الاعتراف بالخطأ فضيلة
محمد البدري
محمد البدري
الخطأ مثله مثل الهزيمة. ممكن وقوعه. فتاريخ البشرية هو ارتكاب الخطأ من اجل الصواب، سعيا للنصر علي الجهل وظلمات النفس والتخلف. كثيرة تلك المعارف التي اعتقد البشر أنها منزهة عن الخطأ ولا تحتمل التغير أو التبديل واثبت الدهر انه لا لزوم لها أحيانا. فالخطأ والصواب هما غربال المعرفة. وما الفضيلة سوي الاعتراف عند الخطأ. وهو ذاته الموقف المشرف للدكتور عمارة عندما اقر بخطئه فيما نقله نصا من أقوال أبو حامد الغزالي. كتب الكثيرون وحذروا من أفكار هذا الرجل الذي تعتمده الأصولية لتمرير مبادئها. فكم هي ملغومة تلك الكتابات القديمة التي تنتمي إلي العصور الوسطي بظلاميتها. معظمها لا يصلح للتداول حاليا لان استعادتها تجعل الفجوة أوسع بين فئات المجتمع كالحال وقت إنتاج تلك النصوص. نصوص الماضي كلها ضيقة وتعبر عن ضيق المعرفة والوجود، فلكل زمان حديثه.
لو خيّر د. عمارة بين العيش في ظل الدولة المصرية الحالية بكل أوجاعها في عصر العولمة وبين الرجوع بآله الزمن إلي ذلك العصر ففي الغالب سيفضل البقاء بجوارنا نسعد باعتذاره ونشكره علي اجتهاده ونضمن له سلامة رقبته من إرهاب العصرين الأموي والعباسي وما قبلهم لما به من اغتيالات. فالعصرين العباسي والأموي هما عصري الذبح بجدارة لكل المفكرين. قبلهما كان عصر الاغتيال للخلفاء والحكام. لو أن خطأ د. عمارة وقع في تلك العصور الذهبية لوقع كلامه علي الخليفة كوقع صوت ابن حنبل أو أبو حنيفة في ذلك الزمن السعيد لغويا والبائس واقعيا. كان الاختلاف في زمن المسلمون الأوائل لا يحل بالاعتذار أو الاعتراف بالخطأ. فلم يكن الاعتذار واردا ضمن مفردات التعامل أو ثقافة ذلك العصر. إنما الصمت أو القهر والموت. وما الشافعي سوي استثناء لهذا يتبعه المصريون.
الاعتذار منجز عقلي وليس ضمن نصوص الأديان، لجا إليه د. عمارة بفضل تقدم الإنسانية حضاريا. والجماعات الأصولية المعتذرة عن قتل المدنيين واغتيال السادات تدرك هذه الحقيقة لأنها استخدمت منهجا علمانيا. فالمخطئ في الماضي يبرر خطئه بان له عليه اجر. هكذا تاجر كل مرتكبي الجرائم بالتنازل عن أجر مضاف لو أصابوا. فمراجعات الجماعة من داخل السجون هو الوجه الآخر المضئ لمفهوم الوجود مع المختلف. مكتفيين باجر واحد ومسلحين بالاعتذار بدلا عن الطمع في الأجرين. فالسياسة لا أخلاق لها وأخطائها لا تستحق ايه أجور. وما الانحياز لمطلق ضد مطلق آخر أو اله ضد اله ثاني ودين ضد دين إلا كمن يستخدم أكثر الأساليب نذالة لإنهاء الخصم والقضاء عليه في الدنيا وطمعا في الأجور المتناهية في الآخرة. فالمراجعات تقول بأنه لا خصومة إنما حوار هادئ علينا تعليقه والوقوف عند حده البعيد لو أن البشر أصبحوا علي شفا الوقوع ثانية في خانة التثمين والبيع في أسواق الإيمان والكفر.
قالها د. عمارة في قناة فضائية مع مجدي مهنا في حوار الممنوع. أن كل مؤمن هو كافر في ذات الوقت. مؤمن بهذا وكافر بذاك. كان عمارة يحاول تبرير موقفه لنقله نصا وهو يعرف علي وجه اليقين انه نص ملغوم. وكررها ثانية في حواره عندما أنكر تكفيره لأهل الأديان الاخري فقال إن "القرآن هو اللي بيقول مش أنا". واستشهد بالآية " لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ " المائدة {73}. ولعلها تكون المرة التكفيرية الأخيرة. ففي كتابات د. عمارة. هناك محرزات ومضبوطات أخري كثيرة في مجال الفكر القومي الذي ساد قبل انهياره المدوي وصعود الإسلام السياسي الذي انتقل إليه د. عمارة بسلاسة وبنفس الأدوات التكفيرية الاستبعادية. فالدكتور عمارة كالرحالة ابن بطوطة. غادر فكرا يستبعد وينفي البرجوازية زمن الفكر اليساري فلم يأتي ألا ببيروقراطية لا يهمها العمل والإنتاج إنما امتصاص كل رحيق يفرزه العمل الإنساني دون نفع ولو علي طريقة النحل إنما علي طريقة الدبابير. فهي تكره الثقافة والفكر والعمل والإنتاج ولا تشنف آذاننا إلا بالزن طوال اليوم مطالبة بترك الأمر للخالق لأننا من العبيد العاجزين.
وجاء طور التحول القومي للدكتور عماره ووجد في نصوص القدماء التي تمتهن البشر ما يعفيه من الزلل في الخطيئة مثل طوره الإسلامي اللاحق قبل أن يخرج لنا كاملا مكتملا بجناحين ليزن في الفضائيات ويلدغ البشر بالتكفير ويعدهم بالقتل كما تقول النصوص. ففي كتابه بعنوان " العرب يستيقظون" الجزء الثالث طباعة دار الوحدة ببيروت يكتب في بابه الأخير عن الأشواك التي يحفل بها طريق الوحدة للجماعة العربية. لاحظ استخدامه لفظ جماعة كما أطلقته "الجماعة" علي نفسها. يقول الدكتور: (حديثي عن "الأشواك" مجرد "الأشواك" التي يحفل بها طريق الجماعة العربية نحو الانصهار.... وأولي الأشواك في هذا الموضع من قضية الوحدة العربية هي بعض الجماعات القومية الغير عربية التي تعيش في أحضان وأحشاء الوطن العربي الكبير... نحن لا نعتقد أن قيام ووجود هذه الجماعات القومية إنما يمثل عقبة حقيقية في طريق الوحدة العربية). فإذا كان لا يعتقد فلماذا يصفهم بالأشواك؟؟!!
ثم يراوغ مجددا منتقلا إلي الاسلمة مبكرا فيقول في صــ 166 " فسعي العرب إلي الوحدة هو خطوة نحو التضامن الإسلامي الذي هو بدوره خطوة نحو نوع من التنظيم الإنساني الأوسع لحياه الإنسان المعاصر تتطلبه طبيعة العصر والتقدم الذي يصنعه الإنسان" . ويربكنا ثالثا بالقول "أن الكتل الاقتصادية هي نوع من الأفق الأوسع". متناسيا أن لا العنصر والجنس والدين لا علاقة لهم بالعمل والاقتصاد والسوق وعلاقات الإنتاج. فهي كلها مفردات أعاقت حركة التاريخ واكتشاف علاقات المجتمع الإنتاجية التي أتت في لحظة تاريخية مضيئة. قبلها كانت الجزية وحق الرقبة كعبودية دينية أو عنصرية. عمارة يعرف الكثير لكن ما ذنبه إذا كانت الثقافة العربية خدعته ووصلت به لما ثبت فشله مرتين عروبيا وإسلاميا لننجر إلي التخلف بجدارة. هو يعرفها بالأشواك لأنها قوميات غير قوميته الأولي بالرعاية. صياغات د. عمارة هي ذاتها صياغات الغزالي لكن من أرضية قومية. فمعروف ما الذي ينبغي عمله مع الأشواك؟ كما وعلي نفس المنوال يعتقد بان الإسلام هو الحقيقة الوحيدة وان ما عداه كفر كما يقول النص. فمن قال بالأشواك إذن يتفق وهدر الدم!! . فهو ينتقل من استبعادات إلي استبعادات جديدة بدأها بالماركسية كمطلق أطلقت دكتاتورية البروليتاريا فسقطت دولتها. والعروبة فتفسخت ولم تنزع أشواكها وبقي الإسلام السياسي المطلق الأخير يترنح ويحارب بأشد الطرق نذالة، بالإرهاب.
نسي الدكتور عمارة أن النص لو كفر أو حض علي القتل والقتال فان الذي يقتل هو البشر والإنسان والمواطن. فالدكتور يوحد بين النصوص وبين البشر وبدون الوسيط الذي هو العقل الذي يفرز الصالح تاريخيا، ويعرف كيف يقيم منظومته السلمية مع باقي أفراد المجتمع ويكشف ما خفي عليه من معرفة لمزيد من الأمان. الثالث المرفوع في كل خطابات د. عماره هو العقل الذي يختار ويميز بين النصوص. فالله لا يخاطب غرائز القتل وشهوة الإعدام كما لو أننا خلقنا أكلة للحوم البشر. لكن شهوة الاستبعاد جعلت الأقليات أشواك، واستدعت نصوص القتل لما بها من تكفير.
فالأديان كلها تكفيرية وفي حالة احتراب داخليا وخارجيا. وليس هناك جدوى من حواراتها. فلو أن هناك وحده في الأديان لما انقسم المسلمون إلي فرق وشيع تقتل بعضها. ولا انقسمت المسيحية وبقي كل علي حاله دون تقارب، اعترف بها د. عمارة علي الهواء في نفس البرنامج بان البابا شنوده يكفر باقي الفرق المسيحية واستشهد بان بابا الارثوزوكس كفر بابا الكاثوليك ورفض صلاته في دير سانت كاترين وان بابا روما اعتبر أن الكاثوليك هم فقط الفرقة الناجية وما عداهم في النار.
والسؤال لذوي العقول لماذا نتحول ضحايا للنصوص ليقال إننا مؤمنون؟ فهل الدولة التي ترعي إيماننا وبقائنا علي حالنا تنتظر منا أن نكون قنابل موقوتة في اتجاه بعضنا البعض رغم التحايل الظاهري والتحجج بالقيم الروحية في الأديان. وأي روحية تلك إذا كان الخنجر والسيف والقنبلة هي أدوات الروح التي جعلت د. عمارة ثائرا في دفاعه عن توحده مع نصوص القتل ثم يراوغ بأنه يؤكد ألمواطنه رغم نقله عامدا متعمدا نصا يعلم انه ملغوم وضد ألمواطنه. فكونه من العلماء الذين لم يعتمدهم احد سوي السلطة السياسية التي تقف أغلبية المعارضة ضدها هم أنفسهم العلماء الذين نضحك علي فتاويهم علي الهواء و كتبهم وفي نفس الوقت تطلب منا النصوص سؤالهم لأنهم وكما يقول النص" فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" . كتابات د. عمارة وحديث فضائياته تطالبنا بعدم طاعتهم لأنهم خطاؤون وكتبهم هي التي تحتاج إلي رقابة. لكن فضل د. عمارة الحقيقي انه وضع مسافة بينه وبين أهم علماء الأمة أبو حامد الغزالي الذي يحض علي القتل. فهل من مسافة مماثلة ضمن مجمع البحوث الذي يتشرف بعضويته.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق