ضرورة فض الارتباط وفك الاشتباك
محمد البدري
محمد البدري
كان المد القومي العربي منذ منتصف القرن الماضي مؤسسا ذاته علي فكرة الوحدة العربية وروج لها مثقفين وزعماء سياسيين فحظيت بقبول شعبي ليس عن قناعة إنما لأنه الصوت الوحيد الذي ساد وقتها ومغيبا حركة الديموقراطية التي كان الجميع في أمس الحاجة لها منعا للدخول في مشاريع نندم عليها. لم تكن الجماهير بعقلها الجمعي علي وعي بما هو حال باقي الشعوب ومدي اختلافاتها الحضارية عنهم بل وعلاقاتهم التاريخية التي لم تكن علي ما يرام معظم تاريخ المنطقة. وكان التنظير للقومية يقوم علي أساس وحدة الانتماء والمصير التي ثبت كذبها فيما بعد. وكان الكتاب المدرسي يروج أسس الوحدة القائمة علي الدين واللغة والعنصر العربي ومغيبا باقي الثقافات والأعراق والأديان رغم حضورها الواضح وتاريخيتها التي لا يمكن نسيانها. قبل هذه الفترة كانت الجماهير تسعي بين انتماءات حزبية سياسية وطنية أساسا وحقوق اجتماعية واقتصادية متعددة علي أرضية ومناخ سياسي ديموقراطي.
روج زعماء الأبواق العربية ومنظريهم وفلاسفتهم لوحدة المصير. كما لو أن مصير منطقة الشرق الأوسط كجغرافيا سيكون مختلف عن باقي المناطق الجغرافية؟! وان كل من تحدث العربية له مصير مختلف عن باقي الشعوب. وكأن باقي الشعوب وحكوماتها قد رسمت طريقا آخر لا يصلح لنا أو أن لنا طريقا اسمي يعرفه الزعماء وسيفاجئون به الشعوب كهدية مثلما يحدث في حفلات أعياد الميلاد أو الزواج.
كان السياسي فما بعد يوليو 52 متعجلا لما يقول به فلم يسمح لأي نقد لفكرته لضمان تمريرها إلي ذهن المتلقي المتعدد رغم اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم. بمعني انه تم تأميم فكرة الهوية الخاصة بكل وطن مستقل في الشرق الأوسط علي أساس الثالوث العربي السابق كبديل. وكان الليبراليون هم أول الضحايا لا لسبب سوي أنهم الوحيدين المالكين لآليات النقد دون سقف أيديولوجي. ويعرفون الكثير عن مشارق الأرض ومغاربها لانفتاحهم بليبرالية دون قيد يقف حائلا عن التفكير الحر. لهذا كانوا الأخطر علي هؤلاء الديماجوجيين من فلاسفة النظم العربية ومروجي القومية فيمن كتبوا تحت عناوين الصراحة او بصراحة و ما شابه كخدعة لتمرير ما لا يمكن ان يمر لو ان نوافذ المعرفة والتحليل كانت مفتوحه. واستغلت القوي السياسية التي وصلت الي سدة الحكم بمعونات وتسهيلات امريكية (استعانة بالأجنبي) وجود الاستعمار بشكله القديم لتمرير مشروعها العروبي الوحدوي باعتباره سهلا وبسيطا يتفق وحالة الامية المعرفية السائده بسبب الثقافة العربية ولا يحمل داخله أسباب فشله انما الفشل هو بسبب مؤامرات الاستعمار والقوي الرجعية. هكذا كانت ايديلوجية يوليو الثورية التي لم يتواني قادتها عن النعيق بها ليل نهار. ولان مثل هذه الافكار لا تساوي جناح بعوضة في ميزان الفكر والسياسة فان النعيق باسم الرجعية والاستعمار ظلت تتردد صداه بعد ان خرج جنود الاحتلال. ثم ظهرت فكرة الاستعمار الجديد بحجة رؤووس الاموال الاجنبية والاستعمار الاقتصادي كما لو ان الاستعمار القديم لم يكن اقتصاديا ايضا بجانب وجوده العسكري. فالتاجيج بالكراهية ضد باقي الثقافات والافكار والايديلوجيات بل والشعوب ايضا لم يكن سوي ستار دخان كثيف كيلا ينكشف فقر الايديلوجيا العربية التي انتهت الي الارهاب كما نجده حولنا باسم الاسلام السياسي مرة والجهاد مرة أخري او المقاومة ثالثا..
كانت القضية تبدو سهلة بالنسبة للعقل الجمعي الجماهيري البسيط لهذا كانت الطبقات الشعبية اكثر قبولا للامر وهي ذاتها التي جيشتها القوي السياسية التي اصطفاها النظام لاظهار مدي القبول لهذه الفكرة. ورغم هذا فلم تكن كثير من النخب التي توارت وراء غبار الحركات العسكرية تعتقد بالمشتركات هذه ولا بامكانية تحقيق الوحدة بناء علي ما يرضي الطبقات الشعبية دون اخذ راي المؤسسات او الاحزاب او الصفوة من المثقفين.
فهل صحيح ان الجماهير كانت تؤمن بالوحدة وراغبة فيها ام انها لا تعدو وسيلة لتحقيق وعودا بالرخاء؟ خاصة وان التطور السياسي في مصر، كنموذج، كان مقصورا علي احترام الدستور وقضية الجلاء. أي ان تطور المجتمع المصري سياسيا كان محليا ووطنيا صرف باكثر منه اقليميا ومهتما بالداخل باكثر من اهتمامه بالخارج الاقليمي. فهل سأل سائل ماذا لو لم يأت الرخاء الموعود فهل لنا ان نتساءل عن الالية التي استخدمت ام اننا نظل في نفس القارب رغم فقدانه كل مقوماته كقارب للابحار في عالم يموج بكل ما هو متغير؟
كانت المدرسة التي تم التعتيم عليها لصالح المشروع العروبي تتاسس من مثقفين امثال عباس محمود العقاد، احمد لطفي السيد، توفيق الحكيم عبد القدر حمزة، محمد حسين هيكل، طه حسين، اسماعيل مظهر وسلامة موسي. وظلت كلمات توفيق الحكيم لطه حسين تتردد قائلا: لا بد لنا اذن ان نعرف ما المصري وما العربي؟ ويكتب حسن عارف عن تناقض العروبة والمصرية. ويكتب حافظ محمود ما نصه " " ان هؤلاء الذين يلبسون مصر ثوبا عربيا مذنبون بتشويه حقيقة تاريخية قديمة. فمصر تشكلت ككيان قومي وهوية مستقلة قبل لن تتصل باي من العناصر التي تشكل التراث العربي بالاف السنين."
لكن الامر الافدح هو ان من كان يريد القومية العربية للانطلاق الي التقدم كان في حقيقتة يعود القهقري مئات السنين ويترك تراثا هو في اشد الحاجة اليه في مشروع النهضة بشكل عام. ومثالها البرلمان او تراث المؤسسة التاريخي في مصر حيث الادارة والتنظيم التي عرفتها مصر قديما وعادت الي افضل اشكالها الممكنة مرة اخري بعد الاحتلال الانجليزي وادارة اللورد كرومر حتي ولو كان المردود لصالح الاجنبي باكثر منه لصالح الداخل المصري. بل ان النهضة الثقافية المصرية لم تجد لها موضعا الا في ظل الاتصال باوروبا مع الارتكاز علي هوية بحر ابيض، والعكس صحيح ايضا يمكن البرهنة عليه بعد توجه عربي واسلامي نجد تداعياته في الخواء الفكري والثقافي والفني والادبي في الشارع المصري حاليا.
بعد خمسون عاما من التوجه الكارثي الذي ارساه قاده القومية العربية عقد المركز الدولي للدراسات السياسية والاستراتيجية بالقاهرة جلسة بحث ثانية بتاريخ 3 ديسمبر 2006 تحت عنوان الدور الثقافي لمصر.. بين الواقع والطموحات. كانت الندوه الاولي قبل ذلك بحوالي الشهر تحت عنوان ماذا حدث للدور المصري في ظل الأوضاع الاقليمية الراهنه. وكان الحضور من المشاركين من المثقفين المصريين.
فالحديث عن الراهن والحاضر يعطي انطباعا ان ما جري وما يجري هو من صنع اللحظة لكن المثقفين يعلمون كما يعلم الجميع ان هناك مقدمات طويلة وأسس تم ترسيخها منذ خمسون عاما قد أتت أكلها وبات علي الجميع بعد جيلين ان يلطم الخدود ويشق الجيوب علي نتائج التوجهات السابقة. كان معظم الحضور ممن شاركوا أو اجبروا في صنع المهزلة القومية العروبية، وأيدوا بعد ان تم تدجينهم اما طواعية او بالقهر سجنا وتعذيبا علي الطريقة العربية ذات التوجهات الناصرية في مصر او البعثية في الشام والعراق. اما في فلسطين وقضية شعبها فقد كانت المحور الذي دار في فلكه فلاسفة النظام وزعماء الهزيمة وفقهاء الذل.
لهذا فان توصيات المشاركين لم تخرج عن النعيق بذات الفكرة القديمة بان المنطقة لن تقوم لها قائمة الا بالدور المصري باعتباره عربيا. لكنهم لم يحددوا علي وجه اليقين طبيعة هذا الدور. سكوتهم يدل علي أنهم لم يتعلموا الدرس وأنهم مثقفين سلطة وتجار بضاعة ثقافية علي أبواب الخلفاء والسلاطين. أوصوا بضرورة استعادة مصر لدورها الثقافي بعد أن تقلص وانحسر لصالح ادوار أخري في المنطقة، هي بالقطع خليجية نفطية اسلامية. لكنهم ولانهم مثقفين من العيار الفشنك لم يقولوا هذا. لكنهم ولبقاء ماء الوجه افتوا بان ذلك الدور النفطي الاسلامي لم يكن له ان يجد له مكانا الا بالقضاء علي الدور المصري لانه الاكثر فعالية في وجدان اهل المنطقة العربية. لكنهم لم يسالوا هل كان الامر مجرد تنافس بين مراكز ثقافية تلعب دورا مشرفا في الفكر والثقافة لصالح العقل والوجدان والذهنية لدي المواطن ام انها كانت عمليات حرب وقتال اشرس كثيرا مما جري علي ارض المنطقة بين جيوشها فيما بينها كما في ايلول الاسود او في لبنان او العراق والكويت واليمن والجزائر والسودان الذين تضمهم الجامعة العربية الميمونه ببؤس تكوينها وفقر مؤسساتها.
الندوه الاخيرة انقسمت الي جلستي عمل. افتتحت بكلمة لمدير المركز وهو برتبه لواء؟؟؟!!! ويعمل مدير للمركز. فكما سيطر العسكر علي راس الدولة منذ خمسون عاما فانهم الان في كل موقع وعلي راس كل جهاز او مركز بحثي. وعليه فان ذات النتائج الكارثية في نظرية القومية العربية وتطبيقاتها من الممكن ان يتنبأ بها المثقفون المجتمعين مستقبلا ايضا. لكن لانهم مثقفون تحت الطلب فانهم لن يطلبوا الممكن بل ياخذون علي عاتقهم طلب المستحيل فيعفوا انفسهم من شر العمل الثقافي او الفكري. الم يعفوا انفسهم يوما من قولة حق وزعيم الامة يتخذ قرارات بلهاء ادت بعد خمسين عاما الي ما هم عليه يبكون في تلك الندوه.
فالشرق الاوسط ( الامة العربية سابقا ) لم يعد عربيا ففيه اسرائيل اكبر قوه ويعمل لها العالم ألف حساب. وهناك النفط وثروته المالية التي يتحكم فيها اصحاب النفوذ الوهابي من قال عنهم القرآن " ولا تعطوا السفهاء اموالكم". تلك هي المعادلة في الشرق الاوسط الحالي بعد معارك لا نعرف حقيقة لماذا دارت وكيف دارت واي اهداف تحققت؟ لكننا نعلم علم اليقين ان جنرالات الحرب العرب اداروها كما ينبغي لهم الادارة حسب قدراتهم الفكرية والثقافية والعسكرية القتالية.
كانت حجتهم لتولي السلطة ان فاروق ملك فاسد قلنا سمعنا واطعنا. قالوا ان الفساد يضرب في كل مكان. قلنا الحمد لله الذي هداكم لمعرفته وما كنا لنعرف لولا ان هداكم الله. وقالوا ان القيادة الفاسدة في حرب 48 وجاءت بأسلحة فاسده اشترتها بعمولات من المحتل الانجليزي باعتبارها سليمة وصالحة للحرب. قلنا الحمد لله علي كشف السر لولا ان تشرحوا لنا كيف يكون الساح فاسد، الم يتم اختباره منكم انتم العسكريين كعادتكم في استلام المعدات ام ان فوهه كل مدفع وبندقية كانت بعكس المعتاد لولا المشربات الصفراء التي ادارت رؤسكم انتم كمستخدمين لها قبل المعركة؟
كانت الاسئلة عن الحقيقة وقتها باكثر مما يمكن حصره لكن المثقف لم يتواجد لاسباب معروفة وخرج يكرس النعيق في ابواق الاذاعات وصحف الدجل والكذب. اخيرا جلس كبيرهم يكذب مجددا في حلقات لا نهاية لها في قناة نفطية تروج مجددا لذات المشروع القومي الفاشل ومعه كوكتيل اسلامي ارهابي باسم المقاومة. لم يكن ممكنا اعادة دورات الكذب القومي مجددا الا بان هناك ارصدة تخدم ذات المشروع وهي تعلم انه فاشل الا لان تلك المراكز ليست تجمعها وحدة مصير او انها امة واحده، فنتائج الصراعات بين العواصم طوال الخمسين عاما الماضية والسب يوميا من لدن الحكام العرب هو ذاته ما يحدث مجددا بتأجيج نفس الصراعات المكتومة وعلي نفس الارضية عربية كانت ام اسلامية. فاذا كانت النهاية الماساوية للمنطقة هو ما يجري الان فما بالنا والنهايات الجديدة بعد الخمسين عاما المقبلة؟
عودة الي دور المثقف الذي لم يقل كلمة حق بعد في مفردات وحيثيات الاستيلاء علي السلطة قديما فان ذات الحجج القديمة هي هي لم تتغير قيد انملة. فإذا كان الملك فاروق وامثاله ممن انقلبت علي رؤوسهم الموائد في انقلابات عسكرية كانوا فاسدين فما القول في الفساد الذي عم كل بلاد الشرق الاوسط الحالي؟ واذا هزيمة 48 كانت سببا فيما اسميتموه ثورة فما الذي يمكن ان يكون حلا لهزائمكم الان؟ واذا كانت الاسلحة فاسدة وقتها فماذا فعلتم باسلحة جيدة الصنع اخذتموها منذ صفقة الاسلحة التشيكية أي ظلت معكم من غير فساد لاكثر من عشرة اعوام فبل هزيمتكم الكبري في العام 67. بل واتيتم بالروس الاجانب للحرب الي جانبكم ولم تقولوا بانهم اجانب ملحدين واستدعيتم الامريكيين لحمايتكم ولم تقولوا انهم كفارا صليبيين كما تفرضه عليكم ثقافة البؤس الدينية والعربية.
ويبكي احد القوميين علي غياب اليسار من العملية التثقيفية والفكرية. لكنه لا يذكر وكيف كان حال اليسار في ظل المد القومجي العروبي. اليس الحال الان بافضل ما سايقة علي الاقل هم ليسوا في المعتقلات ولا يتعرضون للضرب والسحل والقتل في نهاية الامر. وحل محلهم الاصوليون واصحاب الفكر الاسلامي المسيس دون ايه امكانية من نظم الحكم علي الحوار الثقافي معهم لخلو الثقافة في عقل علي كلا الجانبين لهذا فالاحتكام الي العنف هو الفيصل في حسم ايه صراع. ولان اموال النفط تصب في خانة الاسلام السياسي فان المعركة لها اكثر من وجه. فالسلطات تتربح من ترويجه بعد دفع الثمن من قبل الدول الاسلامية ثم تقوم هي بالاسلمة بدلا منهم للحفاظ علي السلطة. هنا يمكن معرفة لماذا يستدعي الازهر ورجاله دوما في القضايا التي ليس للاسلام شئ فيها من بعيد او من قريب. كموضوع الارض الزراعية او ختان الاناث او اموال البنوك وارباحها وفي الفن وزي المرأه.
فالمجتمعون في الندوة المذكورة يعرفون علي وجه اليقين ان الاعمال الفنية كالدراما والمسرح والسينما او الرواية ونشر الكتاب كلها خضعت لاخلاق السوق والذوق النفطي الخليجي. لهذا فان أي ماده جادة تعيد للعقل اتزانه الفكري لم يعد ممكنا طباعتها او نشرها وان الاعمال القديمة يتم التعتيم عليها اما بتشويهها بالحذف والاضافة علي طريقة " يحرفون الكتاب عن مواضعه". فالذوق الخليجي العربي شئ والذائقة المصرية شئ آخر. فالتراجع له مرده في ان المنطقة التي استخدم فيها العنف بوحدة التاريخ والمصير كذبا وبهتانا جعلت وحدة المصير في الفقر الثقافي المعرفي لصالح النفط. بل ان الكثير من المؤلفين وخاصة إذا كانوا من العروبيين فانه سوف يعمل الف حساب لمراكز قياده القاطرة العروبية من علي الشاحل الغربي للخليج الفارسي حيث تسود ثقافة وهابية إسلامية متشددة لا تسمح الا بما يبقي المواطن من الرعايا وحكامهم من ولاه الامر. بهذا فان مصر بالفعل اصبحت عاجزة عن ان تعمل قاطرة لنفسها ثقافيا او للمنطقة رغم حديث اهلها بذات اللغة التي يتكلم بها الباقون. لم يقف حد تزييف وتشويه العمل الابداعي علي اهل الفن والادب والفكر بل كتب التراث ايضا بما فيها الاسلامية منها باتت عرضة لمراجعة كما لو ان العقل النفطي الوهابي بات يخجل من تاريخه الاسلامي ماضيا فيحاول وضع لمسات كمكياج له في الحاضر بغرض تمريره عالميا. فالبحاث الجدد من الشباب الان يجدون في الاسواق كتب البخاري ومسلم منقحة وتمت مراجعتها وربما الزياده عليها بما اتي به العلم الحديث. كل هذا والمثقف يبكي علي القومية العربية ويدعي المعاناه من الاسلام السياسي.
هل كانت مصر قبل التوجه العربي بهذا القدر من الانحطاط؟
انزرع الفكر اليساري بين صفوف المصريين باختلاف فئاتهم قبل ظهور ماركس. فجماعة السان سيمونيين تغلغلت في الداخل المصري ونشرت افكارها عن كميونة باريس ومشاعية العمل الاجتماعي وفكرة العدل والعمل المشترك. كان الاجنبي يمينا ويسارا حاضرا قبل تشكيل أي مؤسسة مصرية حزبية بغض انظر عن ايديلوجياتهم. لم يستعن بهم احد لتكريس هيمنته لكنهم كانوا حاضرين لان الوطن كان منفتحا عبر البحر البيض فحاكمه من سكان الشاطئ الشمالي للبحر ويحمل ثقافة اوروبية باسلام عثماني الهوي مع نيه مبيته لتوليه الامر لو قدرت له امتلاك القوة من المستعمرة المصريه.
كان الاجنبي إذن حاضرا عبر الحكم و البعثات المالية والتجارية والثقافية والتكنولوجية حيث توج مشروع حفر القناه تلك الاستعانة مما ادي في النهاية للاحتلال العسكري في العام 1882. وكانت خطوط السكك الحديدة لاول مرة في المنطقة لصالح توريد القطن المصري ومعها التحديث والادارة الهندسية لمرفق جديد يصب فب خانة المجتمع العلمي حتي ولو كان مستغلا. تلك كانت سياقات الاحتلال زمن الاستعمار القديم وظلت كما هي في ظل القطبية الثنائية بعد الحرب العالمية الاولي. كان التدخل يحدث اما طواعية او بالقسر كما حدث في المجر في العام 1956 كذلك في تشيكوسلوفاكيا في العام 1968. وهنا نتعجب للمفارقة التي عالجت بها القيادة المصرية الامر في الحالتين. فالتدخل في المجر عام العدوان الثلاثي جعل القيادة االناصرية التي كانت تامل في الحل الامريكي لمشكلة العدوان الثلاثي ومستحقات سندات شركة قناه السويس تتملق الامريكيين وتوزع كتابا بغلاف احمر قان نشرته دار اخبار اليوم بقيادة الاخوين مصطفي وعلي امين بعنوان " عندما تدخل الشيوعية بلدا" كان امل عبد الناصر في الامريكيين حيا رغم سحبهم تمويل السد لكنه ربما كان باقيا علي العهد وحافظا لجميل لما يمكن استنتاجة من قراءة الكتابات المتعددة عن يوليو بشهودها وخاصة الامريكين منهم مثل مايلز كوبلاند الذي حاول هيكل التمويه والتعتيم علي اثره في وصول ضباط يولية الي سدة الحكم. كان مشهد خروج الملك مصحوبا بالسفير الامريكي الي ظهر اليخت المحروسه ووداعة دون ضابط حر واحد ليشهد الواقعة. فقد اضطر محمد نجيب الذي حضر متاخرا الي ركوب لنش واللحاق باليخت في عرض البحر لوداعه. لم تكن الاستعانة باي اجنبي حكرا علي الضعفاء ومن هم في حاجة الي دعم للوصول الي سده الحكم. لكنه تواصل اتصالا وانفصالا بين القوي العالمية حسب ما تاتي به ريح السياسات العالمية في حينها. فانقلب فجأة مرة أخري فكانت الاستعانه بالسوفييت في بناء السد العالي ثم الاستعانة بالالمان في مشروع الصواريخ ثم الاستعانة بشكل فج ومباشر من زعيم القومية العربية والاستقلال فاتي بالقوات السوفيتية بطلب مباشر باثناء حرب الاستنزاف لادارة قطاعات كاملة وباشراف منها. ربما خانته الذاكرة ولم يقدر علي ان يسوق فريه الاسلحة الفاسدة مرة أخري فاصحابها معه في الخندق وفي القواعد. ولم ترجف جفن احد فكل له اما صديق او حبيب او عشيق في السياسة وربما في مآرب اخري لا يعلمها احد.
كانت التقلبات شديدة ومربكة تتفق وعقلية صانع القرار العروبي القومي. فالفقر الثقافي والفكري والخبرات المفقوده جعلته كالتائه لا يعرف مرشدا واحدا له سوي ذلك الصحفي الذي لم يحصل علي شهادة الثانوية العامة فجعله مستشاره الاول وفيلسوفه المعلم. رحم الله ارسطو معلم الاسكندر الاكبر. يقول ارسطو يوليو التعس في نهاية احدي حلقات فتح المندل باثر رجعي " وفي هذا الوقت وصل إلى السلطة أمام الجنرال ايزنهاور في البيت الابيض، كولونيل في مصر، كولونيل قادم من مجهول بخلفية مختلفة وبرؤى مختلفة لكنه الجزء الأكبر من معركة القرن دار على دون علم ودون تخطيط بين جنرال أميركي في البيت الأبيض وبين كولونيل مصري دخل إلى مجلس قيادة الثورة".
فطوال حلقات الكذب والخداع كان هم ارسطو يوليو ان يخفي عورة النظام بالتمويه وإخفاء دور المخابرات الامريكية في وصول الكولونيل الي سده الحكم. وفي نفس الوقت القيام بدور البلانة او الماشطة كما في القري المصرية بتحسين صورة العروس لتزويجها والخلاص من عارها ليس بذكر محاسنها، فهي لا محاسن لها، انما بوضع كل ما هو غث وسفيه علي نظام الملك والاحزاب وقتها. متناسيا انه لم يتمكن بكل ما لدية من اقامة حزب واحد يخرج لنا لا مثقفين او سياسيين في قامة هؤلاء الذي شوههم في حلقات الكذب السياسي.
بعد خمسون عاما من التضليل القومي العربي طالعنا مرشد الاخوان بانه علي استعداد للاستعانة ولو بماليزي لانه مسلم لحكم مصر. وربما ياتي بشمبانزي من غابات اندونيسيا يوما ما لا لسبب سوي انه ليس بعلماني ليحكم البلاد والعباد. الاجانب والاستعانة بهم لها موروث ضخم لدي القوي السياسية المصرية. فعزيز المصري كان يؤيد تقدم روميل الي القاهرة. ونادوه باسم " الحاج محمد روميل". عزيز المصري هو ذاته استعان بالانجليز للافراج عنه بعد ان حكمت عليه السلطات العثمانية بالاعدام لاشتراكه في جماعة العهد وبعدها في التحريض السياسي العربي ضد الخلافة العثمانية. كان اكتشافا بعد غيبوبة طويلة في حكم اسلامي خادع باسم الخلافة فما الفرق بين الاستعمار الاوروبي وبين ايا من نظم الخلافة العربية. بمعني ان الحس الوطني المصري ظل مغيبا اما بين الدين او الايديولوجيا او بين نظام الخلافة المتخلف وبين القومية العربية التعسه. استعانة العرب بالاجانب تخرج عن حدود المعقول فمن لورنس العرب الشهم والنبيل الذي للعرب فيه من مآرب متعددة الي الرئيس بوش الاب وجون ميجور لتحرير الكويت من العرب!! فان الاستعانة بالاجنبي التي يفتري القومجية بانها من سمات الليبراليين نجدها اساسا ضمن صلب الثقافة القومية مرة او الاسلامية مرة أخري. اما اذا افاق المواطن الليبرالي وطالب بموقف وطني مستقل عن تلك الثقافة العربية الغثه فالتهمة العربية السخيفة تتهمه بالشوفينية كما لو ان العروبة وهي عنصرية فجة ليست بشوفينية. فالغاء المصريين لمصريتهم وتاريخهم الاكثر ثراءا من العرب كذلك اللبنانيين والاكراد والامازيغ والسودانيين وحتي الصوماليين الذي اوصلهم الفقر لان يستبدلوا هويتهم الافريقية باموال النفط والاسلام السياسي ( الباء عندي لا تدخل علي المتروك ) كلهم يختصرون الطريق وحرق المراحل والقفز الي الاسلام الارهابي مباشرة دون الدخول الي القومية او الاسلام المعتدل. هكذا بدت المحاكم الاسلامية في الصومال وكانها تنجز علي وجه السرعة مشروع المهانة علي الطريق السريع بدلا من طريق العذاب الطويل علي درب العروبة وقوميتها الخرقاء.
في هذه المرحلة التاريخية الهامة في تاريخ مصر الحديث فان الشاطئ الشمالي للبحر الابيض المتوسط كان يشع علي المصريين بعد ظلام العروبة والحكم بالاسلام بتواليه العربي والمملوكي والعثماني. ولان لكل شئ ثمن طبقا لمفهوم العمل راسماليا او اشتراكيا او حتي طبيعيا في قانون الطبيعيات فان دفع اثمان التحولات ارتبط بالاستعمار لانها كانت سياسات العالم شرقا وغربا في هذه الفترة التي كانت الثورة الصناعية والحاجة للمادة الخام ثم الاسواق كمحرك لهذه التلاقحات الحضارية بين المتحضر ولو كان ظالما وبين المتخلف ولو كان مظلوما. لكن يبقي السؤال اليس المتخلف بوقوفه معترضا في وجه التغيير المستحق عليه ان يعتبر ظالما لنفسه قبل اتهام الاخرين بظلمه. ولا يختلف الحال كثيرا في الحكم عندما نفترض ان الجماهير يمكن صناعتها علي مقاس ايديولوجي سابق التجهيز وهي لم تمر بعد بمراحل تطورية تجعلها جاهزة لقبول انساق انتاجية معينة هي ضمن رصيد الانسانية جمعاء. لكن السؤال يبقي هل الانحباس في الثقافة العربية او الاسلامية له مردود وعائد ام ان قولة كبيرهم في السعودية مؤخرا وكما جاء في جريدة الشرق الاوسط والحياه وجميع الصحف النفطية " الملك عبد الله يشبه المنطقة بخزان البارود" فمن ياتري البارود الذي يمتلا به برميل الشرق الاوسط. اليس هو الاسلام السياسي والعروبة. بل ان حكام دول الخليج في اجتماعهم الاخير صرجوا في نفس يوم نشر تصريح ملك السعودية الوهابية بقولهم " هناك قضايا معلقة وغموض ببعض السياسات والتوجهات ولايزال أمامنا الكثير"
قضايا معلقة وغموض!!. فهل هناك من كلمة حق باكثر من هذا تحت تلك الثقافة؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق