الأحد، 2 مايو 2010

حل القضية ام حل المملكة في سيرك الشرق الاوسط الكبير

محمد البدري



رحم الله يوسف وهبي الذي نقل الينا مقولة اوروبية تقول "وما الدنيا الا مسرح كبير" وكان يقصد سيرك كبير. عروض السيرك يمكن إقامتها في أي مكان طالما الظروف والاحوال تحتم اقامته من توفر الحبال والشباك والبالونات والالوان الزاهية لزغللة الناظرين. فما يجري فيه وما يقوم به أي بهلوان يخضع دائما لقوانين الطبيعية الحتمية ولا يمكنه الافلات منها أو كسرها بل يتحايل علينا في تمرير قدرته علي إخفاء مظاهرها. فمنذ توجيه الدعوة لفتح وحماس باللقاء في مكة حتي اختفت التصريحات النارية في اقوال هنية ومشعل اللذان ظلا يقولان بعدم الاعتراف باسرائيل وانهم ليسوا ملزمين بشئ ولا بديل الا من البحر الي النهر. وقبل الاجتماع قال مشعل لن نغادر مكة المكرمة الا ونحن متفقون!!!!



ولا نعرف لماذا غادرها سريعا وهو يحاول حل مشكلة مستعصية علي الحل من كل الاطراف لاكثر من خمسين عاما. فهل فهم احد شيئا؟ فلم نفهم من هذه العبارة الا بان الاتفاق متفق عليه وان ما يجري سوي تغطية علي الخدع الصوتية واللونية والمرايا الخفية كالتي نجدها في أي سيرك او بيت للاشباح. وكان مفترضا منهم القول بعد كل تصريح " والحدق يفهم".



دخل ابو مازن ومعه صديقه اللدود هنية الي رحاب مكة آمنين مطمئنين لانهم من المؤمنين ولا يمنعهم نص مقدس من دخول الارض الحرام حتي خرجت لنا تلك التصريحات البهلوانية. وآخرها كان امام بيت اولمرت في اسرائيل وقام بها اعضاء حركة السلام الان مطالبين بالموافقة علي مبادرة الملك عبد الله التي قدمها في بيروت قبل غزو العراق. لم يهتم احد منذ العام 2002 وقت طرح المبادرة بشئ ولم يكن هناك ضرورة لنصب اعمده أي سرك في أي مكان. كانت مجرد مبادرة امريكية كشف عنها صاحبها توماس فريدمان في الصحف عربية وامريكية. فما هو الجديد؟



منذ تفجرت الثروة النفطية تحاول المملكة الحماية لذاتها من الداخل. فهي عرضة عبر فضائها الاعلامي والحداثي والفكري والثقافي والسلعي والسوقي والمالي والديني والاقتصادي لكل انواع المغريات من العالم خارج حدود المملكة فما اعظم الثروة خارج المملكة مقارنة بداخلها. والضغط الاسموزي للحداثة يجعل الانتشار مغريا من الخارج المفتوح وذو الضغط العالي الي الداخل المنغلق. فكلها تصب ولا يمكن منعها. لهذا حاولت المملكة تصدير فلسفاتها الاصولية بالانتشار كدفاع عن ذاتها للمناطق الفقيرة ضمن منظومة الجامعة العربية كالسودان والصومال او مناطق بعيده كالشيشان وكانت طالبان في افغانستان نموذجها الاكثر فجاجه. دفاعاتها بالانتشار الي الخارج بزرع قوي اصولية لا يختلف كثيرا، بل ربما أسوأ، من الاستعمار التقليدي القديم الذي منع التنمية واحل الفقر وبدد الثروة. فالمملكة اهتمت بنشر الاصولية في الصومال والسودان والشيشان وبلاد اخري كثيرة الا انها لم تحاول حل مشاكل الفقر في أي منها رغم كونهم مسلمين مثلهم. فالمجاعات والامراض والحروب علي الدين تحصد الالاف فيها دون ان يتحلي احد بدين متحضر يحافظ علي وحده هذه الاوطان او علمانية الحكم فيها للتقدم والرفاهية كحال باقي العالم.



ربما كان للاستعمار القديم فوائد منها تعريف المتخلفين من المستعمرين أن هناك متحضرين عندهم الجديد الممكن اللحاق به وهو ما ادركه المصريون زمن نابليون. لكن ما الذي يمكن اللحاق به وهو من الماضي ضمن التمدد الوهابي السعودي؟



قبل الحادي عشر من سبتمبر كان التمدد الوهابي مباركا من الغرب ومن بعض النظم العربية. وبعد الحادي عشر من سبتمبر كان تمدد السعودية ثقافة وفكرا يتلوه مباشرة الحرب علي الارهاب بارسال القوات الدولية بعد الامريكية لتصفية الاستثمارات الدينية هنا او هناك. ولم يكن هناك في تلك الاوطان الفقيرة من اسرائيل او ما يشابهها حتي تشتبك معه الاصولية الاسلامية بل شعوب فقيرة تحتاج الي التنمية والتعليم والصحة والطعام في احيان كثير. لهذا فما ان وصلت حماس الي السلطة في فلسطين الا وقد اصبح هناك خطر علي اسرائيل من الاصولية الحماسية ذات الاصل السعودي وواكبها التغلغل الفارسي والشيعي الي عمق العراق إضافة لما يجري بلبنان. فاصبحا ككماشتين يطبقان علي اسرائيل والمملكة في وقت واحد. أي انه ولاول مرة تشترك اسرائيل والمملكة في تخوفهما علي امنهما الداخلي. لكن اسرائيل لا خوف عليها وليس عليها ان تحزن فقدرتها الداخلية والحماية العالمية لها اصبحت متعاظمة بانضمام الكتلة الاشتراكية سابقا والهند والصين ايضا. ولم يبقي سوي المملكة ذات الاعداء الكثيرين من الداخل والخارج وهي في كل حال تحارب الارهاب اصوليا او غير اصولي.



لكن المملكة يمكن رؤيتها كمستودع لكل شئ قابل للاشتعال من الاصولية الي النفط الي الفروق الطبقية الي الطائفية الي القبلية. بل ومعاركها كدولة حديثة مع دول الجوار علي الحدود كقطر والامارات واليمن تمثل عبئا آخر ممكن استثماره لو احتاجته الظروف. وعليه اصبحت المملكة في حاجة الي غطاء يحميها من ان تشتعل ذات النار فيها. وفي نفس الوقت لن تحارب بعضها بعضا علي مسمي الاصولية فهي اصوليه من نخاعها. فرغم ان الحكم في السعودية يقول بانه اسلامي، ولا خوف عليه من أي اسلام آخر مدجن او متطرف، الا انه يحاول تحديث واصلاح نظام تعليمه الديني بتخفيض منسوب العداء للغرب في مناهجه المدرسية والجامعية وبين الدعاه وخطاب المساجد تمشيا مع المطالب العالمية وليس مطلب حضاري. فالماده العدائية الكارهة للحداثة واصولية المصدر هي نفسها نفط ثقافي له وجه سياسي قابل للاشتعال داخل المملكة. فوصول حماس اصبح يمثل فعل مضادا لما يقوم به نظام الحكم من تحديث واصلاح في اكبر دولة نفطية هي ذاتها اعترفت بنظام طالبان الاكثر بشاعة ولا انسانية في التاريخ. والمملكة تعلم ان حماس لن تصل الي حل مع اسرائيل اللهم الا ابقاء الحال علي ما هو دون حل مع مزيد من اللهب في الحرب علي الارهاب، ولن تحل القضية إطلاقا طالما حماس متواجده بمطاليها البعيده التحقق. لهذا كان تخفيض الحرارة في المنطقة باكملها ضرورة بقاء للملكة في وجه كل انواع المد الذي اضيف عليه المد الفارسي الشيعي. لهذا كان التقرب من اسرائيل ضروره ممثلا والتعاون معها مطلبا لوقف ذلك المد الاخطر علي الاثنين. ولتكن الحجة هي التطوع لحل القضية الفلسطينية التي طالت!!!



فدخول ايران علي ساحة صراعات الشرق الاوسط المزمنة فرض نوع من التحالفات الجديدة ولو علي انقاض القضية المحورية الفلسطينية التي رقص العرب حولها طويلا كالجماعات البدائية انتظارا للحظة الحل السحري الذي يعلم بهلوانات السيرك انه خدعة ستمر علي مشاهدين دفعوا اثمان تذاكر قبل الدخول وعليهم بالاستمتاع حتي ولو كان وهما، او كانت ثروتهم ومستقبلهم ثمنا لها.



منذ اختيار عبد الناصر لعرفات وتقديمة كقائد وزعيم، وهو ذاته الوضع منذ خرج النفط وانتشرت الثروة ومعها الاصولية ومفاهيم نظام الحكم السعودي طوال الحقبة النفطية. فطالما الاسرة المالكة تتولي العروض والقيام بالدوار في سرك الشرق الاوسط وتتسرب الاصولية الي المشاهدين دون ادراك كحال الحضور في حلبة السرك، كان اثر حماس ضئيلا طالما فتح هي المتولية للامر وهو الذي اختلف جذريا بعد الحادي عشر من سبتمبر. فبات الجميع يربط الاصولية بالمملكة وبفلسفة الحكم فيها. لهذا ادركت السعودية ان وصول تنظيم القاعدة الفلسطيني الي السلطة سوف يشعل استتباب المنطقة مع الاخذ في الحسبان ان الاكثر عرضة لهذا هي المملكة ذاتها التي تحمل كل المواد القابلة للاشتعال بطبيعتها في العالم.



الاصولية الان في فلسطين ولبنان باتت تستدعي الفرس والاسلام الشيعي والطائفية لتصب من الخارج الي الداخل وكل ما يفتت هذه الوحده الهشة والكاذبة بين الدول المسماه بعربية واستقرار نظمها. بل ان هذه الاصولية قبل زمن النفط كانت تحارب عبد الناصر. أي وقفت ضد عروبتها في العام 67 باعتبار ان الشرق الاوسط اسلامي وليس عربي. فما ان بات العالم كله ضد الارهاب أي ضد الاصولية الاسلامية حتي لجات المملكة الي العروبة ثانية أي باستخراج الارنب من الجيب الايسر بعد اخفائه في الجيب الايمن في زمن المد القومي. ولنراجع تصريحات المملكة في مؤتمر القمة الاخير وتصريحاتها قبلها عن العروبة. والاكثر عجبا انها حجمت حماس بسرعة البرق في اتفاق مكة السريع فلم يستغرق حوار مكه بين العاهل السعودي وهنية وابو مازن اكثر من 24 ساعة لحل قضية عمرها قرن منذ مؤتمر الصهيونية الاول. فالحل جاء من دوله لا يمكن ان تصاب بجينات اصولية فهي ضمن موروثها الثقافي والحضاري. فلم نسمع عن بعوضه ماتت من اثر الملاريا. لكن الفرس باتوا علي الابواب والشيعة نشطت، لهذا سارعوا الي تدجين جرثومة الاصولية عند حماس بسرعة فائقه وبكل سهوله. فتركته إذن ينهش في بلاد هي افقر كثيرا من الفلسطينين كالصومال والسودان أما فلسطين ولبنان فمردوده هو اختراق المملكة وضياع العراق لصالح ايران في اسوأ الاحوال او للديموقراطية والفيدرالية في الاكثر سوءا؟



فالعروبة المستحدثه في خطاب الملك لها عدائها مع الفارسية فتم استدعاؤها للدفاع عن الذات المهددة والتحافا بمن استعربوا لان الهوية الاسلامية غير ذات دفاعات ضد الشيعة خاصة وان الحوار بين السنة والشيعة فشل ولم يكن في صالح السنه. ولانه يستحيل الاستغناء عن امريكا والغرب كمستخرج وناقل ومسوق وصانع لتكنولوجيا النفط، أي سر ثروة الدول الخليجية. فان المبادرة العربية الامريكية اصبحت ضرورة بعد ان كانت مجرد مبادرة مطروحة قبل ان يسقط العراق القومي ويشنق رئيسه وتصبح الحضارة الفارسية ضمن مكونات العراق لدرجة ان المسافر من الكويت الي العراق عبر المنفذ الشمالي للكويت عليه بملئ استمارة مكتوبه باللغة الفارسية.



الثقافة الاسلامية تنهي اقوالها وفتاويها بان الله اعلم. وهو ضمنا يجعل الشك في اقوال الفقهاء والدعاة واردا ان لم يكن مؤكدا. ومع ذلك يطلبون منا تصديق وطاعة فتواهم رغم تمريرهم الشك عيني عينك في كل ما قالوه وهو ما يذكرنا باعمال السيرك مرة اخري. تجديد المبادرة والموافقة عليها دون تعديل بل وترحيب اولمرت بها وقوله بانها ليست في حاجة الي تعديل بعد خمس سنوات من اعلانها يجعلنا نقول رحم الله السادات الذي كان شجاعا فتسلق الحبال وقام بالاستعراض وحده وحقق ما امكنه تحقيقة في مبادرته فاغتالته ذات الشباك التي اعتقد انها آمنه والتي يحاول اهل المملكة حماية انفسهم منها ايضا. فعلا فما الدنيا الا سيرك كبير. ولا اعتقد ان الملك عبد الله سيذهب الي تل ابيب كما ذهب السادات وصلي في القدس لان الضيافة الكريمة في المملكة يمكنها توفير كل شئ ليزور اولمرت مكه. خاصة وان اولمرت ليسوا ممن تحرم عليهم ارض البيت الحرام. فهو يهودي، أي من اهل الكتاب وليس من المشركين حسب ممنوعات نص القرآن الكريم.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق