الأحد، 2 مايو 2010

الشرع والشريعة والمشرع

محمد البدري



الولد للفراش من الفقه الإسلامي ومن دواعي الشريعة، لكن صدق الإنسان كبديهية ليست من الشريعة حتى ولو اعترف. فالمسكون عنه ومضمرا داخل العقل العربي وثقافته الإسلامية أن الإنسان حرامي ونصاب وكذاب وأفاق وانتهازي ولص. وعليه فهو متهم حتى تثبت براءته حيث يقول "ورددناه أسفل سافلين"، بعكس ما تقول به التشريعات الأكثر إنسانية في بلاد الكفر والإلحاد والعلمانية والليبرالية والديموقراطية بأن الإنسان بريء حتى تثبت إدانته.



منذ عامين تم توقيف مواطن بريطاني في ميناء الوصول إلي وطنه ليتسلم ادعاء بتهمة التجسس. وبعد تسليمه المذكرة ترك حرا. لم يتعدّ الأمر دقائق. التهمة خطيرة لكنها تجري في بلد ليس مسلما. ماذا لو أن الأمر جري في نفس البلد - انجلترا لكن بعد أن يحقق المجاهد عمر بكري – الأصولي - مشروعه برفع علم الخلافة الإسلامية علي قصر باكنجهام واخذ ملكة انجلترا كالسبايا، كما في نواياه التي أعلنها مرارا؟



وعودة إلي موضوع الفراش، وقضية البنت المسكينة هند الحناوي وابنتها البريئة لينا، فالمسكوت عنه من المشرع وعدم صراحة الفقهاء ومن ادعوا العلم - الواجب علينا سؤالهم إن كنا لا نعلم - أن تهريب الرجل من مسؤوليته من شرائع الإسلام. وإلا فما معني السعي بحماسة لإثبات صدق الفيشاوي وكذب هند مع ترك لينا دون نسب، مع الدغدغة للعواطف بان الأطفال أحباب الله؟



فمصيبتنا أن كل الناس تعلم، بل إن المادة والجماد التي يقال عنها "وان من شئ إلا ويسبح بحمده" تعلم و تقول بان البرهان، نفيا أو إثباتا، قائم في قوانين البيولوجيا. لكن المسلم، وخاصة إذا كان من الفنانين الدعاة الفاشلين، علي استعداد للتهرب منها ويساعده فقهاء ودعاه جدد يلوثون الشاشة الصغيرة بكثير من الغثاء والنادر من المعرفة.



فالخلل في السياسة والاقتصاد إضافة لإثبات النسب له مرجعية إذن كطقطقة الحنك علي لسان المشايخ وفي الضمير الديني وقوانينه الفقهية التي يقول بها العلماء. الأمر الافدح هو اعتبار هند كاذبة حتى ولو اعترف الطرف الآخر بالفعل والعلاقة أي بالفراش. كان بينهما فراش باعتراف كل منهما. لكن المراوغة الفقهية من رجال "علينا سؤالهم إن كنا لا نعل " من الاعتراف بان هناك فراش وتجريم ما تم عليه رغم انه ليس بجريمة. ويتملصون من مواجهة قوانين الجماد والفيزياء البيولوجيا رغم الصفحات المجانية والكاذبة التي تفرد لهم باسم العلم والإيمان والإشارات العلمية في القرآن الكريم. فما السر إذن في كل هذا الغثاء وأطاله عمر القضية لتكبر لينا عاما ونصف ولا تجد لها أبا؟



لا نجد جوابا سوي أن الأمور كلها تجري علي السنة الفقهاء والمشرعين علي قاعدة أن الشريعة هي قانون عقابي وليس استعادة حقوق أو وضع الأمور في نصابها. تَلّوُّث العقل العربي والإسلامي بمفهوم العقاب جعله يسحب مفهوم العقاب ليطال الأبرياء مثل لينا قبل أن يبحث لها عن حل عادل الجميع يعرفه، بما فيهم القضاة والفقهاء والدعاة وكهنة الأديان ولا يملون من التهرب أمام المواطن المسلم البسيط المطلوب منه سؤالهم بحجة أنهم علماء بالزهو علينا "إنما يخشى الله من عباده مثل هؤلاء". فما الدرس الذي يخرج به المواطن بعد سعيه إليهم بحثا عن حل او سؤال عن فتوي ولا يجد سوي المرمطة والعقاب والنكد؟



ولان العقل النقدي والفكر الفلسفي يختفي في ظل مثل هذا النوع من الأوصياء علي الناس باسم الدين، فان الشريعة بعد ان بات لها كهان يحتكرونها اتت بنتائج عكس ما يدعيه رجال الدين العلماء. فالعالم طبقا للعلم الحديث وليس العلم الديني حريص دوما علي التساؤل عن نتائج معادلاته وقوانينة وتشريعاته التي وضعها ليتحقق من صدقيتها وتوافقها مع مادة الكون ومصالح العباد. هؤلاء العلماء الطبيعيون والوضعيون اثبتوا طوال التاريخ العلماني الديموقراطي للانسانية انهم يتحلون بالنزاهة العقلية والضمير العلمي الذي يعترف بقصور فكره لو ان هناك من اثبت بالبرهان عكس الطرح السابق. لكن ما حدث من تناقضات – وهو حادث فعلا طوال التاريخ الاسلامي – من الحكم بالشرائع السماوية جعل تعدد الفقهاء ظاهرة مرضية وليست صحية. فكلهم ذوو صدقية وفتاويهم كلها صالحة. فتراكمت فتاوي متناقضة جعلت الزواج غير محدد وله اكثر من وجه في الاسلام بينما هو واضح الدلالة في المجتمع العلماني الموصوم بالكفر. ولتبرير الوضع يفتري علينا الفقهاء ويخترعون مقولة لزيادة الطين بللا بالقول ان تعدد الفقهاء رحمة لتبرير تزاحمهم علي رقاب العباد وعدم اتباعهم القاعدة العلمية في اسقاط النماذج الغير صالحة وخروجها من التاريخ ومن كتبهم الصفراء. فرغم التعدد الذي يتشدقون به فلم نجد أي رحمة، بين كل هذه الفتوي، بطفلة رضيعة وأم مهضوم حقها. ثم يتشدقون وتنبري حناجرهم علي شاه لو عرجت في الشام لسؤل عنها عمر يوم القيامة. فشاه عمر الذي يسترضون الله عليه كلما ذكر اسمه لا نجد قيمة مماثلة لها للطفلة لينا وامها. فالطبل والزمر للخلفاء وللموتي اهم عندهم من عودة حق لأناس وبشر أحياء خاصة لو ان الحق لن يكون في صالح داعية اسلامي فاشل من قبيلتهم التي يدافعون عن مصالحها.



ولن تنتهي المصائب لو اننا سكتنا علي جرائم التعتيم بإسم الشريعة او الخوف من القوانين التي وضعتها المادة الثانية من الدستور المصري التي باتت لينا آخر ضحاياه. كان هناك ضحايا كثيرة سببتها تلك المادة. ففي حلقة نقاشية في ذات الموضوع اثيرت قضية إدعاء نسب من إمرأة ضد رجل متزوج وله اسرة وابناء. الكشف الطبي المعتاد لبيان القدرة علي الاخصاب من عدمه اثبتت ان الرجل عقيم. ولان هناك فراش للزوجية طبقا للشريعة فقد تحمل الرجل بُنُوّة هو برئ منها واصبح له ابناء "اونطة" يحملون اسمه. فكارثة تطبيق الشريعة بعماء دون علم طبيعي او معرفة علمية جعلت مقاصد الشريعة تنتج نقيضها وافرزت ما جاءت لتتحاشاه. فالابناء يحملون اسما ليس لابيهم الحقيقي ومن ثم فانهم بزواجهم مستقبلا من اناس آخرون سيصبح خلط الانساب ممكنا وربما زني المحارم واقعا في ظل السكوت والتعتيم من اهل العلم. هنا يمكن فهم لماذا لم ينتج العقل العربي والاسلامي علما فيزيائيا او اجتماعيا صادقا وحقيقيا. فالسبب هو ان التناقض بين الشريعة والعلم الطبيعي لا مفر من مواجهته.



وللولوج الي عالم لا مسؤلية فيه وضبابي الي حد اختفاء الحقيقة فقد اضيف تعريف جديد اسمه "زواج فاسد" حسب قول احدي الفقيهات التليفزونيات لتبرير وضع هند والفيشاوي. وهو العوبة لغوية من الاعيب العقل العربي الاسلامي للهروب من الالتزام بفاهيم واضحة ومحددة المعني والدلالة لا نجدها الا في اللغة العربية. اليست معجزة العرب هي اللغة؟؟!! فالمراوغة الفقهية لدي الفقيهه اياها انها فسرت قول الفراش بانه عقد الزواج رغم انها تعلم علم اليقين ان في الاسلام أنواعاً من الزواج لا تحتم العقد اياه. أي ان هناك فراش لا يعرف زواجا طبقا لتفسيراتها، وهناك زواج لا فراش محدد له اسمه "المسيار". هنا يمكننا فهم وضع السيدة الفقيهة بانها انضمت الي قافلة الرجال من الفقهاء لتمارس الذكورة الفقهية التي هي من مؤسساسات العقل العربي العقابي.



الفقيهة إياها تشدد دوما علي العقاب كهدف للشريعة. فعندما استهلت حديثها عن وضع الطفلة لينا غادرت الموضوع، كعادتها، الي عقوبة الجلد لهند وزوجها المتهرب من التزامه. لم يقل احد لهؤلاء الفقهاء ان العقوبة لم تمنع جريمة. فلا التشريع الالهي او المدني منع تكرار الجرائم. فالجرائم تحدث لان هناك حراكاً إجتماعياً وبشراً يختلفون في اهوائهم ومصالحهم وقوانين مطاطة لا تبتغي الحق بقدر الحفاظ علي دين حتي ولو ظلمنا الناس جميعا. فلم يقل احد حتي ولو جلدوا اهل القاهرة ومصر المحروسة ان الزنا سيزول لكنهم علي استعداد للتهرب من مسؤوليتهم امام ذلك الفقيه الشبل ابن الممثل الفيشاوي الجد.



استحقاقات البنوة ومعها الأبوة المفتقدة وعودة الحقوق لن يصلحها العقاب. وهو ما غاب عن الشرع والشريعة والمشرع. فالسارق عند قطع يده لم يوجب النص عودة الممتلكات الي اصحابها. ولم يوقف السرقة ايضا. كذلك في قضية الزنا التي هي اصلا ليست قضية جنائية في حق احد، لان مبدأ اللذة لا غبار فيه علي الناس طالما تراضوا فيما بين عواطفهم.



وفقهاء العقوبات ومنظر الدماء يتجنبون الارتباك الحادث فيما بين التشريعات والنصوص. فاضافة الي نص عقوبة الزنا في سورة النور لو اننا ارتددنا حضاريا واعتبرناها جريمة يقابلها آيتين في سورة النساء: "وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً {15} وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً" {16}



هنا نجد فصلا عقابيا بين المشاركين في مسالة الفاحشة بينما سورة النور لا تفرق. بل ان العقوبة تفاوتت الي درجة العفو الكامل او الموت في حالة النساء عنها في حالة الرجال التي سيكتفي فيها المشرع بزجر الذكر بكلمتين في جنابه "وخلصنا". أما إذا اخذنا بالحجة بان ما اتي في سورة النساء هو خاص بالشواذ فكيف تكون العقوبة بمجرد الزجر للرجل والحبس حتي الموت للمرأة اللهم الا إذا اعتبرنا الانحياز الذكوري وتشريعاته حاضرة ايضا هنا.



فاللوم يقع علي هذه الحزمة الممتدة عبر تاريخ طويل حيث تضاربت فيه التشريعات واختاطت الامور وتبدلت الاحوال الي حد ان نقيض ما اتت به الشريعة اصبح هو نفسه ما تدافع عنه. افلات الظالم وضياع الحقوق والعبث يالمظلومين واختلاط الانساب وزنا المحارم كلها باتت تحدث في ظل الشريعة الغراء، رغم قول الفقهاء "لا تاخذهم في الحق لومة لائم". الحق يا سادة ليس في لسانكم او عقولكم او دينكم او شريعتكم، انما في قوانين المادة التي لا تكذب وقوانين البيولوجيا التي اكتشفها الغرب الكافر – غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخّر.



أسقطت الرضيعة لينا متاريس رجال الدين وكشفت عن شجاعة منقوصة لديهم كما ان المادة فيزيائية او بيولوجية تعرف باكثر منهم.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق