الأصولية تحقق انتصارا
محمد البدري
مشاكلنا الكثيرة التي لم تحل تكمن في التناقض الحاد بين نظرة العلم لأمور حياة البشر وبين النظرة الأصولية لكل شيء في حياتنا. و ولو كانت الأصولية من التعقل والحكمة بحيث تتبني ما هو معرفي وصحيح في حياة البشر لما اعترض عليها أحد. لكن المشكلة والمعضلة أن الأصولية تريد نقل ممارسات أناس بعينهم بصورة كربونية وعلي الناس استنساخها وتقليدها وعدم الحيود عنها ولو كانت مناقضة لأبسط قواعد المنهج والخلق العلمي.
تبدأ المشكلة حين تدخل الحداثة الأوروبية بكل منجزها العلمي إلى اكبر بلد عربي ونفطي وإسلامي وتصب كل منتجاتها السلعية والتكنولوجية، ومعها المنتجات الفكرية أيضا. لكن الفلتر الأصولي يسمح فقط للسلع بالمرور ولو كان بحجم الطائرة في أمور الاستهلاك. وتضيق ثقوب الفلتر الأصولي بشدة وتصبح كـ ( ثم الخياط ) في الأمور المتعلقة بالفكر والثقافة. رغم كون العلوم والمعارف والأفكار والفلسفات هي صاحبة الفضل لكل هذه التكنولوجيات والسلع. تلك تناقضات المجتمعات الأصولية. تأخذ ما لذ وطاب لتلبية كل الحاجات عدا ما يلبي حاجة العقل والفكر.
قلق كل مجتمع ارسي قواعده لاستهلاك منتجات الغرب دون المساهمة ولو بشق تمرة في اله المعرفة وقوة العمل وتطوير العلوم وتوسيع دائرتها، أصبح الصراع فيه علي مستويين. الأول بالقنبلة والرصاص في عمليات إرهابية تهديدا للسلطة السياسية والدولة والشارع انتظارا لسقوطهم في أيديهم. وأخرى على مستوى حرب الأفكار والفتاوى وصورة التشريع بعكس ما تصبه العلوم الحديثة من دقة للقياس أو كمنجز طبي للعلاج أو حريات مكتسبة للمرأة ثبت جدواها وعدم تناقضها مع المنجزات الخلقية للإنسانية ومن ضمنها الأديان أيضا.
توفير السلع لم يُنهِ صراعات العنف في المجتمعات الإسلامية وبدأت أيضا جبهة صراع الأفكار والتشريعات وممارسات الفقهاء. حروب الفتاوى و قضية الإصلاح وجدت من يريد وأدها قبل ولادتها. فواتير الإصلاح القديمة للقضايا السهلة والتي لم تسدد بعد كرؤية الهلال عند المسلمين، مثالا لا حصرا، حسمها العلم والفلك قديما. لكن الأمر في مجتمعات الأصولية لا تريد لا للحداثة أو التقدم العلمي أن يحكم حياة الناس. ذلك لان ما ينجزه البشر يخضع للحكمة القديمة التي تقول: "ما تصنعه يصنعك" فالإنسان يتغير عندما ينتج شيئا جديد أو يمارس عملا تحديثيا وإنتاجيا. فبمقدار الجهد المبذول إبداعا وعملا واتقانا لما أنتجه من سلع وفن وفكر يقوم بمراجعة نفسه في ضوء الحالة الجديدة التي بات هو ومنتجاته في وحدة تضمهما. فتجعله يتجاوز منتجه الجديد إلى ما هو ارقي مع استخدامه لما أنجزه. فمن العجلة المدفوعة بقوة البخار إلى النفاث بطاقة الهيدروجين ومن الهاتف البدائي " أبو منافله " إلى الموبيل بالصورة المتحركة. تاريخيا، نمت حساسية أصابع اليد منذ بدأ الإنسان القديم في انتقاء البذور والثمار من ركام أغصان وأوراق الشجر فانتهي به الأمر إلى أن يعزف بدقة علي وتريات الهارب وأصابع البيانو. ويشكل لوحة فنية أو عمل نحتي ذو رهافة عالية. فيا له من فارق في كيفية التكيف والتأقلم والتطور الارتقائي عند مقارنة رسوم الكهوف البدائية لحيوانات الصيد وبين خطوط المعابد ولوحات الفن الحديث بكل مدارسه. فقط من تدرب علي العمل والإتقان هم من أبدعوا أرقى الفنون وصاغوا أعظم الأفكار.
إختراع التلسكوب واستخدامه زمن غاليليو طور التلسكوب وتطور معه الإنسان. فباتت المسافة والزمن خاضعين للدقة المتناهية وللخطأ في الحدود الصفرية. المسافة بالفرسخ في قياسات القدماء وعند العرب بوحدات غير مستقلة عن الزمن لكون السرعة كانت ثابتة عندهم تقريبا ولا تزيد بأي حال عن سرعة الناقة. فكتب التراث الأصولية تحدد المسافة بمسيرة أربع ليال أو شهر حسب بعد الأسواق. قياس الزمن حددته سرعة الدواب والجمال. وتحددها الآن سرعة الضوء.
فتأجيل قضية الاتفاق علي أي شيء في المؤتمرات الإسلامية بدءا من طرق تحديد بدايات الشهور في التقويم الهجري ليس مردها إلى غياب الأجهزة الدقيقة أو عدم الوعي بأهمية العلوم ليكون الإتقان والمهنية العالية من نصيب أهل الشرق بعد أن احتكرها أهل الغرب. لكن القضية تعود إلى رفض المنجزات العقلية والفكرية التي وقف الفلتر الأصولي لها بالمرصاد. وسمح في نفس الوقت بالمرور لكل ما هو بدائي طالما كان أصوليا. الفلتر هذا يقوم برد الفعل الشرطي عند التعرض لنفس المثيرات الفكرية. التمسك بالنص وحرفيته مرده إلى غياب العلم الطبيعي الذي هو علم الله وقوانينه التي وضعها للأنام، فكيف تتناقض أساليب الأصولية مع أساليب علم الله؟ اللهم إلا إذا كنا ضمن مجتمعات الجاهلية.
فالاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك صرح بالاستحالة الفلكية بأن يكون عيد الأضحى يوم الخميس و أعلنت السعودية عكس ذلك مساء الجمعة 14 يناير متناقضة عما أعلنته سابقا يوم الأربعاء من أن يوم الجمعة 21 يناير هو أول أيام العيد.
فالمملكة أعلنت الثلاثاء 11 يناير أول أيام شهر ذي الحجة، اعتمادا علي أقوال شهود في شرق السعودية. وقيل أنهم ظلوا يتأملوا الهلال من المغرب وحتى العشاء. بينما حسابات الفلك تقول أن قمر يوم الاثنين 29 ذي القعدة غاب قبل غروب الشمس مما يعني استحالة رؤيته فوق الأفق بعد الغروب. فتوزيع البلاد الإسلامية بامتداد خطوط الطول يجعل الفترة الزمنية بين أولوية غياب القمر والشمس مختلفة. تطول أو تقصر بقرب أو بعد الراصد عن خط الاستواء. فالقمر سبق الشمس غروبا في ذلك اليوم بخمس دقائق في ماليزيا. وشرق السعودية بأربع دقائق والجزائر بثلاث دقائق. فكيف تمت مشاهدته بعد صلاة المغرب واستمراره إلى وقت صلاة العشاء؟ الغريب أن هؤلاء الشهود أقاموا صلاه المغرب، وكل الصلوات، بناء علي حسابات الشمس الفلكية لكنهم وبازدواجية مغالطة لا يعتمدون حركة القمر بنفس القوانين كما لو أن النجوم والكواكب تجري لمصلحتها الخاصة وامتثالا لرغبات المشاهدين. رحم الله نيوتن وتفاحته المعطوبة التي وجدت من ينكر لها قانونا ثابتا رغم كفاءة قيادتنا للسيارات المفخخة وتوقيتات التفجير بقوانين ملزمة.
وقفة عرفات وصفها البعض بالمهزلة، لكن الأهل والإخوة في السعودية لا يهزلون. فكيف نصحو لنجد أن السعودية قد قررت تعديل بداية الشهر بعد انقضاء أربعة أيام منه. فلم نعرف عن أي فلكي أو عراف أو منجما يحدد الزمن بأثر رجعي فيخصم يوما أو يزيد لمجرد الإتباع وليس الابتداع.
فالقضية تعود ثانية إلى الحداثة والتكنولوجيا في قضية الرصد. المشاهدة بالعين المجردة أو بالمنظار العتيق لم يعد مستخدما في ظل مراصد تعمل بكل أنواع الأشعة من على أسطح الأقمار الصناعية وحسابات فلكية غاية في الدقة. من شاهدوا الهلال اليتيم أصروا علي أن تؤتي كل أنواع الرخص الأصولية في نقل الخبر إلى العواصم. لهذا أغلقت الموبيلات واكل أنواع الهواتف النقالة والثابتة والتلغراف والفاكس وقرروا امتطاء الناقة فوصل الخبر متأخرا أربعة أيام ليدرك أهل الحل والعقد أن ذي القعدة انقضي مبكرا يوما وبعد مرور أربعة أيام من ذي الحجة.
القضية ليست مسألة توقيت ورؤية هلال وتحديد عيد ووقفة، بل منتهى المهانة للعلم وللمنهج العلمي في التفكير. المسلمين من الأصوليين بهذا التخبط يعلنوا للعالم أنهم قوم لا يحترمون العلم كما اثبتوا في أحداث جارية علي ارض العراق أنهم لا يريدون الديموقراطية. فكلما اقترب موعد الانتخابات كلما ذادت العمليات الإرهابية. فلنكن صادقين مع أنفسنا قبل أن نصدق مع الآخرين، بأننا لا نملك رؤية واضحة للتقويم الهجري، ليتولاه من امتطي ظهر الناقة ولا نملك معرفة عن معني الديموقراطية فنوقفها باستخدام منتجات الحداثة، أي بالسيارات الرباعية الدفع المفخخة. التراث ملئ بأحداث عن صرة من الدنانير تُهدى لمن يأتي بخبر سعيد أو رأي حلما يسعد به الخليفة وكم من الرقاب طارت لمجرد قول لم يأت على هوى السلطان. تراث الشرق يمتلئ بالغثاء، وهناك من يريد إعادة إنتاجه وتؤمنه جماعة من الخلف بالسلاح أو شيخ لا يؤمن بدوران الأرض. هذا إذا ما كان يؤمن أساسا بأي علم.
العالم من خارج الشرق الأوسط بات مهتما بأن يتبنى أهله المعارف الحاثية من طبيعيات إلى الإنسانيات وصولا إلى الاحترام المتبادل بين كل صنوف البشر إضافة إلى الديموقراطية. ويبدو الحال كامتحان عصي علي مجتمعات هي قلب العالم الإسلامي والمدافعة عن دينه. فلا ممالأة الأصولية توافقا لرؤية البصرية للهلال حتى ولو كان تحت خط الأفق ولا السكوت علي الاستهلاك الحداثي دون تحديث للعقل باتا حلا، إنما تسكينا لانفجارات مجتمعية مؤجلة هي اشد وأعتى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق