الأحد، 2 مايو 2010

لماذا أصبح اليساريّون ضحايا كل العصور؟

محمد البدري



إذا كان، لجورج حاوي، ابن الخمسة عشر ربيعا أن يصبح يساريا وينخرط في حزب شيوعي معناه رضاعة مبادئ العدل الاجتماعي في صورة إنسانية لفترة عمرية أطول كثيرا ممن نضجوا متأخرين أو وصلت إليهم أفكار العدالة متأخرة أو بعد تجارب ظالمة. فعبر الخمسين عاما منذ التحق فكريا بالماركسية حتى اغتياله مؤخرا كانت له مواقف لا نجد مثيلا لها بين باقي الأحزاب الأكثر شمولية وأعتى استبدادا واقل عدلا وأكثر ضبابية من القوميين و الإسلاميين أو حتى بعض اليساريين. تخلّى جورج حاوي عن الأمانة العامة وقيادة لحزب رغم انه كان الأكثر أممية وحركية والتحاما بأقرانه الثوريين اليساريين بالفعل والعمل فيما بين الفضاءات السياسية اليسارية من ليبيا إلى اليمن مرورا بكل الأحزاب في كل بقعة تحدثت العربية.

بهذا المعني وارتباطا بالحركة يشخص جورج حاوي كمشاكس مجادل ومحاور ومتحدثا يفضل الانتقال والتحول متجولا بين الألف زهرة فيما بين الأفكار والأحزاب من المعسكر الاشتراكي إلى الأرض الأمريكية مرورا بكوبا وزعيمها كاسترو وشي غيفارا... هكذا تخاطب وتجادل مع الجميع دون عنترية وسباب أو كراهية وسوداوية.

فتجربة المناضل اللبناني جورج حاوي الاشتراكي أخذها الإحباط إلى تجنب المواجهة حتى الانتحار مع الرأسمالية وهي في قمة انتصارها، وأجبرته أيضا الانتكاسات القومية البائسة إلى أخذ الواقع في الاعتبار دون القفز فوقه حتى لا تهدم الأوطان على رؤوس أصحابها..

ومع المتغيرات التي تبدت بعد الانهيارات العربية القومية بدا الرجل أكثر ديناميكية وحركية، علي مستوي الفكر قبل العمل، فسعي إلى مشروع ديموقراطي للنهضة بعد الانكسار القومي. فشارك حاليا في انتفاضة الاستقلال مع علمه أن الفاشية العربية، ولو ادعت التقدمية، هي اعتي من قوي اليمين المتخلف في صورته التقليدية التاريخية في منطقة الشرق الأوسط. هكذا بدت معركته الأولي أسهل من معركته الجديدة وان الثمن المدفوع والمهدر زمن المد الثوري اليساري تحت رايات القومية لا يقارن بمدي الخسائر المتوقعة في النضال الجديد ضد الهيمنة المحلية. فكان علي ثقة دون وهم أن المعركة ليست سهلة بل هي مليئة بالعوائق إضافة إلى المفخخات والكمائن فيما يسمي بالنظام الأمني منذ اغتيال رفيق الحريري واغتيال الصحفي اليساري سمير قصير ثم اغتياله هو.

حاوي كان ساعيا في العموم منذ ربيع عمره إلى منع ديمومة الاستغلال مع الاستبداد والتسلط والفساد إلى الضفة الأخرى ضفة الحرية والديموقراطية والتقدم، فمع الإحباط بسقوط الاتحاد السوفيتي باتت مسالة الديموقراطية الاجتماعية مؤجلة مؤقتا وان الأجدى هو الالتفات إلى مسألة الاستبداد القومي حيث تتشكل في فضاءاته تربة ومناخا تفشل معها كل الأفكار الخيرة في الانبات أو امتصاص أي رطوبة مما تجود به القريحة الإنسانية وتجاربها الحياتية والتاريخية الواسعة. هكذا عاد جورج حاوي فكريا إلى الصبي ذو الخمس عشر ربيعا ليحارب معركته الاولي علي ارض الوطنية مؤجلا الانتقال إلى الأممية الأوسع والأرحب إلى مستقبل لا يعلم مواقيته احد. وكان علي علم أن مسالة الاستقلال الوطني وإقامة ديموقراطية هي ضمن مهام ومستحقات الداخل ولا دخل لمن في الخارج بها، لكن الأحداث أتت بما لا يشتهي الوطنيون. فقال في حوار علي قناة عربية: " نعم.. أنا ضد أن تستخدم المعارضة العربية الدعم الأميركي من أجل إسقاط الأنظمة أيا كانت، أو الدعم الأوروبي والغربي، ولكن حركتنا الديمقراطية لا تشكو من كثرة الاحتضان العالمي، بل من قلته إن أميركا والغرب يريدون أنظمتنا المتخلفة، ولا يتضامنون مع حركتنا الديمقراطية، وبالتالي نتطلع إلى حركة ديمقراطية عالمية متساندة متعاطفة مع نضالنا".

والحوارات في الأحزاب الإيديولوجية التي نمت في ارض لم تشهد تطورا طبيعيا كما هو حال الأمة العربية تجري معظمها بين المثقف الحزبي المثإلى وآخر أكثر مثالية. ففي لقاءاتهم يلتقون نظريا ويفترقوا علي خلافات حادة في كيفية التعامل. ولكن ما اثبتته التجارب، أن مجرد الكلام، لا يصنع تاريخا ولا يحدث تحولا، مفاده فتح الأبواب على المزيد من إمكانية الاختلاف و التصدع، أو المزيد من زيادة الشروخ. فالصعب أو المستحيل هو تصحيح بالمعنى الصحيح لما توهمناه صحيحا يوما واثبت التاريخ لنا انه كان وهما أو اوثانا سقطت دون أن يعلق أحد الفاس علي كتف كبيرههم. وهو ذاته ما ينطبق علي الأحزاب في مصر أيضا. جورج حاوي لم يكن شموليا أبدا، فالشمولية هي القطب الجيد لتوصيل حرب الأوهام إلى واقع الناس في حياتهم اليومية، وقادرة علي رفع سقف المطالب من امكانات الواقع إلى حدود السماء بمعني الارتداد إلى حدود الخرافة وما قبل عصر العقل والمنطق تماسا مع الأسطورة والدين.

الاحباطات المتوالية أملت علي المناضل الاشتراكي الأكثر تحررا من دوجما الايديولوجيا من أمثال جورج حاوي ألا يبقي يراوح مكانه دون تقدم، مع احتمالات واسعة بالتراجع. فإما أن يخترع هو جورج حاوي جديدا، إي يجدد نفسه دون إلغاء لأفكاره عن العدالة والحق، أو أن يتحول الحزب وبه الجميع إلى مزيد من التفتت و الانقسامات. هنا عاد الطائر المغرد بعدالة لم تجد لها موطئا في بلاد الشرق التعسة إلى عشه اللبناني مطالبا بالاستقلال ثانية بعد أن اعتقد متوهما انه استقل حقيقة منذ خروج الفرنسيين أو قوي الاحتلال القديم من بلاد الشام. إنها العودة السياسية إلى سن الخمس عشر ربيعا ثانية بنضارة الشباب بعد أن أفسدت أمراض الشيخوخة والخرف الايديولوجي من جراء الانزراع في بيئة شمولية وهيمنة قومية واستبداد محلي.

ويبقى السؤال معلقا ماذا يجري في لبنان الآن في التحوّلات الديموقراطية مع سؤال الاستقلال القديم علي ارض الوطن وعلي مقومات قوي العمل وحقوقها السياسية والاجتماعية. فالغرب لم يعد خائفا من قوي اليسار التقليدي بأفكاره الاشتراكية منذ تمت فركشة مملكة النحل التي انتجت منا وسلوى والتي جفت وسقطت ولم تعد مناحلها بقادرة لا علي إفراز ما فيه شفاء للناس أو ما يلدغ. إنما يبدو الأمر خطرا في مملكات الدبابير التي تعيشت بأطول مما ينبغي علي النظم الليبرالية مثل إسرائيل أو الشموليات القومية العربية وعلي كلا من القطبين زمن الحرب الباردة. هكذا لدغت الدبابير المناضل جورج حاوي كما لدغت في الماضي حسين مرة وفرج الله الحلو وكثيرين كانوا على علم بان الخطر الحقيقي في الداخل قبل أن يكون في الخارج.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق