الأحد، 2 مايو 2010

هل كان فرعون مصريا؟

هل كان فرعون مصريا؟

محمد البدري





في كتاب لا يزيد عن 136 صفحة من القطع المتوسط. لخص كاتبه فحواه بكلمة " عدل التاريخ المقلوب " فمن منا لم تساوره بادرة شك واحدة فيما قاله الأقدمون أو فيما ترسخ في عقولنا من حقائق بكونها حقائق لمجرد أن الجميع يرددها. سيكولوجيا الشك،ة وعلوم النفس تفترض أن ما كان حقيقة يصبح أكذوبة يصدقها الناس إذا ما تناقلتها السنة الجميع ورددوها. وان أي معلومة لا إثبات أو دليل عليها واجب علينا أن نضعها موضع الريبة إذا ما تبنتها الجماهير العريضة والشارع الشعبي. الكتاب مؤلفه مهندس وعنوانه " فرعون من قوم موسي".





ولم يخامرني شك ، بعد قراءته أن مؤلفة لم يقع ضحية الثقافة الشفهية التي أغرقتنا فيها الثقافة العربية. فرجعت للبحث عن هوية المؤلف، ووجدت ضالتي واتساق المكتوب مع مهنة الكاتب الأصلية. فليس غريبا أن يكون الرجل مهندسا، أي تحليليا وتركيبيا في طبيعة تخصصه وسعيه إلى علاقة صحيحة لما بين يديه لمزيد من رصانة الأداء وكفاءة المنتج. وألح علي سؤال لماذا لم تنتج جامعات الأزهر بعد أن أدمجت فيها الدراسات الدينية بالدراسات الطبيعية مثل هذا العمل الفذ؟ فالكتاب اعتمد علي القرآن الكريم في تفسير قصة موسي وفرعون. فهل خطر علي بال الدعاة ومعهم شيخهم الشعراوي، رحمة الله عليه، أن ما قالوه وأدهشوا به مريديهم لم يعد ذو صدقيه بعد هذا الكتاب.



ففي غياب التصنيفات التحليلية الدقيقة التي تعتمد علي الكتابة في إرساء المعرفة، كان علي الثقافة الشفهية أن تصوغ معارفها وتتكلم بها بإلحاح يجعلها صادقة حتى ولو خالفت قواعد كل المناهج واستغفال للعقول. أما ثقافة الكتابة التي تباعد بين الموضوع ودارسه وتجعل الدارس في وضع محايد منها فهي تبعث في عقل وذهن القارئ ما يدفعه إلى تحليل ما هو مقروء دون أن يكون متأثرا بذلك الإلحاح الشفهي الذي يشل العقل عن التساؤل ولو لمرة واحدة. وهذا بالضبط ما فعله المهندس عندما تعرض لنص ديني يلح به بتكرار ببغائي أصحاب العمائم ومن تبعهم بإحسان. ففرعون لم يعد مصريا، وبراءة المصريين من تهم أهل التوراة وتابعيهم من الأعراب وأصحاب الكتب السماوية باتت واضحة.





فالشفاهية التي ارتكنوا عليها في أحاديثهم تنزع لخلق حالة من المخاصمة كمقدمة أولى في نسق الرواية الارسطية وتسوق أحداثا تشبع الغريزة وتنتهي بما يريح السامع تنحل معها تشنجاته ويصب غضبه المكبوت علي المخاصم فتنفك أساريره في راحة ولذة تخديرية اقرب إلى حالة الارتخاء أو الخروج من العصاب. فلا تكشف الثقافة الشفهية عن نفسها باعتبارها تسير وفق نزعة المخاصمة بل بالاحتفاظ بالسلوك الجسماني والجسدي والسعي للاشباعات الغريزية حرصا منها علي إقناع الجسد قبل العقل. ويصبح الخطاب السحري والتحولات فيما بين العصي والثعابين حججا علي صدقيه ما لا يمكن تصديقه لتناقضه ليس فقط مع العقل بل ومع قوانين المادة والجماد. السحرة في الزمن القديم وضعوا أيديهم وأرجلهم علي أعناق من اندهش لرؤية بركان أو نار أو صوت الرعد من السماء. أوهموه أنهم قادرين علي تسخير ما خفي عليهم لمصلحتهم. ويكفي إن تأتى الصدفة ولو لمرة واحدة بأمنياتهم حتى تنفرج أسارير القبيلة وتدعوا للرجل بمزيد من الأداء السحري لمزيد من الإشباع. غرائزهم في إلحاحها لما لا يستطيعون له صبرا توهم الجميع بإمكانية الساحر للإتيان بما هم له مشتهون. هكذا ظلت قصتي موسى ويوسف المثيرتين للمخيلة في القص الشفاهي ينشد بها أصحاب الخطاب الديني رضا السامع الأعلى وكسب النشوة لدي الجالسين في ساحة المنبر. بينما المدون يقول بما لم يستطع به أهل العمائم كشفه لافتقادهم كل المناهج العلمية الرصينة. بهذا بات فرعون مصريا كذبا وزورا من أجل استحلاب لغريزة المؤمنين واستجلابا لإشباعات لا تنفك تتطلب مزيدا لا يرضيها إلا صب اللعنات من كل الجهلاء علي اهل مصر لقديمة ومن أسموهم بالفراعنة.





فرغم تصميم رجال الدين والأزهر بأنه لا يجوز أن يفتي في أمور الدين من لم تؤهله الدراسات اللغوية والفقهية إلى آخر تلك العلوم الشرعية إلا أنهم يقومون بدور عبد الفتاح القصري، في فيلم الاستاذة فاطمة، عندما نطق حروف كلمة ثعبان – حرفا حرفا. وعندما جاء ليقول شيئا مفيدا فنطق " حنش". فالمغادرة السريعة وعلي وجه العجل لكل المقدمات المدونة إلى الشفاهية المستحبة والطلاقة العفوية هي منهاج رجال الدين فيما صبوه في عقول السامعين البسطاء من المؤمنين. فموسي وفرعون وهامان وقارون ويوسف وكل الشخوص التي يمتلأ بها القصص القرآني وصلت إلى السامعين علي طريقة "حنش".



يبكتنا رجال الدين الأفاضل، بأنه لا يجوز أن يفتي أو يشرح أو يقوم بالدعوة إلا من تملك ناصية علوم الدين من إتقان للغة العربية وقواعدها من صرف ونحو كذلك باقي العلوم التي اتفقوا بأنها شرعية لكن سرعان ما ينكرون تلك النصائح، بعد توعدهم ببئس المصير للمخالفين، ويبدؤوا في إعادة إنتاج الخطاب الشفاهي زمن الشفاهية الأولى. فمعروف إن اللغة العربية وقواعدها ونحوها وصرفها لم توضع الا في العصر العباسي زمن الدوؤلي وسيبويه وأستاذه الفراهيدي. واللغة العربية فيها صعوبات ومشاكل لم تحل بعد تتصل بالنحو والصرف أحيانا، فكيف إذن فسر وصدق وآمن البشر قبل ذلك وبات أهل تلك الفترة التي تصل الي نحو الــ 200 عام من أصحاب السبق الأول والإيمان اليقين، ومعه التجريم لمن اوقعه حظه العاثر في حكايات قبل النوم او سهرات البادية والقوافل الليلية.. بل وبات فهمهم هو السائد حتى الآن بتكرار ممل من رجال ديننا الأفاضل. ولانهم لم يقدموا تفسيرا جديدا بعد ان وضعت تلك العلوم ـ لاحظ إنها وضعية لشرح ما هو ليس بوضعي بل إلهي ـ فهل سيقبلون بتفسير جديد وفهم أوفر ربما يكون مخالفا لما يرددوه علينا هم وممن امتلكوا ناصية تلك العلوم ومعها العلوم الطبيعية والإنسانية المستجدة والتي هي وضعية أيضا.



هذا بالضبط ما فعله المهندس عاطف عزت في كتابه هذا وجعل القصري ملزما بقول ما نطقه وليس ما ورثه من تراث الشفاهية الاميه. فاللغة العربية منطوقة مصابة بداء الشيزوفرانيا لانها تناقض المكتوب، ولأنها تعبر عن فكر العقل العربي الحكائي قبل ان يكون قارئا للمدونات، لهذا باتت الشيزوفرانيا من جينات ذلك العقل.





إن ما صبه المشايخ والفقهاء لهو الجانب الآخر من التهاجي أو الإفحاش أو المنابذه عند الكلام في الثقافات الشفاهية أو المدح المفرط علي نحو ما هو معروف في الشعر الجاهلي. هذا النوع من الثقافة أستخدم قديما لتخزين معرفة ما، ليست بالضرورة صحيحة أو صادقة، إنما همها الأول هو خلق حالة من المعارك بين من حكموا عليهم مسبقا بذهنية تآمرية في غالب الأحوال. هكذا ينشأ تاريخ مواز للتاريخ الحادث. الأول يكون حاضرا وجاهزا للإنتاج والتكرار كلما احتقنت الغدد الإيمانية أو الدينية والآخر متواريا ينتظر العالم وصاحب المنهج الرصين لكشفه. وفي افضل الأحوال وعندما يكون الحكاء في حالة مزاجية ذات أسارير منبسطة يكون مدح الحماقة أو الانحياز إلى الشر والرذيلة من الفضائل. ويختلط الأشرار بالأبطال، والحق بالباطل. فمن من السامعين علي حالة ذهنية صافية تجعله يميز بموضوعية ما حدث وعلي من صبت اللعنات وكيف للباطل وللقتلة أن يفلتوا من العقاب بل ويصطفيهم رب الأرباب. في هذا الجو من الدخان الديني الأزرق ومع سعي السامعين للإفلات من عقاب محتوم وفي حالة من التخدر الإيماني باتت مصر بكل حضارتها في خبر كان.





اختلال التوازن فيما هو مكتوب وبين ما هو مسموع وبين ما هو موروث وكاذب وبين ما هو مدون وصحيح بات واقعا. ولم يكن من الممكن لكل هذا الجيش العرمرم من رجال الدين وسامعيهم المخدرون بنشوة الوعد بجنات عدن وفرحة الإفلات من جحيم وقودها لناس والحجارة أن يعيدوا التوازن لهذا الصرح من ركام التاريخ. فالقوي التي تتحكم في بقاء عدم الاتزان تلزمها بيئة شفاهية لتجدد نفسها، فلا معني للكلمات إلا بالنوايا المسبقة التي يضمرها من صبت عليهم اللعنات مسبقا أو من تطهرت نفوسهم بلا دليل علي الطهارة رغم الجرائم المشهود لهم بها. فلا خوف علي النص من أي تأويل أو تحريف فالغريزة الأساسية في فكر فرويد تقوم دوما بتصحيح الأمور واعادة عدم التوازن لمن تسول له نفسه العاقلة عدل الهرم المقلوب بالارتكاز علي الذات العاقلة. الغريزة تقوم بالهضم والامتصاص بالتصديق الدلالي المباشر والملقي علي الأسماع. لان السعي نحو الإشباع لا سبيل لوقفه في غياب ذات رقابية أو أنا اعلي وضمير إنساني. لهذا تمت إزاحة أصحاب فجر الضمير إلى خانة الكفر حتى يختفي الرقيب الأعلى ولترتع الغرائز للإشباع ولو علي حساب التاريخ والقيم والحضارة.





وانتقلت عدوي الشفاهية الي عصر التدوين، ففي صحيح البخاري – الجزء الثاني حديث يشي بان ايمان الاوائل كان مردة الي الوعد باشباعات لرغبات دون الحاجة الي اجهاد العقل قي تحليل المعلومة بهدف لتكذيب او التصديق لتضم الي معارف موثقة رصينة يمكن البناء عليها. ففي باب وإذ قال ربك للملائكة بالجزء الثاني من البخاري شهد الرجل برسالة النبي بعد ان جاءته الاجابة عن سؤال صعب لاختبار صدقية النبوة لان اجابته لا يعلمها الا نبي حين قال: ما اول طعام ياكله اهل الجنة؟!!







فماذا لو فشلت الشفاهية في تثبيت حالة التخدر والوعد بالاشباع إذا ما بزغ العقل من داخل المجتمع أو إذا استخدمنا ما وصلنا مع سفن الثقافة الأوروبية الناقدة؟ فلن تعدم السلطات أن تجد الحل. محو الأمية الدينية بات مستحيلا بل ومتعمد بقائها في ظل ثقافة أهل العمائم أو الدشداشة. التقرير الاخير للامم المتحدة يقول بوجود 70 مليون امي في بلاد العرب. فمن يرجو إصلاحا دينيا فعليه اللجوء إلى أصحاب المهن الآخر ذات القوانين الصارمة والمعارف الرصينة. التعليم الجيد والاصلاح السياسي في ظل رجال الدين الحاليين بات غير مجدي بل ويعتبر تبديدا للثروات. الفنان القصري لم يستوعب الحروف بعد نطقها ولم يحاول تركيبها لاستخراج لفظ جديد لكن الصورة والموروث الشعبي لها كان أقوي من منهج مدارس محو الأمية. فما بالنا وهناك جيش من الدعاة ورجال الدين، ومعهم حزب الجمعة من كل أسبوع، فاتتهم ابسط قواعد المنهج في تحليل النصوص الدينية وتفوقوا علي الفنان القدير القصري.



فلماذا ضللنا نحن المسلمين عامة والمصريين خاصة لاكثر من 1400 عام؟



إنها ثقافة الشفاهية البدائية والسابقة علي التدوين ومتخلصة من عبئ الكتابة والقراءة وإهمال العقل فيما هو مقروء. الاتصال سهلا ومخاطبة الغرائز متعة وفن في ظل الأمية، ولنا أن نسال أنفسنا سؤال بات واجبا، لماذا فشلت كل الوسائل في محو أمية الشعب المصري خاصة والمسلمين عامة؟ انه الداء العضال فيما يسمي الثقافة الشفاهية التي تغادر الحقيقة مع أول مأزق منطقي وغير ممكن تبريره عقليا. القرآن الكريم بدأ بلفظ " إقرأ" ولم يفعل ذلك سوي المهندس عاطف عزت.



الكتاب يستخدم أدوات اللغة التي بها الكثير من المنطق الرياضي لفهم ما قاله سيد الكون وخالقه. فالقراءة علي أساس الإيمان فقط لا تكفي لهذا ظلمت حضارات واستلبت حقوق وابدلت أدوار وأعطي من لا حق له حقوقا لم يدرك قيمتها فبددها وبات الجميع فقراء فكريا وحضاريا. " فرعون من قوم موسي " كتاب قراءته واجبة للمؤمنين كافة ولمن يبتغي الحقيقة خاصة. فالكتاب يستعيد للمصرين حقوقا ضاعت تحت ارجل من اسلم ابتغاء جارية او مجرد وليمة درءا لجوع. ويضع بني اسرائيل في مكانهم الصحيح من الدعوة ومن اصطفائهم الديني من رب العباد. ويكشف لنا أيضا كيف أن الديانات السماوية الثلاث كانت موجهة إلى قوم بعينهم فيما كانت عين الرب عليهم و لهم وبهم مهمومة لاكثر من الفي عام منذ زمن أبو الأنبياء وحتي خاتم الرسل والنبيين. ولم تكن معنية لا بالمصريين كشعب كما لم تكن معنية بالهنود الحمر او الاسكيمو او الهنود والصينين وكذلك سكان اليابان. الكتاب يقول بالكثير ويعفي الكثيرين ايضا من اعباء الشريعة في ديانات السماء بل ويقول بان هناك اقوام قد رضي الله عنهم فلم يكونوا في حاجة إلى نبيين وقديسين لانهم صناع حضارة وعارفون بما يرضيهم ويرضي رب السموات والارضين.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق