مناطق يستلهم فيها شخوص مثل معتصماه وصلاح الدين، واين انت يا قطز؟ حتي هذه الشخوص فان القارئ الواعي للتاريخ والمدقق لما بين السطور سيكتشف انهم كانوا ايضا ممن باعوا قضاياهم من اجل توريث الابناء الارض وتقسيمها كاقطاعيات. وفي نفس الوقت ترك المناطق المقدسة عند المسلمين في رعاية الصليبيين كما كان الحال في موقف صلاح الدين الذي سال لعابه علي مصر المحروسة بعد بروباجندا دعائية بتحرير القدس التي سلمها الكامل من بعده لهم. صلاح الدين شتت وقتل المثقفين واصحاب الفكر في الشرق الاوسط المعتق. تماما مثلما فعل عرفات وعبد الناصر ونظام البعث في الشرق الاوسط المسمي بالأمة العربية. الظاهر بيبرس قتل قطز غيلة وغدرا علي طريقة الشهامة الاسلامية. لكن التاريخ يكشف اكاذيب هؤلاء عندما نعرف ان تيمورلنك قائد التتر استقبل ابن خلدون في الشام مع بدايات القرن السادس عشر، أي بعد معركة عين جالوت بمئات السنين. انها تكرارات متشابهة ان لم تكن صورة كربونية من اكاذيب الماضي والتي تجري في الحاضر. المشترك فيها هو صورة الزعيم الذي لا لزوم له ومعه شعب فقير وجاهل مريض ومعلول يهتف بالروح بالدم بينما الشعب في حاجة الي نقل دم علي وجه السرعة لا يعرف سوي دعاية الكذب. كلهم يقومون بمغامرة يتبعها احتلال اجنبي ثم يبدا العويل علي الاستعمار الاحتلال واخيرا الصهيونية.



من لا يفهم التاريخ فعليه تكراره، شانه شان التلميذ البليد الذي يعيد العام بعد العام في نفس الصف الدراسي حتي شاب راسه وباتت خبرته الوحيده هي كيفية الرسوب واتقان اضاعة الوقت والتاريخ. وهذا هو حال العرب.



إما اذا اعتبرنا ان الحرب الاخيرة هي في سياق الحرب علي الارهاب بعد احداث نيوريورك الارهابية فان ما كتب وأعلن أخيرا أن التحدي الذي يواجه المنطقة هو إعمارها وتجاوز الخلافات بين المذاهب. وان النفط للتنمية وليس للحرب حيث خرج التصريح من مدينة جده بالمملكة السعودية. وحذرت المملكة من رمي المسلمين بتهم الإرهاب والفاشية. معتبرين أن الإرهاب هو خطر يواجه العالم أجمع ولا سبيل لمواجهته الا بالتعاون الدولي الوثيق المبني على تبادل المعلومات. ثم دعت المملكة إلى المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب كالذي عقد في الرياض. ثم دعا المجلس الجميع إلى إدراك أن الإرهاب لا دين ولا جنسية له، محذرا من رمي المسلمين بتهم الإرهاب والفاشية وأن ما يرمى به الإسلام اليوم هو «نتاج ثقافي غربي في المقام الأول مثل الفاشية.



إلي هنا ينتهي المنقول عبر الصحافة الالكترونية والموالية للمملكة. وتبقي أسئلة عده، فلماذا اعترفت المملكة بنظام طالبان – الوهابي المذهب - كدولة؟ وهل مثل هذا النظام هو النموذج الذي يحتذيه الاسلام السياسي ويدافع عنه ويبتغي نشره تحت مسمي الجهاد، ام انه نظام تنمية علي كطريقة المملكة؟



وهل الاسلام المصري الذي عهدناه طويلا غير صحيح وفي حاجة الي ذلك النمط المشاهد حاليا مع تشدد مظهري الي حد التنفير الاجتماعي. هذا الشكل ضمنا يحمل رسالة صراع في شكله الأخير في مفردات دينية كلها تاجيج للحرب بين الاسلام واليهودية او الاسلام السياسي والصهيونية. فالفاظ الاستشهاد، الجهاد، المؤمنون اخوة ... الخ حاضرة دوما عند هذا الجانب. وتتم ترجمته عند القوميين بالمقاومة والصمود والتصدي والاستقلال ... الخ . فكما لا يمكن للدولة القومية العروبية اسقاط مفردات ايديلوجيتها في نصوص عبد الناصر والبعث العربي والا فقدت مسببات وجودها، فان الدولة الدينية والاسلام السياسي لا يمكنه ايضا خلق شرق اوسطي متقدم من خلال الفاظ جهادية وتاجيج عسكري فهل من الممكن خلق شرق اوسط هادئ معني بالتنمية مشغول بفكرة التقدم يحترم مواطنية علي ارضية علمانية وديموقراطية ولا يستخدمهم لصالح معارك السماء والعنصرية في ظل ايديلوجية دينية او قومية كالتي تجري علي الارض؟ وهنا كيف يمكن تفسير قول المسئول السعودي – الوهابي المذهب - بان النفط للتقدم والتنمية؟



اسئلة اللفظ والفعل والقول والعمل عند العروبيين والاسلاميين كلها ملغومة وتتناقض في ذاتها ومع بعضها البعض إضافة الي تناقضها مع حركة التاريخ. ويبدوهناك توافق علي استمرار حالة الحرب عند كلا من المنظومتين الاسلامية والعروبية مع سكوت تآمري عن الطريق الثالث المسكوت عنه الذي يجرمه الاعلام القومي والاسلامي في آن واحد ويتهمونه بالعمالة عند الاول او الكفر عند الثاني. فممارسة الليبرالية الفكرية والعقلية هما المنوط بها كشف فشل ما سمي يوما الامة العربية او الامة الاسلامية قديما استعدادا لواقع جديد اساسه الحريات أي الليبرالية لكشف اولا باول عبر اليه الديموقراطية التي لم ممكنا الاستغناء عنها. مسببات الهزيمة في يونيو وكارثة الجنوب اللبناني كامنة داخل ثقافتنا وقابلة للتكرار مرات ومرات طالما شعوب المنطقة باقية علي ثقافتها المريضة عربيا او اسلاميا.



يبقي امر يبدو كطيف الشبح الذي يهل علي المنطقة وتخاف هي منه وهو الدولة الفارسية ذات المرجعية الشيعية. مرجعيتها هي ضمن تقافة الاسلام أي انها دخلت الي الشرق الاوسط الجديد عبر المقدس بعد ان دخلت سابقا عبر الثورة الاسلامية. علاقتها بحزب الله تجعل السؤال التالي مشروعا: هل كان امتطاء الدابة العربية بحزبها القومي العروبي ووصول الدولة الفارسية الي حدود البحر الابيض ثم تسليم حزب الله الموالي لايران الي سلطة الحكومة اللبنانية وسيادتها علي اراضيها وتفكيك سلاحه ضمن التسوية الايرانية مع القوي العالمية؟ ام ان ايران ايضا هي ضمن الخاسرين في سياق الهزائم القومية والدينية اللذان هما خارج التاريخ؟


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق