الأحد، 2 مايو 2010

بداية بلا نهاية

محمد البدري



برحيل عملاق الرواية المصرية بدأت مرحلة جديدة لا نهاية لها. فلم يعد ممكنا إرهاب الرجل وتحطيم معنوياته لقتل إبداعه. فقد أعفاه الموت من سخامات التكفيريين ومن قبلهم الكارهين للنقد وأصحاب المعجزات والبطولات القومية. كما لو أن الموت بات مخلصا لمن لا خلاص له سوي القلم والإبداع. فأعمال محفوظ يمكن – لمن يريد الحقيقة – أن يري فيها رؤية لتاريخ ثري مموهة في أعمال أدبية راقية للواقع المصري علي ما يقرب من التسعين عاما. ذكريات ثورة 19 التي شاهدها رؤى العين إلي زماننا الذي لا عيب فيه سوي موروثنا الثقافي الفاعل بنا وفينا تقبع في طيات نصوص رواياته وملاحمه. محفوظ المحلي حتى النخاع والكاره للسفر ومغادرة المدينة اضطر للمغادرة أدبيا عندما صدمته واقعة انقلاب يوليو 1952 فتوقف إبداعه حتى العام 1959. لقد شاهد منجزات المصريين تسحق تحت أحذية العسكر دون فهم منهم لما يجري في العالم. فالليبرالية التي مكنت كل الطوائف والديانات والفئات من الخروج في ثورة 19 هي ذاتها التي فتت الوفد إلي أحزاب ورأت في الليبرالية رصيدا لها في التفرد بقول ومصلحة مختلفة وان كانوا قليلا مع الملك وكثيرا ضد الاحتلال وبالمطلق مع الوطن. رصيد الوطن من الليبرالية ضاع كما ضاعت ثروات المصريين طوال التاريخ عدة مرات بالنهب إلي الخارج مرة بالاستعمار العيني المباشر ومرات بالمقدس الديني. لكن أن يبدد الرصيد السياسي والاجتماعي والعقلي والفكري والإنساني بهذه السهولة والبساطة فان صدمة مبدع لا يمكنه مغادرة الورق والقلم لهي فادحة إلي حد الشلل. منذ حادثة يوليو غادر محفوظ المحلي عالم الكتابة ثم فاجأنا بأعظم عمل روائي يرد به علي عسكر يوليو. فكانت روايته المثيرة للجدل " أولاد حارتنا" وكأنه يقول إذا كانت الحارة المصرية قادرة علي إخراج ما شغل البشرية واربك عقلها كونيا فهل ثروة العالم الإنسانية والتي توجتها الليبرالية مؤخرا تستحق منكم كل هذا الاستخفاف بفعلكم الانقلابي؟



لم يفهم نظام يوليو الرسالة علي حقيقتها ورأوها بذات العقل الذي حمله التكفيريين فيما بعد لاشتراكهم في فلسفة المصادرة بتنوعاتها. وعاد محفوظ ليؤكد زعمه في الثرثرة بعد أن ثبتت صحة ومصداقية رؤيته لواقع الوطن بعد 67. وظل الرقيب بالمرصاد دون أن يقرأ حرفا بإمعان لما كتبه نجيب. لم يتوقع محفوظ أن تخرج له شخصية سي السيد التي رسمها بإتقان في ثلاثيته، كالعفريت من الواقع في العام 52. تعامل سي السيد اليوليوى بنفس الدرجة الشهوانية الشيزوفرينية المنقسمة علي ذاتها فيما بين أهل بيته والعالم الخارجي. فهو الراعي لمأكل وملبس وستر أهل بيته وعربيد متهتك منحل لا يقيم وزنا طالما أن الخارج راض عنه ويتركه يمارس اللا ليبرالية داخل البيت. لم تسأله زبيدة العالمة عن حال أهل بيته مرة واحدة. كان ما يصرفه عليها هو حق البيت الذي يحرم أصلا علي الجامع. هكذا برطع سي السيد أحمد عبد الجواد، وسادر في غيه حتى وقعت الواقعة وفقد اعز أبنائه جسدا، بل وفقد معنويا أيضا اصغر الأبناء الذي غادر عالم أبيه المحافظ والعربيد إلي الفلسفة والفكر الحر. أما سي السيد المتزامن مع محفوظ فقد خسر كل شئ وأورث الوطن للدراويش ومنظري القتل وكان محفوظ ذاته احد الضحايا، وتآكلت النخبة وصفوة المثقفين وماتت الفلسفة. كان بيت كل منهما مكتف بما يغله لهما السيدين دون طموح، ويشتركان أيضا في أنهما لا يعرفان ما يجري خارج الحدود والأسوار. زوجته أو من هي في عصمته وتحت وصايته أصيبت لمجرد خروجها إلي الشارع كما لو أنها نبوءة محفوظية لو أن أبناء المصريين خرجوا إلي سيناء ولا يعرفون من قوانين الحركة في الخارج شيئا. كان خطأ فادحا للكاتب المتميز الراحل غالي شكري عندما صور محفوظ في كتابه المنتمي وكأن محفوظ يرسم صورة فوتوغرافية في أعماله للواقع دون قدرة علي التنبؤ. ثم تنبأ محفوظ ثانية في روايته التي جمعت أبطالها في عوامة علي النيل.



وقتها لم يكن ممكنا نقد القومية العربية أو الاشتراكية الناصرية أو حتى نظام الحكم، لكن إبداع محفوظ لممارسة النقد يكمن في الرمزية المستعصية. لهذا اشتم بعض المثقفين رائحة ما في روايته " ثرثرة فوق النيل " التي عبرت بحق عن المساطيل بنشوة الحكم أو قيادة الدولة إلي حد التصادم والقتل. كان أديب نوبل سياسيا من الطراز الأول. نبوءة الثرثرة تحققت في 5 يونيو. لكنه لم يكن ثوريا علي الطريقة الفرنسية، وكان اقرب إلي فكر عاصمة الإنجليز حيث الحوار بدلا من المقصلة في قصة مدينتين لـ تشالز ديكنز. لم يكن هناك أفيون في كلا المدينتين يتعاطاه أهلها هروبا من فهم الواقع أو مواجهته بل كانوا ثائرين كل علي طريقته لفهم وإقامة واقع أفضل لما هم عليه. لكن تاريخنا المحلي ظل يعبق بالدخان الأزرق والمساطيل والدراويش لذا فتعاطي الأفيون الإيديولوجي كان هروبا من المسؤولية السياسية وأصبح مقررا في كل وسائل الإعلام والتعليم.



لم تغادر كتابات محفوظ المدينة ولا حتى إلي الريف. بدأ بمصر القديمة الفرعونية بكل عظمتها وعلي وجه السرعة قفز إلي عصره الحي بعد قرون طويلة في موات حضاري لا يعيره محفوظ أي قيمة. المدينة عند محفوظ هي مسكن عقل البشرية السياسي. الأديب الكبير مدرك لهذا بعمق لكونه دارسا للفلسفة التي لم يكن لها أن تظهر إلا في المدينة أثينا صانعة الفكر والنظام والقانون. لم تكن بلاد اليونان تبحث عن أب في فكرها الفلسفي بعكس جنوب البحر الأبيض وجزيرة العرب التي ظلت تائهة في سعي محموم عن مخلص أو أب. فصارت شخصية الأب في كتابات محفوظ علي النمط المفقود أبديا أو المرزول حياتيا، او الواجب قتله كما في في اللص والكلاب حيث الابوة الفكرية التي تتخلي عن ابوتها. سيد سيد الرحيمي في رواية الطريق ليس موجودا، قام بفعلته يوما قبل أن يمسك محفوظ قلمه واختفي وعلي الأبناء مسؤولية أنفسهم. وما الحارة سوي تربة خصبة عبر تاريخها الطويل خرج منها كل مقدسات الكون فهل تبخل يوما بمن يخرج ليقول شيئا مختلفا. هكذا تنتهي ملحمة الحرافيش التي هي رواية موازية " لأولاد حارتنا " لكن بواقعية يندر أن نجد مثيلها إلا في الحارة المصرية العتيقة. انتهت أولاد حارتنا بعرفة أي العلم والمعرفة سلاح العقل في العصر الحديث كنهاية للتاريخ. وانتهت الحرافيش بموقف اشتراكي إلي حد بعيد فيه الكثير من عبق الليبرالية والتفرد لكل أبناء الحارة حيث حمل كل منهم نبوته أي قدراته في العمل والإنتاج لصالحه. فالنبوت رمز وعرفة رمز.



سألت الراحل يوما كما سألت الراحل د. لويس عوض أيضا هل من الممكن تحقيق الاشتراكية قبل استهلاك عصر ليبرالي يؤسس لها. لم يجب كلاهما، د. عوض هز رأسه مترددا بلا إجابة وعملاق الرواية قال: مش عارف.



القارئ لمحفوظ تتضخم أمامه صورة الواقع وتنطلق داخل رأسه الأسئلة المؤرقة. لهذا يجبن الكثيرين من سؤال أنفسهم خوفا علي فتات الثقافة السائدة باعتبارها تراثا وثروة. لكن المؤكد أن الواقع الثقافي أصبح مختلفا بعد أن فقدنا محفوظ حيث يمكن قراءته بكل جرأة. فنقد الكاتب وتمثل أرائه، كما يقول النقاد، لا تجوز إلا بموته أو مغادرته عالم الكتابة طواعية. أي أن الكاتب لا يحيا إلا بموته مثله مثل الشخوص اللاهوتية الخالدة. نجيب محفوظ الآن حاضر لان نقده والحديث عن أعماله بات حقا و بقوة في مشهدنا الثقافي ومن المستحيل تجاهله. كتابات نجيب محفوظ ترتبط ارتباطا وثيقا بتاريخ مصر وبتحولاتها في زمننا الحالي، وهو لم يتغير في مواقفه السياسية كما يدعي البعض. فمواقفه السياسية نابعة من موقف أصيل وسابق علي أي حدث ما. فالعدل والحرية هما المعنيان في كل كتاباته. وخاطب الولايات المتحدة بان قيادة العالم ممكنة لو أن العدل كان محور الارتكاز لتلك السياسة. وهو ذاته الموقف المصري الفرعوني القديم باعتبار أن الماعت أي العدل أساس الملك والحكم. فكتاباته الواقعية بمطالبها سياسيا واجتماعيا لم تفقد بوصلتها يوما في أيا من رواياته.



دفاعه المستميت عن العدل في نظام الحكم والحرية كسلاح إنساني هو أساسا للفقراء وللطبقات الاجتماعية الادني دون إغفال لباقي الفئات والشرائح. لقد دافع عن الجميع بإعجاز لكونه ليبراليا بالأساس. لهذا لم يجد له الناصريون واليسار من مثلبة سوي توقيعه علي وثيقة المثقفين للسادات في بدايات السبعينات ووثقوا حلفهم عليه بعد موافقته علي الصلح مع إسرائيل. كان مبدع نوبل واقعيا بعكس الطوباويين والثوريين حتى الانتحار. العدالة حاضرة في كتاباته لكن بمعالجة تتناسب مع تفسخ نظم تسمح بكل شئ فاسد وتتشدق في وقت واحد بعدل موعود وغير قابل للتحقق، بينما تسعد وتغبط السلطة و فتواتها الحاكمين للحارة ببحث سكانها الدائم دون كلل وبدون فائدة عن ذلك الجبلاوي أو في أحسن الأحوال عن ذلك الرحيمي متوهمون وجوديهما لفك أسرهم من الفقر المادي عند الأخير أو الثراء الوجودي عند الأول.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق