الجامعة العربية تمنع ولادة الديموقراطية
ولا تضمن أمن أحد
محمد البدري
ولا تضمن أمن أحد
محمد البدري
الجامعة العربية في اختبار حقيقي أمام مصداقية عملها وضرورة وجودها والحاجة لذلك البناء الضخم علي ضفاف الإله حابي المصري. حال العرب يقول بان القرارات الصادرة منها لا قيمة لها. والمبادرة الأخيرة جعلت من السيد عمرو موسي من المغضوب عليهم بعد ان كان من الضالين في معاركه مع دويلات الخليج العظمي والكبري والتي لا تغرب عن أموالها الشمس.
رفع العراق شعار أمه عربية واحدة زمن صدام والبعث ثم اكتفي مؤخرا بان وصف نفسه بأنه مؤسس في الجامعة، وهو وصف صحيح وكاف. لكن الدول التي لا تغرب عن فسادها الشياطين لم يعجبهم الحال مصممون علي ان يعود العراق الي حظائر الظلم والقسوة والفساد والاستبداد. فاذا الشعب العراقي اراد الحياه فلا بد الا يستجيب العرب. ولا بد لليل ان يدوم ولا بد للفجر ان ينخسف. هكذا تنشد دول النفط الاسود ( عرب الاسلام ) داخل أروقة الجامعة ومعهم دول الثورة ( عرب القومية ) جهرا امام السيد عمرو موسي . ولا يملك هو سوي الرقص علي الالحان والتغني بشعر العرب جاهليا كان او استبداديا. لكن ما الذي يشغل بال السيد الامين العام عن سماع الحقيقة البعيدة عن التسابيح العربية ويجعل إذنا من طين وإخري من عجين. أم انه من المصلين في الصفوف الخلفية وممن لا يجهرون أثناء الصلاة؟ انه سؤال خبيث لكن لا بد له من إجابة.
فالسيد موسي وافق علي ان يدخل الي ارض العراق كل من ذكرهم نزار قباني في قصائده مثلما وافق العرب لدخول آخرين الي ارض فلسطين. أي ان الدعاء الرمضاني الشهير بان ربنا ما يقطع لنا عادة ظلت ابواب السماء مفتوحه له ويحرص عليه الامين العام ليرتفع وليتحقق علي كل قطعة ارض جعلها المغنواتي سيد مكاوي بتتكلم عربي. فلماذا كل هذه الشجاعة ومطالبة الحكومة العراقية بتفسير للمادة الثالثة من الدستور المقترح، وهي المادة التي إعتبرها تمييعا لهوية العراق لكونها تنص علي ان الشعب العربي في العراق، وليس العراق ككل، جزءا من الامة العربية.
وماله يا أخي؟ اليست هذه هي الحقيقة؟ فكيف يكون الاكراد عربا وهم اكراد؟ وكيف يكون التركمان عربا وهم تركمان؟ وكيف يكون الاشوريين والكلدانيين عربا وهم ليسوا كذلك؟ سحب الهويات والجنسيات مع الغائها وختم الاخرين بخاتم العروبة ولو غصبا عنهم هي إذن من مهام الامين العام الجالس علي ضفاف الاله حابي. لكن هل سأل الامين العام تلك الدول التي لا تغرب عن اموالها الشمس لماذا لا تحترمون الاقليات عندكم كذلك الاكثريات عند الاخرين؟ ام لكونهم عربا بالعافية اصبح من حق ولي الامر ان ياخذهم اخذه باطش مقتدر. فالعراق الذي يصم السيد موسي اذنه عن اوجاعة واناته احترم الاقلية السنية وافرد لها جملة خاصة بها في الدستور وجعلهم احرارا إما في العودة الي بلادهم الاصلية كما يطالب فلاسفة الجامعة العربية بعودة الصهاينة من اسرائيل الي موطنهم الاصلي، او بقبول الخيار الديموقراطي ويصبحون ضمن النسيج الديموقراطي الذي يضمن العراق كلا لا يتجزأ بمكوناته المتعددة. ويبدوا أن السنة من حول العراق يقومون بدور الديوث الذي يمسك بالضحية ليغتصبها عتريس تحت سمع وبصر الجامعة العربية. وإلا فلماذا هي عربية؟!! ويبقي الوطن الام بكامله مرتعا للعرب دون تنمية او ديموقراطية. فما الحكمة إذن في بقاء العراق عربيا؟ اللهم بقاء الاستبداد حيا والحروب مستدامة وافتراس الشعوب لصالح قضايا وهمية.
ويمكن رؤية ما يحدث علي انه تقسيم عمل بين عرب (الاسلام) و عرب (القومية) أو صراع بين الاسلام والعروبة. فالاسلام البدوي يريد ان يحتفظ بكل فرائسه القديمة تاريخيا، اما كل الاقطار التي سقطت في براثن البداوة فقد حاولت التحرر مرارا دون قدرة لا لسبب سوي ان الثقافة العربية - الاسلامية او الدينية عامة لا تؤهلهم للافلات من تلك الكارثة التي فرضت عليهم. معركة تلك الدول مرت بمرحلتين اولاهما عند ولادة القومية العربية علي انها خلاص من الاسلام المسيس منذ تولي الامر العثمانيون الراية. فحملات ابراهيم باشا علي الشام في زمن محمد علي مؤسس مصر الحديثة اعادت حقوق كثيرة لمسيحي الشام ورفعت عنهم الجزية. فالحكم المصري حقق لهم حماية وللتجار الوطنيين امتيازات تماثل الاجانب. مع نهاية الحكم المصري عاد العثمانيين ليحكموا ثانية بالاسلام فلم يستطيعوا ان يملؤا الفراغ الذي تركه المصريين. وكانت دورة الخلاص الثانية لبلاد الشام مع بداية الاستيطان الاسرائيلي في فلسطين تحت رعاية دينية اساسها الفكر العبراني المؤسس لكل الديانات السماوية الثلاث. فقام كثير من مسيحيو الشام بتبني فكرة القومية العربية كبديل عن الاسلام السياسي محاولين التخلص من عسف الحكم الديني واعتبار ان الصوت العربي بديلا للترك وبالتالي فهو الاولي بالهوية. لم يكن الإسلام، في ذلك الوقت، يشكل خطرا لا علي اوروبا ولا علي العالم لا لسبب سوي ضيق يد اهله. لكن المؤسسين لفكرة القومية العربية لم تكن لديهم معرفة تاريخية بمعني العروبة. فالفكرة في مدلولها ليست سوي امتداد لنظام القرابة القبلي القائم علي العرق والدم. وهو نفسه ما صدق عليه الاسلام باعتبار ان الاسلام قبيلة جديدة نشات علي انقاض قبائل العرب المتعددة. فرغم ذوبان تلك الرابطة واختفائها ضمن العناصر الممتدة والاكثر اتساعا ضمن بلاد الشام والعراق ومصر حتي الاندلس إلا وظل الجانب الثقافي الصادر من قلب الصحراء ضمن سلوكيات وثقافة اهله يعيد انتاج العروبة بكونها القبيلة الحاضنة الاولي للاسلام بل واعطته كثيرا من جينات ثقافة الصحراء، فقتل المرتد مثلا يقع في هذا النطاق رغم غيابه نصا. بهذا ظلت مشكلة العرب ومشكلة الإسلام كجناحين يمنعان العرب او من يتخذ الاسلام دينا من تاسيس شرعية من نوع أكثر رقيا علي غرار باقي النظم السياسية الديموقراطية الحديثة او حتي النظم السياسية قديما كما في مصر الدولة زمن الفراعنة العظام او ارض بابل وحامورابي. فما هي إذن اهداف الجامعة علي وجه التحديد إذا ما رددنا اقوال عمرو موسي بان الجامعة هي الوعاء الضامن للمصالح العربية؟
فالجامعة هي شكل مؤسسي علي غرار الاشكال الحديثة كالامم المتحدة والاتحاد الاوروبي وهي اقدم منهم جميعا. الا ان عناصرها المكونة لها لا تفهم سوي روابط القبيلة والدم والعنصر رغم ان المبني الحاضن لها قائم علي ضفاف النهر الذي عرف الدولة والمؤسسة والعمل والوظائف في اقدم دولة في التاريخ. فلا الجامعة تعلمت من نيل مصر ولا تعلمت من العالم الحديث الاكثر اتساعا. فاذا ما فشلت في هذا المأزق العنصري القبلي العروبي لجات الي روابط الدين والمذهب والطائفة. وهذا هو موقفها الحالي علي وجه التحديد. فمن حكم العراق هم عرب وسنه وكانوا من الظالمين. والسيد موسي مهموم بهما من حيث موقعهم في الدستور او الهوية. اما العراق المتعدد المواطنية فقد رفض مؤخرا الاقتراح المقدم من امين عام الجامعة بعقد مؤتمر مصالحة بين البعثيين. أي مصالحة القيادة العربية السنية التي كانت ترفع شعار امة عربية واحدة ذات رسالة خالده علي حساب باقي الاعراق والاجناس والثقافات المكونة للعراق. فالعراق الكبير الديموقراطي والمتعدد في عرف السيد موسي اقل شئنا من عرب السنة داخلة واعين واذن السيد موسي لا تري سوي تلك القلة الظالمة وتغفل عن الاكثرية. إنها الديموقراطية العربية او الموسوية ( نسبة اليكل من تسمي بموسي قديما وحديثا ) حيث حكم الاقلية العرقية واستبعاد الاكثرية.
فالأحداث وتطوراتها تشير إلى أن التجربة القومية العراقية في العقود الماضية رغم صراعها مع دول عرب الاسلام لم تنجح في نشر وتأسيس ثقافة وطنية متحررة من القبلية والعشائرية. لهذا كانت دول النفط راضية عن صدام حتي ولو غزت قواته المملكة السعودية. فهي غزوة يمكن ردها بغزوة أخري وكفي الله المؤمنين شر الديموقراطية والمواطنة. السوابق التاريخية طويلة ومتعددة بالاستعانة بسلمان الفارسي وبلال الحبشي او الصليبين كما فعل العباسيين المسلمين مع شارلمان الصليبي لتقويض حكم بني امية الاسلامي في اسبانيا. فالقاعدة هي إما القبلية والعشائرية وإما الطائفية الدينية والمذهبية.
فالامم المتحدة، الاكثر تحضرا، تختلف سلوكا وسياسة عن جامعتنا و مؤسسة عمرو موسي. فقوات الاطلنطي النصرانية تحت رعاية الامم المتحدة ضربت الصرب النصاري في الحرب اليوغوسلافية بقيادة نصراني اسمه بطرس غالي. لكن الفاشية العربية التي إذا ما فقدت مواقعها العروبية الا ولجات لخنادقها الاسلامية لابقاء الشعوب مرهونة واسيرة الوقوف خارج التاريخ وحركة العقل والانسانية والتقدم معهم وبهم. فاطلاق النار علي وفد الجامعة مؤخرا جعلت الامين العام والشعب العراقي في جبهة واحدة ضد من هو ذاهب لمصالحتهم ومدهم بالعون علي زملائه في الخندق. وهي رسالة للامين العام بالخروج من مسجد ضرار والتوبة في محراب الديموقراطية.
فأمن ممثلي الجامعة بات في خطر من فصائل متعدده المفترض تمثيلها في الجامعة التي يرأسها. ولانه يطبق مفهوما عنصريا وهو نفس موقف عرب القومية و عرب الاسلام، هنا يمكن فهم لماذا تتارجح الجامعة العربية بين موقفين لا ثالث لهما واصبحت عاجزة عن حل أي مشكلة صغرت او كبرت مما يدفع بالقوي الأخرى للتدخل وعندها تبدأ الولولة العربية للتدخل في الشؤون العربية. ويتعجب كثيرون لماذا لا تنسحب دولا، أضيرت او علي الاقل لم تكن الجامعة ضمن رصيدها للتقدم، من مجلس الجامعة حتي ولو كانوا من المؤسسين لها؟ فالعجز العربي والاسلامي الذي تنكره حكومات ونظم وصحافة واعلام حتي من الانسحاب يمكن ان يطول وتتاخر الحلول عن المجئ في الوقت المناسب، وهو ذاته عجز الجامعة الواضح والفاضح كمؤسسة دوليه اقليمية ستجعل العالم والغرب خصوصا جاهزا للتدخل دوما.
أما إذا بحثنا عن مخرج للسيد عمرو موسي من ذلك المازق من وجهة النظر الديموقراطية إذا ما اعتبرنا ان اهل السنة العرب داخل العراق هم من معارضي الاغلبية التي تري في قوات المارينز مخلصين للعراق من استبداد الفكر العربي القومي، فإن السيد موسي قد رسب ايضا في هذا الامتحان. لكن شرط النجاح في الملحق والخروج من المأزق أن يقف مع كل معارضة والا يكون الخيار والفاقوس ضمن معايير جامعته الفقوسية. هنا ليس لنا الا ان ننتظر عودة السيد الامين العام ليمارس نظريته حيث الوقوف مع المعارضة بالانضمام للمعارضة المحلية حيث الاقربون اولي بالمعروف ونتوقع مشاهدته ضمن صفوف حركة كفاية التي يمكن سماع صوتها كمعارضة تصم الاذان في ميدان التحرير الذي تقع فيه جامعته وكفي الله الجميع شر السفر والتعرض لاطلاق النار في بغداد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق