الأحد، 2 مايو 2010

ثقافة البلطجة

محمد البدري



مس د. سعد الدين ابراهيم وترا حساسا وموجعا لجميع سكان شرقنا الاوسط الواسع والممتد عندما كتب مقالته بعنوان "الأكثر إنجازاً هم الأكثر اضطهاداً في الوطن العربي". فاهل المنطقة موغلون في العراقة ويضربون في جذور التاريخ ويحملون من الحضارة ادسمها واكثرها ثراءا. ولن نكون بعيدين عن الحقيقة قيد انملة لو اننا قلنا ان العالم الحديث يدين بمعظم افكاره واديانه وعقائده إلي تلك المنطقة، وخاصة لما هو حول حوض البحر الابيض المتوسط. وسنكون اكثر صدقا لو اننا عرجنا إلي بداية المعرفة العلمية للانسانية بالقول بان علوم الهندسة والحساب وجدت مهدها في نفس المنطقة وان الفن كان مزدهرا قبل ان تقع المنطقة في اسر الديانات الشهيرة بالسماوية. والامانة الثقافية تجبرنا علي الا نبخس الثراء الواسع الذي ساهمت به الهند والصين شرقا. ولولا الحاجز المائي الضخم المسمي بالاقيانوس لكنا اوفر حظا بالتعرف علي حضارة الانكا والازتيك وكل ما تركه سكان امريكا الوسطي ومنطقة جبال الانديزمن حضارات.



لكن الامر الان مختلف فيما يبدو. وكأن التاريخ قد ادار لنا ظهره بعد ان سادت الثقافة العربية الاسلامية واصبحت هي الوكيل الوحيد ( وليس له فروع أخري) ليتحكم في كل من ساهم وانشأ وخلق كل هذا التراث الانساني الضخم ومهد للعقل الانساني ان يكتشف قدراته علي الانتقال بالبشرية إلي مرحلة بها من الرخاء والرفاهية باكثر مما كان متاحا لنا في الماضي. وتبدو عقلية عتريس، أي الفتوة والبلطجي، هي السائدة في منطقتنا حاليا. فكبير العائلة، او شيخ القبيلة او زعيم الامة، او الامام او الخليفة هم الذين يحددون المدي الذي علي اللغة والفكر من التشكل ليتعارفوا فيما بينهم لكن دون ان يكون أكرمهم عند الله اتقاهم.



عتريس، نعرفه جيدا، هو ذاته الذي شاهدناه في الفيلم المصري " شئ من الخوف ". والثقافة العربية السائدة في محمولها الاسلامي تقول بان راس الحكمة مخافة الله. فالخوف الحاضر دوما لا مردود له أو رد فعل تلقائي له الا باحتمالين:



1- الانفلات الفردي للحفاظ علي الذات في مواجهة الخطر المنتج للخوف، لهذا يسعي الفرد إلي الحل الاناني والانحياز والتمحور حول نفسه دعاءا وتبتلا. وهذا هو غالب الحال في المنطقة.



2- الالتفاف الجمعي في مواجهة الخطر بشكل يتبني فكرا جديدا ومسلكا اكثر تعقلا في مواجهة الخطر ولازالة حالة الخوف.



فالخوف كما هو سبب للانغلاق والهروب، فهو ايضا سبب للابداع وتجاوز حالة الفقر والشلل العقلي في مواجه الخطر المسبب للخوف. فالفارق يكمن في كيفية التعامل معه. سيكولوجية الخوف تعتمل داخلنا وهي جزء من مكوننا البيولوجي قبل ان يكون فكرا يدفع بنا للخروج مما نحن فيه. تلك مرحلة متاخرة في السلوك الانساني بعد ان كان رد الفعل الطبيعي والبيولوجي هو البديل الوحيد.



فالمكون الثقافي الذي نحمله في هذه المنطقة العريقة والثرية والحاضنة لمعظم الحضارات القديمة لا نشعر بالكثير منه في الوعي نطقا وكتابة بل لن نكون مغالين لو اننا صورناه كجبل الجليد حيث الجزء المغمور منه باكثر من اربعة اخماس حجم الجبل. فالمسكوت عنه رغم حضورة الطاغي من خلال اللغة والفكر المصاحب لها من ثقافة عتريس، يعلن عن نفسه دوما وبوضوح لا مثيل له. فالعمل الفني "شئ من الخوف" عاني الكثير قبل ان يعرض علنا وعلي الجمهور. وكان علي عتريس موديل 1969 ان يشاهده فبل التصريح بعرضه. ولم تكن الموافقة الا لان العمل قد سار علي نهج العترسة والتعترس، وربما الخوف والتاقلم معه كما عودتنا الثقافة السائدة.



الفيلم يقول أن فؤادة ( قامت الفنانة شادية بالدور) من الاقليات المضطهدة وان سكان القرية كذلك بل ان افراد العصابة ايضا وخاصة ذلك التعس الذي قام بدوره الفنان العظيم أحمد توفيق. شيخ القرية ورجال دينها ايضا كانوا من المضطهدين حيث يستذلوا باستخدام شريعتهم الغراء في عقد زواج محرم. ايه اهانة اكثر من ذلك في مواجهة طاغية يسبحون بحمده ويخافون من حسابه كعتريس.



الحل الفردي كان هو الامثل والافضل للجميع. وتراوحت الحلول بين الشجاعة وبين الجبن. وكثيرين انتظروا الفرج. وكانت الثقافة السائده ولغتها الرديئة معولا لمزيد من الهدم في شخصيتهم وفي انسانيتهم لصالح ثقافة العترسة. بل وتبدلت كثير من الادوار فيما بين العترسة والخنوع اثناء محاولات الفرار من الخوف او الخطر المحيق بهم. فبات الضحية جلادا وبات الشهم والنبيل ضحية نبله. انها فعلا ثقافة تجارية لهم فيها منافع لكنهم بعيدين تماما عن كيفية تشكيل الواقع ليكون بعيدا عن الخطر والا يصيبه الخوف. فالاخلاق السائده بين الاطراف في قرية الدهاشنة موطن عتريس وفؤادة لا تعرف لغة تعبر عن صدق ما يحدث وتعطي كل ذي حق حقه. لهذه الاسباب وافق جمال عبد الناصر علي عرض الفيلم.



فالمشهد الاكثر ماساوية ليس في اخذ حق الليلة الاولي لزواج رجل العصابة من بائعة الجبن المغرمة بفحولة عتريس الاجرامية وليس في تسليم العذراء فؤادة لعتريس وتبرير الاب بشرعية الزواج لو انهما إختليا، وفي خلوتهما الجديدة فان انصياعها للحادث يعطي شرعية الخلوة. وليس ايضا في التدليس بان السكوت هو الموافقه لكتب العقد، انما يكمن في سكان القرية الذين باتوا في جفاف لا يعبر عنه سوي الارض التي تشققت من العطش. باتوا جميعا في انتظار القدر وامر السماء علي جانبي الترعة. ووقفت الفتاة التي لم يمسسها بشر بقوتها وجراة نقائها لتفتح هاوييس المياه وتحدث المعجزة. فكم هي المعجزات التي اتت بها النساء في هذا الكون.



رد الفعل لهؤلاء الاموات كان عجيبا واغرب من الخيال. فلا هم اصيبوا بالجنون كرجل العصابة فاقد شرفه امام عتريس وليس في تدليس رجال الدين علي زواج باطل ولا في الاب الذي سعي لتسليم ابنته ولا في شيخ القرية الذي سكت كثيرا علي الفساد الا بعد ان طاله الامر بمقتل ابنه. كانت اول كلمة كرد فعل خرجت من افواه العطشي بعد ان انسابت المياه من جراء الفعل الشجاع " الحمد لله ". ولم تات كلمة شكر لفؤادة علي شفه احد. لم نشاهد احدا يعبر عن الامتنان لها وفضل لفعلها.



هل هو الجحود ام ضرب عرض الحائط بالحقوق التي صادرتها ثقافة الشرق الاوسط التعس المحكوم عربيا واسلاميا؟



قال د. سعد الدين في مقالته " أقباط مصر خصوصاً، ومسيحيوا الشرق عموماً، كانوا طلائع النهضة العربية الحديثة، منذ بدأت، قبل قرنين ـ أي في أعقاب الحملة الفرنسية، ومع عهد محمد على الكبير. وكلاهما كانت له بصمات بارزة على مصر والشام معاً " ومع ان تاثيرهم علي كل المنطقة كان عميقا وانتشل المنطقة من التخلف إلي مرحلة متقدمة من التحديث الا ان الجحود وعدم الاعتراف بالجميل، ولنقل الجحود وعدم الامتنان كان من نصيبهم كما كان نصيب فؤادة حتي من مظاليم القرية مثلها.



انها الثقافة في مكونها العميق حيث لا يعطي كل ذي حق حقه، مع الاتهام بالكفر وعدم الايمان. فهل كان الايمان موصلا جيدا بين البشر ليفهموا ما يحدث وما يخرج من افواههم.



كنت في حوار مع احد النخاسة من بلد عربي "شقيق" وقال ان بلده يسعي لاستحضار كل الكفاءات والقدرات البشرية لبنائها واعمارها. ويتم التفضيل لمن يحمل الدكتوراو عن من يحمل الماجستير نزولا حتي المهن الادني وفي كل التخصصات. فبادرته لكنكم لا تعطون الجنسية لمن يساهم في البناء ورفاهية الوطن حتي ولو قضي عمره كله بها. واستشهدت بامريكا وكندا واوروبا التي تعطي الجنسية بسهولة لمن يساهم فيها بالعمل. رد قائلا نحن نرتب بلدنا اولا لاننا عرب والباقي دون ذلك.



لم يقل عتريس شكرا لبائعة الجبن التي اعطته كل شئ وكذلك لرجل العصابة التعس الذي لم يرفع بندقيته في مواجهة صاحب الثقافة العتريسية السائده بل انحاز إلي الحل الفردي ولو كان هو الجنون ولم يشكر عتريس احد فهو الاعلي من دون اهل القرية حتي ولو صادر اموالهم وعرق يومهم بطريقة الجزية مقابل الحماية. ( ممن لا نعرف ).



د. سعد يفترض انه من الممكن للثقافة العربية التي لا يوجد ضمن مفرداتها في اصولها الدينية كلمات مثل " شكرا – عفوا – آسف – لو تفضلت – هل تسمح... "في تبادل الفعل والمنفعة بين الناس كأفراد. مثل هذه المفردات لا نجد لها نظيرا في كتب التراث لكنها دخلت واضيفت إلي تراثنا بعد ان حطت الثقافة الفرنسية من شمال البحر الابيض علي ضفاف جنوبه مع دخول نابليون مصر. وهو ما يجعلني استعيد اقوال العرب الاوائل في رسائلهم لعمر بن الخطاب ويشرحون فيها ان كل هذا البناء والمعمار في ارض مصر لا سبب له سوي كفرهم وعتوهم!!



إنها الحضارة القديمة بخبراتها وعلومها واصحابها الذين باتوا غير مواطنين واهل ذمة عند العتاريس الذين انتشروا بحجة الفتح. ولسوف استعير آخر كلمات مقال د. سعد لانها تمثل حلا. ومع ذلك فإن هذا الكاتب على يقين أنه باستعادة الأجواء الليبرالية وتكريس الحركات العامة، سيعود المجتمع المصري، ومعه بقية الشرق الاوسط، إلى سيرته الليبرالية الأولى.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق