الليبرالية فضيلة، فلماذا يفتقدها العرب؟
نقد الذات فضيلة ومن مقومات الثقافة الأوروبية والغربية ويتقنها أصحابها، لكنها رذيلة عند العرب لذا يكرهون ممارستها. والسؤال الأكثر وجعا هو هل يعرف العرب معنى الحوار؟ والمفترض انه نسيج من النقد العقلاني المتبادل للذات ومع الآخر؟
فأي حوار حضاري مثمر لا بد له من البدء بنقد الذات، قبل الشروع في طرح الأفكار والرؤى للثقافات قبل الوعظ والإرشاد للمشاركين في أي حوارات. ولان ممارسة النقد الذاتي هي فضيلة غربية وليس له في الثقافة العربية من ظلال لذا فجدوي الحوار مع الآخر تحت مسمي حوار الحضارات أو تناطح الثقافات لم يعد له معني ومثير للسخرية عند الأطراف الغير عربية. ففقدان نقد الذات قبل الشروع في الحوار لا معني له سوي نقل أمراض العرب وتخلفهم ووضعه على مائدة التفاوض. ذلك لأن النقد الذاتي من شأنه الكشف عن السلبيات من ناحية وتقييم الإيجابيات من ناحية أخري ورسم طريق المستقبل، والجلوس به على مائدة الحوار والتفاوض بقدرات قوية وليس بعلل وامراض. لهذا كانت جميع مفاوضات العرب طوال التاريخ تصب في خانة الهزيمة و الاستسلام.
والليبرالية، كلها تقع في خانة حرية الرأي والعمل والإبداع والفكر فلا مسيطر على الإنسان فيها سوي ذاته العاقلة والتي تجد ثروتها في تفرد إبداعها. فهي أول السلم لممارسة النقد. لهذا يهرب أهل الحل والعقد في بلاد العرب، وداخل المنظومة الإسلامية خاصة، منها لان المديونية أمام الذات تفوق حجم التراث المشرقي العربي بكليته وربما تركه غير مأسوف علىه. ولان المكتسبات العقلية والفكرية العائدة على أهل الشرق الأوسط الفقير من نتائج الحوار تعلو وتتجاوز مسلمات الشرق الأوسط الجامد وتكشف مدي التحافه بذاته العلىلة خوفا من انكشاف فقر فكره وفكره الفقير ( الاقتباس محفوظ للأديب يوسف إدريس ) فلم يعد للذات العربية سوي التخندق والتحصن في كهوف التخوين، والذات الإسلامية في عباءة التكفير، واتهام كل من اعتد بذاته وبشكل ليبرالي متخلصا من عورات السلف، الصالح منهم والطالح، ومن تهمة الانضواء تحت العباءات الإمبريالية الغربية – معلوم أن الغرب لا يلبس العباءة.
ولم يدرك العروبيون وكذلك أهل السنة أن العالم من حولنا لم يعد يعط مصداقية لما نقول. لا لسبب سوي أننا نكيل الاتهام ولا نري الخشبة التي في أعيننا. فكيف تكون لنا شرعية بالجلوس على أحد أطراف موائد الحوار والشروع في نقد الغير واستخلاص حقوق يقال بشرعيتها ونحن ندخل إلى الحوار مأزومين ومكبلين بما لم نقدر على مناقشته؟ نموذج الفشل المحلي على المستوي الفكري والثقافي فيما يسمي بالخطاب الديني يمكن رؤيته في فشل المؤسسة الإعلامية والدينية والثقافية في عجزها عن إنتاج فكر نواجه به فكر التطرف. فشل الخطاب الحالي في السعودية في مراجعتها لفلسفة الحكم اضطر الدولة وكما في مصر للجوء إلى القوة غير مدركين أن المأزق بنيوي الثقافة في المؤسسات الرسمية والغير رسمية.
والعجز عن إنتاج خطاب إسلامي إصلاحي مختلف مرده إلى افتقاد الليبرالية الفكرية من جهة وفقر الفكر الديني الغير قادر على إبراز جوانب أخرى ربما تكون كامنة داخل المنظومة الإسلامية. بهذا أدرك الغرب ( الناقد ) أننا غير جادون أو عاجزون عن تحقيق حد ادني من الحوار مع الذات وبالتالي العجز عن الحوار مع الآخر. الهجوم على الليبرالية إذن هو رسالة لباقي الشعوب بان العرب والمسلمين مصدر خطر على الجميع وليس الغرب الأوروبي والأمريكي فقط.
فما الفرق إذن بيننا، الآن، في تجريم الليبرالية ووقف لفت البصر إلى الأخطار الكامنة عندنا وبين زمن الاندفاع الأهوج والتصرفات المتهورة دون وعي أو نقد لمقدرات الداخل دون حساب عقلاني لها والتي أوصلتنا إلى كوارث يونيو وحروب الخليج الثلاث مرورا بحصار العواصم. فالنظام العربي القومي لا يقل شططا عن الإرهاب الإسلامي من حيث انهم نظم مغلقة لا تعمل حسابا لرعونة فكرها وتصرفاتها ولا تبالي بنتائج أفعالها. والشعوب عند الاثنين رعايا ومفعول به تستهلكهم لصالح السلطات الأرضية في الأولى أو للسلطات السماوية في الثانية. فالنظامين هما وجهي العملة للثقافة السائدة في شرقنا ألاوسطي المتخلف.
فعلى سبيل المثال لو تجاهلنا في الحوار مع الأمريكيين مسالة الفشل ونقص سياساتنا الثقافية، عربية وإسلامية، في مواجهة الفكر الديني المتطرف بكونه أحد مسببات الإرهاب، فلن يصبح الطريق مفتوحا أمامنا إلا لنقد الآخرين واتهامه بالتحيز ضد العرب والمسلمين، مما سيعيد تأجيج الذات المريضة والتي تصب في صالح التطرف والغلو ثانية. هكذا تدور اتهامات القويين والاسلاميين بأكملها حول إدانة الآخر وإدانة الليبرالية تملقا وتدليكا لكل الأجهزة الإرهابية والتي تعمل لصالح الاستبداد العربي والفشل الإسلامي المزمنين ولا هدف منها سوي المزيد من التدخل في بلاد الشرق الأوسط المهزوم.
فلسنا بحاجة في شرقنا الأوسطي الواسع إلى أي شئ بقدر احتياجنا لليبرالية – فكرا وثقافة - ولنسمع صوتا مختلفا كما سمعنا منذ قرنين لصوت علماء الحملة الفرنسية عما يجهله السادة المماليك ومثقفيهم الجهلاء ومعهم علماء الأمة المحنطين الذين لم يلوكوا سوي الدعاء لاستجلاب الألطاف لما منه نخاف. خدعونا وكذبوا علىنا، لنقص تداول المعرفة وقتذاك لعدم وجود مطبعة، وبان التاريخ لا يبدأ إلا من العصر الجاهلي الخالي الا من حرية العدوان على الآخر كضرورة حددتها احتياجات البقاء، ومن بعده فرض الأديان لضمان القوت ولو على حساب البشر ومن كانوا في خانة الآخر الكافر في ذلك العصر. تحت هذه الشروط حرمت شعوب المنطقة من أن تدخل التاريخ وتوقف نموها العقلي والفكري وعاشوا أشبه بالعبيد تحت نير المغامرين بالسيف والقتل دون العقل والفكر بعد أن حكم العرب المنطقة.
تبدو المشكلة التي يهرب منها العربي أنه في ظلال الليبرالية الغربية أصبح زمام المبادرة الحضارية رهن بالثقافة الغربية على جانبي الأطلسي في مختلف المجالات اقتصاديا وسياسيا وثقافيا. ومع كل قرار له تزداد جرعات التحرر ومعها مزيد من التقدم. ويبقي العاجزين عن ابسط قواعد التفكير الممنهج والعقلانية الصرفة من مجرد تقليد ما يتم في الغرب أو حتى إعطاء فسحة من التحرر أو كبذرة يمكنها النمو ولو بمعدلات متواضعة. فلم نجد من العقل العربي، بعد أن أتخمته ثروة النفط، سوي مبارزات لإعادة إنتاج سوق اللحم والجواري دون العقل أو الثقافة هذا من جانب . ومن جانب آخر إعادة إنتاج الخرافة وفقه المعاملات البالية. فكم قناة فضائية وبأموال عربية خالصة نشَّطت الغريزة العربية للاستثمار وكم مجلة وجريدة أو محطة فضائية أنشأها العرب المسلمين لغذاء العقل والفكر والثقافة وممارسة الحوار الحر دون تكفير وإرهاب؟ وكم قناة تروج للإرهاب وتخويف المسلمين في دينهم؟ وتأجيج الكراهية والسطو على منجزات الغرب المعرفية واستحلابها من نصوص قرآنية ذات ألفاظ غامضة كما يفعل مصطفي محمود وزغلول النجار. فهؤلاء غير مدركين أن المعادلة مازالت غير متوازنة بل وتزداد انحرافا في اتجاه الظلام والجهل ومزيد من الارهاب، ثم نبكي على التدخلات الخارجية عندما ينخرط الناس في إرهاب يطال الغرب في عقر داره.
فالليبرالية كنزعة تحررية خارج قيود الماضي المتخلف هي فضيلة لكونها طرف نقيض مع الدكتاتورية والعنصرية والفاشية والاستبداد. من يقف حجر عثرة في وجه التقدم يجعلها عنوانا لكل خطيئة وبابا للمجازفة ومدخلا لكل عمليات النصب. من يكرهها يكره مجموع الحريات العامة والممارسات الديمقراطية في المؤسسات بعيدا عن النماذج التاريخية الفاشلة. وعندما تعوزهم الحجة وتقف الأحداث شاهدة على هزائمهم يجعلوا من الليبرالية قرينا بالتحلل الأخلاقي كتبادل الزوجات او حق الممارسة الشاذة جهارا، رغم وفرة الرذائل العربية السرية. كارثة زلزال آسيا الاخيرة اثبتت، على سبيل المثال لا الحصر، مدي غياب الحس العربي فيما يقال عنه الاغاثة او اعمال البر. فبينما هي فريضة اسلامية وعمل خيري فان ما قام به وكان له السبق كان هو الغرب الليبرالي المتهم بالانانية ومص دم الشعوب. بينما عطاءات دولة بترولية خليجية كبري تقف لليبرالية والعقلانية والديموقراطية بالمرصاد لا يتجاوز ما تبدده على المنشطات الجنسية للامراء فقط.
ويمكن فهم لماذا يكره العرب الليبرالية ولماذا لم ينتجوا معارف وعلوما وأفكارا يمكنها أن تعيد صياغة حياتهم بأفضل مما هي علىه في الماضي والحاضر. فالأسباب كثيرة لكنها بنيوية بالأساس في طبيعة المجتمع العربي كفانا الله شره. فباستعراض سريع لسياق المجتمعات العربية وطرق إنتاجها للمعرفة والأفكار نجد أننا أمام حالة فريدة من نوعها، فهي لم تنضج ولم تمر بمراحل تطور من ذاتها. تاريخ العرب يبدأ بالجاهلية، وبعدها كانت معارفهم، باعترافهم، مرسلة في رسائل من خارج الكون في صورة النص المقدس وما علىهم سوي تنفيذ ما تلقوه. هنا لا نجد للإبداع أو الليبرالية الفردية أية مساحة للتحقق. ولهذا فلم يتشكل لدي العربي وعيا بأنه قادر على الاختراع أو الإبداع أو التفلسف أو نقد ما هو قائم حوله.
ولم ينتج العرب علوما أو معارف طوال عصر الراشدين والعصر الأموي اللذان كانا خليطا وتوليفة من ثقافة الجاهلية وثقافة الإسلام. فتوقف العقل خارج جزيرة العرب طوال هذه الفترة، و في كل رقعة ارض حكموها بنصوصهم المقدسة.. هكذا اوقفوا النمو المعرفي والثقافي والفكري لان الحقيقة المطلقة أحق بالاتباع. ففي معرض فرانكفورت الأخير وجه الألمان نقدا للمثقف العربي بأنه يقوم بخدمة الفلسفة وليس ممارسة الفلسفة - أي النقد - لما يملكونه من نصوص. فأوروبا أنتجت الفلسفة ومارستها على ما تملك من نصوص فخرجت من تعاستها، شانها شأن إنتاج العلم وتطبيقه فكانت التكنولوجيا.
مع انهيار الحكم العربي في العصر العباسي وانتقال مراكز الحكم إلى تخوم بلاد فارس المفعمة بمعارف بابل وآشور وفلسفات اليونان بدأت وعلى استحياء ما أسموه العلوم والحضارة الإسلامية. أي أن معارف الشرق الأوسط لم تبدأ إلا عندما شارك الآخر في الحكم وباتوا من أولي الأمر. نفس الشيء في أقصى الغرب، فمع تفتت حكم العرب في الأندلس ومع التماس مع أوروبا القديمة من جهة الغرب بدأ منطق بن رشد في الظهور. حركة التماس والتقاطع مع أوروبا شرقا وغربا جعلت المعرفة وانتاج الأفكار رهن بمقدار التماس وليس التباعد. ومع التدهور والانحسار جغرافيا بخروج العرب من الأندلس وخروج الصليبين من الشرق انكفا الشرق العربي على ذاته في اجترار لجاهليته أو اجتهادا لفا ودورانا حول نصوصه التي لا مناص من الإفلات من قدسيتها. فلم ينتج الشرق العربي والإسلامي شيئا حتى حطت قوات نابليون الأوروبية على شواطئ الإسكندرية كمرفا قديم للفلسفة اليونانية. إنتاج المعرفة سياسيا وعلميا في كل تخوم الثقافة العربية مشروط إذن وبحجج تاريخية بقدر تماسنا مع الغرب في الماضي والليبرالي حاليا. فالي ماذا المهاجمين لليبرالية وعلى راسهم د. فيصل القاسم في قناة الجزيرة؟
كنا نتوقع منه الحديث عن قضية الطبقة والفقر والغني وتوزيع الثروة، ومدي فداحة إنتاج الفقر المحلي دون وعي وبتفسخ اجتماعي للطبقات الاجتماعية في ظل النظم القومية المعادية لكل شئ وبين الليبرالية الغربية حيث للفقراء وعي اجتماعي وحس سياسي وقدرات تنظيمية نراها في تعبيرهم عن ظلومات الشرق الجاهل. فالشارع الأوروبي اكثر وعيا بمظالمنا بل ويتحرك بأنشط مما يتحرك الشارع في العواصم المشرقية!!
في مناخ الليبرالية التي هي خلاصة عصر النهضة والتنوير في أوروبا نشأت كل العلوم الحديثة الصحيحة ولم يكن للعرب منها حصة. وعرف العالم حقائق الأمور واستخلص قوانين الكون ورسم صورة حقيقية له نافيا كل الصور السابقة في عصور الظلام والجهل المتصلة دون انقطاع. ومع الغرب الحضاري وتحت فلسفة الحريات والانفتاح السياسي والاجتماعي الحديثة تماس العالم العربي معه لسهولة الانتقال والاتصال والتداخل بالاستثمار أو الاستعمار. فلماذا لم يستفد العرب من علوم الفرنجة المحدثين وفلسفات حكمهم وحرياتهم العقلية؟
ميثاق الاتحاد الأوروبي الأخير أغضب بابا روما لان المسيحية لم ينص علىها في الميثاق رغم أن دول الاتحاد الخمسة والعشرون مصنفون مسيحيون من قبل العرب خاصة والمسلمين عامة، فيما بين كاثوليكي وأرثوذكسي. ولم يأبه الرؤساء الأوروبيين بما يقال عن تجاهل الأديان لا لسبب سوي أنهم جميعا يحملون إرثا ملطخا بالدماء والكراهية والعنف والقيود الدينية ولم يعرفوا الحرية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا – أي الليبرالية – إلا عندما تموضع العقل الإنساني كمركز للكون وبات معه المستقبل واعدا بكثير من الإنجازات لمن يجد له موطئ قدم في المجال الليبرالي والتقدم والحداثة. لكن يبقي السؤال، هل توقفت الحروب وعصمت الدماء وساد السلام؟
الإجابة بالقطع لا، فلم تتوقف كل تلك الأمور لكن الحرب باتت تدور بين من يريد للماضي الفاشي بالاستمرار والبقاء حتى ولو ثبتت عدم جدواه وبين الليبرالية حيثما وجدت. والأمر ليس بتلك البساطة والتسطيح لان كثير من دول العالم المتهم بالاستبداد والقمع وفرض الايديولوجيات، اوكرانيا وجورجيا كنموذجين أخيرين، تجري فيهما الآن تحولات بتكلفة زهيدة عكس ما عرفناه طوال التاريخ عندما تسقط نظم وتنهار أيديولوجيات، وتجعلنا نتأمل كيف تمت هذه الأمور بكل تلك السهولة؟
فالعقلانية الأوروبية والفكر البشري الحر كمركزية للكون وكبديل للدين أقاما الأيدلوجيات و أقاما الليبرالية وسقط من لم يستطع الصمود في بحر قرن واحد، بينما حالة الشلل المزمن العربي والإسلامي لا مناص له إلا في الجلوس على كراسي الشلل بعجلات النص وأقوال الفقهاء والاستمرار في الغيبوبة لقرون طوال. فقبل أن تكون هناك ليبرالية كان هناك تأسيس عقلاني يضع العقل الإنساني كمركز حتى ولو أخطأ لانه قابل للنمو والتطور بالتجربة والخطأ بعكس النصوص ذات الاتجاه الواحد حتى ولو كان الجحيم نهايتها المحتومة. فلم يبق ممن عادوا الليبرالية ولم تجد العقلانية لهم سبيلا إلا بالعيش في غيبوبة ولا يدركون ما الذي يحركهم ولأي قبلة تتجه أشرعتهم فباتوا خارج التاريخ يقذفون العالم الممسك بدفة التقدم بطائرات ملغومة وينسفون أنفسهم كانتحار على فشلهم المزمن.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق