الأحد، 2 مايو 2010

قصف الأقلام من فرائض صحوة الإسلام

محمد البدري



في الزمن الرديء تكون التصورات والمفاهيم في أوج توهجها. وعندها تكون الحقيقة قاب قوسين أو ادني من عنق رحم المعرفة والحقيقة لتنبئ بقرب ولادة جديدة تفك اسر الأم الحامل من أثقالها وتخفف عن الحاضرين عناء الانتظار مع وعد للشهود والحاضرين في المدن والنجوع بمخلص للخلاص من كل الفضلات التاريخية التي في حاجة إلى مكنسة حضارية.



خمسمائة عام فيما بين إ بن رشد حتى عصر جاليليو و خمسمائة أخري حتى الآن جعلت العقل يقول بان الله يرسل للبشرية علي راس كل خمسمائة عام من يجدد لها عقلها وحضارتها. هكذا بدت وثيقة الباحث سيد القمني معلنة قصف قلم خوفا من نتائج صحوة هلل لها المبشرون بالجنة من التعساء والعاطلين عن العمل كعناء الحامل لحظة المخاض لحمل كاذب. ولينذر الحاضرين بان عصور الظلام يمكن أن تعم نعمتها حيث لا ضير منها علي العميان، بل وسترفعهم درجات إلى مصاف من لم ير وهو بصير.



فالحضارة لا تقبل بالهزيمة والتراجع لكنها تنتظر حتي انقشاع الريح الأصفر وغياب الرؤية وتبديد الظلمة لتكمل مسيرتها. انتهاء زمن المعجزات انتهي معه أيضا البطل الأسطوري كهرقل أو شمشون. وقبلها انتهت عصور العصي السحرية أو الكلمات الشافية العافية. فلم يعد للإنسان إلا العقل لتدبر أمره فيما هو سادر فيه من غي أو ضلال. ولان الحقيقة لا تملكها الجموع بينما هي تنبثق من الفرد متفردا وخارجا علي القطيع وما تعارف عليه الجميع. فكأنها حقيقة سرمدية تلوح وتلوِّح لمن له شيئا من البصيرة سعيا للإنقاذ أو علي الأقل لرمي أطواق النجاة.



وبقليل من التدبر والتفكر نجد ان التاريخ لا يعيد نفسه ابدا، ولكل حادثة طبيعتها وسياقها المحدد بظرفها التاريخي وإن بدوا جميعا متشابهين. فالأحداث ماضيا او حاضرا لا يربطها قانون الوراثة او طبائع النفس الذي يوحي بالتشابه. ومع ذلك فمعرفة الماضي تراثا وتاريخا ليست مجرد محاولة استعادية او استحضار علي طريقة شمهورش، إنما لمواجه محن و كوارث هدفها تدمير العقل الذي لا تعريف له الا بانه لب الحضارة والصانع الاول لها. فالدرس الذي بتنا نمتلكه، من جراء كل هذا التاريخ، اننا لم نعد نسيطر علي مشكلة الجهل لهذا تماهينا معه املا في نسيان حضوره الطاغي علينا فاصبحنا جميعا جهلاء. هكذا يختفي الجهل لاننا لم نعد نبصره لنخاف منه. والويل لمن ظلت له من البصيرة بقايا. فالقاعدة التي تفتقت عنها الذهنية العربية المريضة هو نفي الذات هروبا من الم الواقع. فما الفرق بين الانتحار وقتل النفس استشهادا امام واقع لا سبيل من كسر قسوته او امتلاك ناصيته. الواقع الفقير او الطاغي لا يعطيان املا في رخاء وهما المرادفان لرد الفعل الانسحابي بالانتحار او الاستشهاد. فالموت هو حيلة من يملك جسدا يحارب به من دون العقل الذي يقوم بعمل مركزية الفهم والسيطرة ورد الفعل المحسوب. وما كسر القلم او تجفيف الحبر والتوقف عن الكتابة سوي تعبير متجدد لكنه ليس إعادة للتاريخ القديم فالظروف جد مختلفة. في الماضي لم تكن الحرية موجوده في مكان آخر يمكن الاستعانة بها أو استيرادها بل صنعها اناس من العدم علي طريقة الخلق الالهي. فما هو المنتظر من المثقف المشرقي المشتغل بعلوم الانسان سوي ان يحدد المصطلح والا يخضع لمفاهيم السوقة والدهماء او من يحملون الكراهية وعلي اساسها يقاتلون الاغيار لمجرد انهم اغيار في الظاهر او الباطن. فمن جدائل الشعر الذهبي المرسل الي العيون الزرقاء وبياض البشرة تبدو صورة كل من اتهمناه بالصليبية. وكل كاتب وماسك قلم شخصناه في خانة المارقين والمتلاعبين بالعقول. أما الحنجرة العالية والخشنة الصوت الفارغة المضمون المتحدثة عن عوالم مختفية فهم اهلنا وذواتنا التقية والورعة والعاقلة بكل ما ليس له علاقة بالمنطق والواقع. فالقتل و التهديد به سنه، وحب الحياة رزيلة ومسبة، فمن إذن الصانع للحضارة والباقي علي رعايتها وتقدمها؟



لقد ذهبت وسقطت ما اسموه الحضارة العربية الاسلامية. وذهب معها الوعي بمقومات قيامها ولم يبق منها سوي اللاوعي الذي يعرف في علوم السلوكيات بانه الجانب الغرائزي والدوني في الكائن الحي. هكذا بقيت مجتمعات البداوة خارج التاريخ كما هي خارجه دوما لكنها حاضرة والحق بها الجزء الحضري من بلدان الشرق. فاصبح المقدم تاليا والعربه امام الحصان والعاجز قائدا والفاعل هم من لا يعرفون. وتكون النتيجة ان تقدمنا يكون الي الخلف. الموقف جد مضحك فقال عنه الشاعر :



لماذا الذي كان ما زال ياتي



لان ما سوف ياتي قد ذهب



فالجهاد بالغرائز وليس بالعقل وبقطع للرؤوس وقصف للاقلام ليست سوي تعبير ووصف للحدث ان الذي كان ما زال ياتي من مجتمعات الغرائز. في مساحة لا تعرف سوي عودة كل ما هو بالي وقديم يصبح العالم في وعي البداوة العربي ضيقا مما يجعل انسانيته محدودة رغم ادعائه الاحتكار لقيم الفضيلة من مروءة وسماحة وحلم وكرم وشهامة. في هذا المستنقع الضيق تصبح الاستباحة والاستحلال قانونا. فاموال وحرمات الاخر مباحة، والحاق الاذي لمن يملك شيئا مختلفا، كقلم او فكر او عقل هي من الشهامة.



و تسقط التكاليف الشرعية عنما تهبط الثروة علي ذلك البدائي خاصة إذا ما وطأت قدماه ارضا غريبة كاوروبا او شرق أسيا عندها يختفي الورع الكاذب وتتبدي الخلاعة واللاوعي الدفين الذي لم يبدد يوما في استهلاك لطاقته في بناء حضارة او انتاج ثقافة رفيعة. فارض الاغراب أرض كفر لا تستحق سوي الاستباحة والاستحلال. والمبرر سهل، فيما بين إيمان وكفر يجعل العقل العربي نفسه قاضيا. أما عن حرماته هو، فلا يسلم الشرف الرفيع من الاذي حتي يراق علي جوانبها الدم.



والعودة للوطن أو مضارب القبيلة لا معني لها سوي تزمت إخلاقي تجاه كل ما اصطلحت عليه الثقافة العربية بلفظ عورة او ما ملكت الايمانات. انه العدوان متخفيا يالشرف والفضيلة علي الضعيف لو انه بات ضمن مرابع القبيلة. وهو نفسه صورة من العدوان علي الغريب علي ارض الغير لو امكن للسيف ان يفعل فعلته رافعا لواء الجهاد والحرب او الفجور والرزيلة إذا مكنته القوة والمال من إخضاع الكون لشهواته ونزواته. فالعنف والقوة الطائشة هي ما جعل عنترة بن شداد يقول انه يدخل الرعب والمهابة في نفوس الاقوياء بان يلحق بالضعفاء ضربات صاعقة تطيش لها قلوب الاقوياء. فكم من عنترة في العراق وكم من عنترة في بلادنا يدخلون الروع في قلوب الضعفاء اصحاب القلم والكلمة؟ لكن ليس لنا ان ننسي ان هذا العنترة كان عبدا اذل نفسه واذل اهله من اجل شبق في أمراة حرة لم ينلها لمجرد انه عبد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق