عروبة المصريين بين الحقيقة والوهم
محمـــد البـدرى
محمـــد البـدرى
سؤال عن الهوية وعن معرفتنا بأنفسنا مطروح الآن علينا بعد أن ثبت فشل التوجهات السابقة والتي لم يأت آخرها إلا بالهزائم والفساد واللا ديموقراطية … الخ. ولان الهوية هي نقطة البداية فلا بد إذن من تحديدها بدقة طبقا للمنهج الديكارتي كشرط أولى للوصول لنتائج سليمة دون ادني اعتبار أو خوف ورهبة مما تعودنا علي سماعه طوال سنوات الهزيمة والفساد واللا ديموقراطية … الخ
وهناك بداية سهلة تتناسب مع العقول البسيطة وتتفق مع كل ما جُبلنا على سماعه ، وهى أننا عرب ، وكفى اللّه المؤمنين شر القتال . أى أننا مستوطنون من قريش منذ أيام عمر بن العاص …!! وبديهي أن الإشكالية المتخلقة من تلك الإجابة ليست بنفس سهولة السؤال وسهوله إجابته أيضا لكنها تضمر لنا وتحملنا مسئولية تاريخية واجتماعية وسياسية وأخلاقية أمام أنفسنا وأمام العالم عندما يسأل العقل الكسول والمصاب بالدونية نفسه وماذا عن الشعب القائم قبل مجيء بن العاص بجيشه …..؟
كانت مصر القبطية ( والكلمه هنا بمعناها العلمي والتاريخي والثقافي أى المصرية ولا علاقة بينها وبين المسيحية ودليلي أن المؤرخين القدماء كما في المقريزى يقولون القبطي المسلم و القبطي المسيحي للتفرقة بين مصريين مختلفا الديانة ) امتدادا طبيعيا لمصر الفرعونية القديمة ذلك بسبب التشابه بل قل المطابقة بين مفردات ورموز الديانة المصرية الشعبية القديمة وهى الاوزيريــة نسبه إلى اوزير ( أوزوريس في اليونانية ) وبين المسيحيـــــة كما أبدعها يهود فلسطين وإسرائيل ، حيث الإله المقتول غدرا من الشيطان والعذراء البتول " إيزيس ـ مريم " وإنجابها المخلص " حورس ـ يسوع " ، ثم الوعد بالقصاص يوم الحساب في محكمة العدل الاوزيرية … إلى آخر ما تقول به الأسطورة المصرية القديمة ..والتي هي انعكاس لرؤية الجماعة العرقية المصرية للكون والناتجة بالضرورة من علاقة عمله وتقسيم ادواره في طرق انتاجه الزراعية. فالصحراء هي موطن سكن اله الشر "ست " والتي نطقها الهكسوس ومن بعدهم الساميين "شت ".
فحرف الـ "سين" تقلب "شين" في الساميات اللغوية كما في الاسم سمير وينطق شامير و سلام تنطق شالوم . وتضع روح البداوة والقبلية البدائية بصمتها علي اللغة حيث الوجود للجماعة وليس للفرد أي الشمولية البدائية ولذا فقد اصبح " شت " شيطان باضافة ألف و نون في حالة الجمع والتي مازالت بقاياها قائمة في لفظ " غزال " وجمعها غزلان و أذن وجمعها اذان . وحيث ان المصريين يرمزون بالزرع الي تصوراتهم الميتافيزيقية لذا كان اوزير "اوزيريس " اله النماء والانبات دائما باللون الاخضر في نقوشهم الدينية البديعة، اما ست ،الشيطان، ذو اللون الاصفر الدائم والصحراوي الموطن . لذا فان المصري يعبر عن أي نبت في الصحراء بانه نبات شيطاني نفس التسمية يطلقها علي أي نبات ضار بالمحصول الزراعي والذي يؤدي الي موت مزروعاته. ومن هنا كانت اسطورة اوزيريس الة الخير والنماء والمقتول غدرا من اله الشر ست. بعكس البدوي وساكن الصحراء الذي يلتمس النبات الصحراوي كمورد غذاء له او لدابته والذي يدل علي وجود ماء بشكل ما وهومطلب كل كائن حي.
وعلى الجانب الآخر ، أى السلطــة كان هناك الواحد الأحد الخفي آمون الذي لا يُرى مالك الكون المستبد العادل ، خالق كل شئ ، وارث الأرض ومن عليها ، ومن ثم فان السلطة السياسية وجدت فيه معينها الذي لا ينضب من الاستبداد بالحكم والسياسة ولعل بعض الخبثاء يتقوّلون بان العكس هو الصحيح من أن الكهنة والسياسيين معا تآمروا على الشعب بخلق آمون لضمان استمرار الحكم … هذا عن الفكر الديني والغيبي والمولع به المصري منذ سكن ضفاف النيل فماذا عن الواقع الحياتي والمعاش …؟
ارض خصبة ومياه وفيرة ونهر عذب جواد وظلال وارفه ( وصفها أحد مستوطني قريش كالجنه رغم انه لم يكن قد رأى الجنة بعـــد ) واهم من هذا كله هو العمل الجماعي للمصريين والإنتاج الزراعي من محاصيل متنوعة كانت دوما محط أنظار من لا يملكونها وعاجزين عن إنتاجها بدء من رغبة النبي إبراهيم " أبو العرب والعبرانيين من قبل أن يولدوا على مسرح التاريخ " في أن يكون له خير كثير , وكما جاءت في التوراة (أول كتب اللّه ), ولنسوف نصمت تأدبا عن وسيلته المقترحة للحصول على ذلك الخير , والتي قالها وهو على أبواب مصر الشرقية , مرورا بقصة النبي يوسف والتي تهدف أساسا للسيطرة والتحكم في غلال مصر , ثم وعد العبرانيين بعدسها وبصلها وفولها عندما اشتاقت أنفسهم الىخيراتها أى بتقنين الاستيطان حين قال لهم ربهم آنذاك " اهبطوا مصر فلكم ما سألتم " ومن بعدهم قمبيز فاليونانيين فالرومان ( 34 ق م – 640 م ) والعرب والمماليك ثم الأتراك كل منهم يصادر إلى الخارج رغم أن سويسرا وبنوكها لم تكن قد فتحت بعد . الوحيد الذي أتى بعد ذلك وأعطى ولم يأخذ ما يساوى عطائه ربمــا لان الوقت لم يكن في صالحة كذلك الظرف التاريخي , ومضمرا سوء النية أيضا , كان نابليون وتلك قصه أخــــرى …
ورغم القائمة العريضـــة من الغزاة والفاتحين كل بثقافته فان المصريين امتصوا من كل منهم ما يتفق ومصالحهم ومصالحــــــه أيضا ، فلغة الكتابة من اليونان والقانون من الرومان والنص الديني من العرب , واحتفظوا هم بل احتكروا ما لا يقدر عليه سواهم أى العمل والإنتاج وخلق الحضارة التي هي نتاج حتمي لمفردتي الأرض الخصبة والعمل كما عبر عنها وول ديورانت في موسوعته " قصــــة الحضـــــارة " وهنا يكمن الفارق الأساسي بين المصريين والعرب . وبسبب ولع المصري بالغيبيات عندما تكون معلبه في طقوس وأديان جعله يحاول الالتصاق والتماهى والتوحد بالشعوب التي شرفت بلقاء الوحي رسول العالم الغيبى , ووجد أن أحد هؤلاء الغزاة جاء ومعه ما يهواه المصري ويعشقه وتمنيا بحدوثه طوال تاريخه من مصالحة بين الديانة الحاكمة واعترافها بالديانة الشعبية أى ديانه المخلص كتعبير عن مصالحه طبقيه. أي أن بضاعتنا ردت إلينــا متصالحة مع بعضها.
كان هذا حلا توفيقا وفريدا بل قل إبداعيا وتلفيقيا على مستوى الميتافيزيقيا . ولكنه لا يسمن ولا يغنى من جوع عندما نجد أن هذا لم يكن مجانا شانه شأن الأمر طوال التاريخ . بل أن الفاتورة هذه المرة كانت باهظـــــــة . وان القادمين الجدد قد قننوا مصادرة الثروة أى الجزية وأنها مكتوبة لديهم في اللوح المحفوظ والتي ظلت مصر تدفعها لجميع الغزاة واللصوص دون استثناء كفارا كانوا أم مؤمنين تطبيقا لقاعدة القصور الذاتي حتى عام 1955 لكل من يسطوا على السلطة , دينية كانت أم سياسية حتى بعد ان أسقطها طواعية آخر مغتصبيها العثمانيين عام 1924 .وان الأمر لا يعدوا كونه دوره من دورات الغزو الدائم . لذا لم يجد المصري غضاضة في أن يظل الأمر على حاله منذ قمبيز وحتى الرومان ويتفرغ هو في إخلاص لعبادة الإله الجديد والذي ضم تحت لوائه جميع مفردات قصصه وأساطيره القديمة في تصالحيه عجيبة وبجرأة مسبوقة لم يكن هو بقادر على توليفها وإنجازها لوعيه للفروق الطبقية الغير متصالحة في الواقع.
انتشرت اللغة العربية كلغه منطوقة لسببين أولهما تلاوة وترنيم الآيات الدينية وثانيهما وهو الأهم في نظر الحاكم الأجنبي الجديد وطبقا لتعليمات عبد الملك بن مروان ( 65 – 85 هـ/ 684 –705 م ) ألا يتولى وظائف الدولة إلا من يتحدث العربية توفيرا للوســـــطاء المترجمـــين وحتى تصبح أعين وأذن الحاكم في علاقة مباشرة مع الثروة التي ليست ملكه ،خاصة وان الخبرة والإدارة والقدرة على الإنتاج والعمل ليست من صفات القادمين ولكنها متراكمة بالأساس لدى المصريين . هكذا بدأت اللغة في الانتشار من اجل مصادرة الجهد والعمل والثروة باسم الدين الذي يهواه المصري ويعشقه . وظهرت لغة جديدة ( العاميــــة ) بسيطة وسهله من ألفاظ عربية ومن نحو وصرف قبطي أي مصرية قديمة لتجاوز الفوضى والتشتت الذي لا لزوم له فيما يسمى بالفصحى التي كان يتحدث بها الغزاة الجدد أهل الجزيرة . وبرهاني بسيط على ما أقول , فلنسأل تلاميذ المدارس بدءا من الحضانة وحتى الثانوية, أى المواد لا تريدها ؟ …… وسأترك الاجابه لنتائج الإحصاء إذا ما جرأ وقام به المدافعون عن عروبة المصريين . وفى دراسة هامة للأستاذ " بدر نشــأت " في عدد من مجلة القاهرة في عام 1996، فعن طبيعة اللغة التي نتكلمها حاليا وكيف أنها أعادت صياغة بل وأصلحت الكثير من عشوائية وفوضى الفصحى العربية نجد ان الصرفيات للاسماء قد خضعت لقواعد منطقية بعكس الفوضى الفصيحة ونموذجها في صيغ "فاعل" و "افعل" و "فعول" و "فعل" و "فعيل" و "مفعول" و "مفعل" جميعها حولها المصري بنطقة المنضبط الي صيغة " فعلان". فكلمات مثل حائر واجرب وكسول وبطر وملئ ومكروب ومتعب تحولت في العامية الي حيران و جربان وكسلان وبطران ومليان وكربان وتعبان. نموذج آخر في كلمات كوب و حبه و مبراه وحدأة وطائرة تحولت في العامية الي كباية وحباية وبراية وحداية وطيارة. أي ان الصيغ فعل وفعلة ومفعال وفعلة وفاعلة تحولت وانضبطت الي صيغة واحدة هي فعالة. بكلمات أخري لقد ضبطت اللغة العامية اللغة الفصحي وقومت اعوجاجها وجعلت لها قواعد لاول مرة منذ خرج عرب قريش بلغة لا يعرفوا لها قواعد حتي وضع سيبوية لها هذا الركام النحوي من الفوضي والعشوائية في زمن العباسسيين. ولم يجد الكتاب أي صدى من المهتمين بكل شئ إلا الحقيقة من مثقفي العروبة بدءا من الإخوان المسلمين وحتى الشيوعيين مرورا بالقوميين العروبيين , ربما لانهم مازالوا يعيشون صدى عهد قرع الطبول القومي حيث مورست معهم جميع صنوف الهوان واتى هو بإنجازات العصر , أي الهزيمة والفساد واللا ديمقراطية . ولنقف برهــــــة هنا لفهم دلالات اللفظ لغويا كما ابدعه العقل .
فكيف يخرج العقل إلى الخارج مدلولا معبئا في لفظ صوتي هي الكلمة ما لم يكن هناك واقع حياتي معاش يعكس ذلك المدلول . فكلمه المخلص مثلا هي نتيجة حتمية لشرط أولى سابق عليه هو الظلم , كما أن لفظة نصيب مثلا تفترض وبشكل مسبق وجود اكثر من فرد يستحق كل منهم جزءا أى نصيبا لما يعتبره الجميع حقا مشتركا لهم . وهكذا تنشأ اللغة كتداعى منطقي لوضع مادي سابق عليها , تمكن حاملها من فهم ما يحدث وما يمكن عمله إزاء الواقع , أى تجريده داخل العقل إلى رموز " مدلولات " كل منها مرتبط بلفظ صوتي ( دال ) يمكننا من الاتصال مع الرمـــــوز عند الآخرين إذا ما تلفظنا بها . فاللغة إذن، وبشكل عام، ليست موضوعة مسبقا لنا ( توقيفيه ) ولكنها منتج ثانوي للوجود الإنساني السابق عليها ( اصطلاحيه ). لذا نجد العقل المبدع دائما في إفرازه المستمر لألفاظ جديدة يصعب منطقيا أن نبرر وجودها مسبقا في عالم آخـــــــــر ….
لم يترك العرب بمصر سوى مفردات وأبجدية اللغة العربية , أما المعمار الذي هو خبرة هندسية بالأساس هو وقف على من يعرف البناء في مصر أو في بابل حيث الأهرام والمعابد هنا والبرج والحدائق هناك , والتي لا يوجد مثيلها في بلاد العرب , بل أن الكعبة المبنى الوحيد في كل الجزيرة بناها رجل قبطي ذلك عندما أرادت قريش تجديدها قبل البعثة المحمدية وان قماشها كان قباطيا أي مصريا وكما جاء في أهم مرجع للسيرة لـ" بن كثير " جـ 1 ـ ص 276, 281 . وظل القرآن هو النص الحامل لتلك المفردات اللغوية ولكنه لا يكفى لتغطية جوانب الحياه المتجددة , وخاصة أن اللغة القادمة تعكس روحا بدوية رعوية تجارية ذات بنيه قبلية أبوية بعكس الروح المصرية الزراعية حيث مؤسسات العمل وعلاقات الإنتاج الاجتماعية . ولذا بدأ العقل في إكمال النقص اللغوي بخلقة ألفاظا جديدة أو استخدام ما لديه من معين ثقافته القبطية المصرية الوطنية . ومع ذوبان واختفاء القادمين الجدد في الرحم المصري بدأ العقل الجمعي في تناسى آيات القتـــــــال والدم التي هي مغايرة بالضرورة للروح المصرية الزراعية والتركيز على نصوص تعيده إلي ملاحمه وأساطيره القديمة , لذا كانت سورة " مريـــــم ـ إيزيس " وقصارى الصور ذات الموسيقى العذبة والإيقاع هي المتداولة عند القراءة مذكرة المصري بموسيقى معبده القديم بنقوشه الجميلة ورونق معمــــــــاره . …
كان حكم العرب لمصر 642 – 868 م أقصر فترات اغترابها بل هي اقصر من ذلك لان الموالي والمماليك وفدوا اليها كمندوب سامي قرشي اوعباسي بدءا من العام 841م حيث تولاها الوالي العبد علي بن يحي الارمني من 841 – 843م وعاد وتولاها ثانية من 849- 849م اما المملوك يزيد بن عبد الله التركي فتولي من 856 – 867م . ثم ازجور التركي فتولي من 868 الي شهر رمضان من العام نفسه. ويذكر د. ايلون D. Ayolon في كتابه المجتمع العسكري المملوكي أن استخدام المماليك بدأ منذ العصر الاموي لذا فحكم العبودية موغل ومتزامن مع تاريخ عروبة المنطقة واسلمتها. لذا فان المنقول الثقافي والمعرفي كذا العادات لم تجد زمنا كافيا لتضع نفسها موضع التنفيذ , إلا في القليل النادر , كذلك فان البيئة الاجتماعية المصرية لم تقبل أيضا بتلك المفردات بسبب اختلاف طبيعتها عن الطبيعة العربية . فوظيفة الكفيل مثلا والموجودة منذ عصر الجاهلية العربي وحتى الآن ليست سوى ناتج طبيعي وحتمي لعلاقة العربي بمفردات بيئته التي لا مثيل لها هنا في مصر . فلأن ثروة البدوي في حالة سيولة دائمة وخفيفة الوزن وتنتقل معه في ترحاله الدائم بل وهى قليلة أصلا لأنها ناتج مجتمع ندره لذا فهو حريص عليها بشده , ولابد لها من ضامن إذا ما جاء غريب بينهم ناهيك على أن الثقة مفقودة أصلا في الغرباء كما هي مفقودة بين أبناء العمومة حتى ولو انتسبوا إلى الجد الأعلى أليس هذا هو الحال بين بنى أمية وهاشم . أما في المجتمع المصري الزراعي الثرى بمفرداته وإنتاجيته وثبات واستقرار هياكلها, فلا يمكن للغريب أن يسرق النهر أو الساقية أو الغيط وما عليه إلا الاستقرار في الأرض والعمل بها أي يتلاحم مع مفردات الحضارة ويصبح مصريا لذا لم تنشأ عندنا في مصر تلك الوظيفة الطفيلية التي هي نتاج مجتمعات الندرة والفقر . ويمكن تطبيق هذا المنهج الوظيفي في علاقة الإنسان ببيئته لكشف الأسباب الكامنة وراء كل مفردات المجتمع العربي الثقافية كالموسيقى والقانون وعلاقات الزواج ….. إلى آخر ما تم التعارف عليه بأنه شرعي . كان تعدد الزوجات هو أسوأ ما تركه العربي في مصر والذي يعتبر تراجعا فيما وصلت إليه تلك العلاقة الاجتماعية من رقى في مصر القديمة حيث الزواج الأحادي Monogamy والحديث هنا عن الــزواج وليس الطلاق فالأخيرة هي إحدى مثالب الثقافة المسيحيــــة والآتية من الشرق أيضـــا ….
أمــــــا عن الحالة السياسية في ظل سيادة الحكم العربي للمنطقة فحدث ولا حرج بدءا من زمن الفتنه الكبرى والتي يحاول العقل العربي الإسلامي المراوغ تفاديها بعكس موقف العقل المصري في موقفه النقدي منها ( الفتنه الكــــبرى ـ د. طــه حســين ) ثم الصمت المريب على ممارسات الأمويين إلى العصر العباسي المشهور بفجوره ومباذله وبسيطرة الجواري والخدم على مقاليد الأمور فيه، وحركات التمرد من البرامكة وثورة الزنج والقرامطة وواكبها في مصر ثورات عده في السنوات 107، 121، 132،150 هجرية وكان أهمها ثورة البشموريين ( 215 هـ/ 830 م ) في شمال الدلتا وبسبها جاء المأمون ( 217 هـ / 833 م ) إلى مصر وقتل آلاف الأنفس في يوم واحد واخذ الأطفال والنساء أسرى إلي بغداد سيرا علي الأقدام .لا لسبب سوي ضمان ورود الجزية إليه لصالح الجواري والغلمان. كان السلوك العربي في تنصيب الحكام علي مصر يندي له الجبين. فالعرب يفضلون شراء وجلب الخدم والطواشي وابناء الجاريات ومن يدينون لهم بولاءات قبلية ويعينونهم حكاما لمصر بديلا عن تعيين المصري ومن ينتمي الي الارض المصرية حتي ولو أسلم وحسن اسلامه او من ولد مسلما. فابن طولون مثلا وبعد حوالي 230 عاما من دخول العرب مصر وهو إبن احد المماليك الاتراك من احدي جواري العصر العباسي يعين حاكما من الخليفة الذي لا يربطه شيئ بارض مصر معتبرين ان الوطن لم ينجب مسلما واحدا حتي من بين ظهراني احد العربان القادمين من قريش وفضل البقاء من اجل فولها وعدسها وبصلها طوال الفترة المذكورة.
وتوالت سرقة مصر تحت سمع وبصر الخليفة بدءا من المذكور بن طولون وحتى عصر الخدم والطواشي أي المماليك , كل يحاول تثبيت وتأكيد شرعيته , فالظاهر بيبرس قاتل حلفائه وابناء جلدته - توران شـــــاه في سوريا وقطز في مصر - عندما لم يجد وسيله لتولى الحكم جاء بطفل غير شرعي من إحدى جواري العصر العباسي المنقرض ونسبه إلى آل البيت وأقامه خليفة , ثم قام الخليفة الطفل بتعيين بيبرس على مصر لإكسابه الشرعية ….!! وبعدها بأعوام طويلة جاء سليم الأول بعد أن نصب نفسه خليفة دون حاجه لآل البيت هذه المرة ربما لطول العهد واختفاء وذوبان من جاءوا كعرب من قبل ألف عام في الشعوب ألاصليه، أتى على رأس جيش أيضا لتحويل الجزية إلي الأناضول بدلا من بغداد . ولهذا السبب بالذات سميت تلك الغزوة بالفتح العثماني لمصر . واتفق الخليفة الجديد مع المماليك أصحاب نفس التراث وورثه سادتهم العرب في أمر الجزية على أن يتركهم لحكم مصر . وهو نفس ما حاوله مراد بك بعدها بـ 300 عام عندما حاول إعادة إنتاج ذاته بان حاول التــآمر مع القائد الفرنسي أثناء مطارده الفرنسيين له في صعيد مصر بان يرسل إليه الجزية في باريس معتبرا إياها مركز الخلافة الجديد أى مصبا للجزية لكونها منبع الغزاه الجدد …!! على أن يتركه يحكم الصعيد . ومن بعده وفي العام 1807 وبعد عوده محمد بك الالفي من انجلترا يصرح الاخير بانه لو فتح الله عليه مصر فسوف يعمل علي راحه أهلها !! لقد أصبح الفتح من الداخل أيضا شرعه اسلاميه يبغي لصوص الحضاره بها جزاءا في الجنه.
في هذا الوقت أى بعد حوالي 1200 عام من مجيء العرب وتوابعهم , لم يكن بمصر اكثر من 200 يعرفون القراءة والكتابة , ولم تقم بها أى مشروعات ووصل تعداد السكان إلى حوالي 2 مليون نسمه .. كانت الصدمة عندما واجه المماليك ومشايخهم وتجارهم الفرنسيين . الأمر الذي جعل المصريون يولون محمد على المنتمى إلى حد ما إلى أهل الشمال ومازال أيضا على إيمان بعالم الغيب الملازم للمصريين من قبل أن يكون هناك عرب وعبرانيين وبعد هوان التوجه إلى الشرق لزمن طويـــــــل ..
ومع بداية القرن التاسع عشر كان التحديث من الغرب وليس من الشرق لكون التراث الشرقي بأكمله عاجزا عن القيام بأي نقله حضارية ولذا أطلق اسم مصر الحديثة عندما بدأت في التوجه شمالا واقتباس العلوم والمعارف والثقافة من هناك ومازال حتى الآن دون القدرة على الإبداع من الذات بسبب الإعاقة المستمرة من تراث الماضـــــــــــــى ….
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق