الأحد، 2 مايو 2010

متي يخرج المسلمون من الجيتو؟

محمد البدري


يشترك المتطرفون في كلا الديانتين اليهودية والإسلام في خصيصة الاتباع الحرفي للنصوص، وليس الابتداع، خوفا من عقاب يطاولهم في الدنيا والآخرة. وبناءا عليه اصبح العقل الإنساني لديهم بغير ذي ضرورة سوي لتسخيره في عملية الإفلات من العقاب الأخروي أو كيفية تقليد سلف محدد ومختار بعناية من التاريخ باعتبارهم من الناجين لانه لم تقع بهم كارثة إلهية لفعل اقترفوه. ولان البشر طوال التاريخ كانت له نماذج متعددة وطبقا لظرفه التاريخي يعتقد بصحتها ويتعامل بها علي أساس أنها صالحة وذات جدوي، لكل زمان ومكان، فيمكن القول بان هؤلاء السلف ليسوا سوي تخيلات وهمية تم رسمها كعمل فني متواضع يؤدي إلى الارتياح لو انه تكرر دوما. أي أن العقل كأداة للإبداع الفني مهما كان نوعه ظل يعمل رغما عنهما. وهنا تكمن الأسس النظرية لقضية الأصولية. فالفقر الإبداعي أساس الاتباع والخوف من الحاضر وعدم فهمه مع عدم ضمان للمستقبل تجعلهم في حاجة للملاذ والنجاة من رهبه مواجهة الواقع. لهذا فالنصوص مثل " لا ينصلح حال هذه الأمة إلا بما صلح به أولها " أو " تركت فيكم ما لن تضلوا بعده أبدا " ارتكن إليها العقل الأصولي أو ربما وضعت منحولة من قبل هؤلاء الأصوليين الذين يمتلئ بهم التاريخ. ولان الأصولية هي حركة غير نقديه أساسا بل تسليميه واتباعية بالضرورة فلم تحاول عقد مقارنة بين مثل هذه النصوص وبين نص آخر يقول " أنتم اعلم بشؤون دنياكم ". ولم يفكر أحدهم كيف يمكن الجمع بين نصين متعارضين في منظومة واحدة. وما أكثرها تلك النصوص في جميع الأديان.



فشؤون الدنيا متجددة ومتغيرة ولا تثبت علي حال بينما السعي الأصولي هو إلى تثبيت كل شئ علي نموذج قديم لا يفي بحد ادني للتعامل مع اللحظة الراهنة. تأبير النخل وتلقيحه كانت من أسباب القول الأخير. أما اليوم فالتلقيح الصناعي حتى بين الحيوانات هو السائد لضمان لحوم وفيرة ومشتقات ألبان غزيرة ونواتج جلدية راقية. فلا حاجة لقوه العضل وطول العمر لان الماشية وسواها لم تعد ضمن قوي العمل بعد دخول عصر الصناعة المميكن. التلقيح الطبيعي، أي الأصولي القديم، كان يأتي بأجيال تقع ضمن مقولة " بختك يا أبو بخيت " من حيث الصفات الوراثية وقدرتها علي تحمل الأمراض أو التشوهات البدنية.



ولان الأصولية تكره التغيير وتخاف من الحاضر فان نفيه بات ضرورة لانتفاء إمكانية التعايش بين نموذجين وصلا إلى حالة من التضاد لا توفيق بينهما بل بالنفي لاحدهما. عبر عنها ناحوم جولدمان في اسرائيل بان الاندماج هو الخطر الكبير الذي يهددنا في اللحظة التي خرجنا فيها من الجيتو ومن المعتقلات. ولان الاندماج هو الانفتاح علي الآخر فلا معني له سوي انه تدمير للجيتو.



هكذا أصبح الجيتو ضرورة بقاء في الديانة اليهودية والتاسيس الاسرائيلي والجماعة في الإسلام. كلاهما مغلق علي ما يعرفه من الماضي ومصاب بداء الرهاب من ضوء الحاضر. كلاهما يعظم نصوصه التي يلوكها في ظلمة الانغلاق ولا يفكر إلا في الحفظ والتكرار لما هو محفوظ أصلا وتكرر مرارا من قبل. فالمساحة المكانية والزمانية للجيتو يهوديا أو إسلاميا هي ضئيلة وضيقة ولا تتسع لأي جديد سوي ما يسمح بالخروج لنفي العالم الواسع خارجها. هنا يمكن فهم لماذا تستخدم الإنترنت والكومبيوتر والمتفجرات وعلوم الكيمياء الحديثة والسيارات والطائرات لا لسبب سوي لخدمة الجيتو وعدم فتح ابوابه. إنما ليقوي استعدادا لابتلاع هؤلاء الذين في الخارج من المغضوب عليهم.



ولتموين الجيتو بأناس جدد فان ثقافة الاضطهاد يتم بثها من الداخل والي الخارج فيمن يبدوا علي وشك الوقوع أو ممن ضاقت بهم السبل في الخارج بالمناطق الفقيرة التي هي حقيقة عورة أي مجتمع لا ينظر بجدية الي مسائل التفاوت الاجتماعي ونتائجه المدمرة. فيما بين تعظيم الإحساس بالاضطهاد وبين عظمة النصوص والرسالة تتأجج كراهية ألاغيار . اول الاغيار هم المختلفون في الشكل. لون العيون أو الشعر ولغة التخاطب في الاجانب وخاصة إذا كانوا من المصنفين من اعداء الملة. الاجانب أو السياح هم اول ضحايا الجيتو. بهم من الاختلاف ما هو اكثر بمراحل من ابناء الجلدة في الوطن الواحد.



فالدكتور المسيري يذكر في موسوعته عن الصهيونية " الدارس للصهيونية يلاحظ الآثار العميقة التي تركتها حياة الجيتو ونظمه في عقلية ونفسية اليهودي، حيث اصبح الاغيار شرا مطلقا ". ففي كل ثقافة منغلقة هناك أغيار من خارج الجيتو أو الجماعة. من يمارس أو يسعي لممارسة الديموقراطية هو كافر. لان الديموقراطية هي نقيض الممارسة بالاتباع والتكرار والترديد داخل الجيتو. ولم تنجوا المسيحية أيضا من فكر الجيتو وامراضه الاجتماعية. اتبعت الكنيسة الجيتو المقلوب بان قررت علي اليهود العزل في جيتو خارج روما عام 1555. ووسعت هي الجيتو الكنسي واضطهاد من راي الارض تدور أو ان اللغة كعائق عن الفهم. واليهود كما هو حال المسلمين يشعرون باطمئنان شديد داخل تلك الدوائر المغلقة لانه لا يوجد من هو مختلف فكلهم من المتشابهين أو صور مكررة. زي واحد وسلوك واحد بل ووصل الأمر كما جاءت به تحقيقات النيابة في عدم التفرقة بين الإناث. فكم من مرة تشابهت النساء عليهم وتزوجوا وجمعوا بين الأخوات كما أذاعه التليفزيون المصري منذ عدة سنوات. فرغم الاتباع الصارم للنصوص التي تحرم هذا السلوك إلا أن الإبداع الذي تفرضه الظروف كان اقوي من مقاومته حتي ولو تضارب مع الأسس التي حبسوا أنفسهم لخدمتها. وهنا يمكن فهم لماذا يظهر الشذوذ في كل مجتمع مغلق لا يفي بالحد الأدنى من متطلبات الروح الإنسانية الخلاقة.



عملت قوانين النقائض فعلها في حياة اليهود والمسلمين تاريخيا. فالاضطهاد من الخارج مع التعاليم التوراتية الخاصة بعرق وسلالة معينة مع طول عهد بالهوان والهروب الي ملاذات آمنة ومؤمنة أخرجت، وياللغرابة، اثناء عمليات التحول الاجتماعية والفكرية الكبري كم هائل من علماء ينتمون نظريا الي اليهودية كديانة ولليهود كجماعة دينية. فظهر من ينادي بوجهة نظر مختلفة تماما، وبمغادرة عقلية الجيتو بل والجيتو نفسه وطالب اليهود بالاندماج كاملا حيثما وجدوا أو عاشوا. دعاة التنوير اليهودي وعلي رأسهم سبينوزا في هولندا أسسوا للحضارة الغربية الحديثة التي هي علمانية بالأساس. ومثلت التحولات من الإقطاع الي الصناعة والرأسمال مناخا دافئا لحركة الاستنارة اليهودية في غرب أوروبا التي كانت سريعة في تحولاتها عن شرق أوروبا وروسيا. وهم ما يشرح فروقا جوهرية بين من أتوا الي إسرائيل من شرق وغرب أوروبا.



وبنظرة سريعة إلى علماء الفيزياء والكيمياء والإنسانيات في القرون الأربعة الأخيرة ان معظمهم من اليهود. الفكر العلمي بطبيعته هو منفتح علي الكون ومتصالح مع قوانينه وعاقدا لرابطة تجعل العقل الانساني مرتبطا بما هو ضروري وحتمي مع محاولة منه لاعادة الصياغة لمزيد من الخدمات التي لم توفرها المفاهيم العقلية القديمة فيما اتت به النصوص التي لاكوها مرارا وتكرارا داخل الجيتوهات. اشهر هؤلاء اينشتين الذي كان فخورا بانه يهودي لكنه رفض العرض المقدم له لرئاسة دولة اسرائيل. وطبيعي ان يرفض الحامل لمثل هذا العقل المبدع والذي شك وفند مدي ضيق افق قوانين نيوتن وكتب مقال علميا يقول فيه " نيوتن اغفر لي ". من اين له أن يدخل الجيتو ثانية حتي ولو كانت دولة ولو كان هو رئيسها. التصالح مع الكون علميا واجتماعيا هو ضمان عدم العودة الي الجيتو، بل وهو نقيض الجيتو ذاته. فرويد في علم النفس الذي عاداه بشده اهل الجيتو الاسلامي ممن دخلوا الي خيمة الجماعة خرج من الجيتو اليهودي وصالح المراحل العمرية المختلفة للكائن الحي وعرفه بنقائصه وكيف يمكنه التغلب عليها وانها ليست عورة بل طبيعة فينا لو أدركناها لخرجنا منها. أي خرجنا من جيتو الغرائز وبتنا بافضل مما نحن عليه. اما راس الكفر في عرف اهل كل جيتو ذلك اليهودي كارل ماركس خرج من جيتو الجهل الانساني بذاته الفاعلة والمنتجة ليصالح ويرد الاعتبار والحقوق لمن رهنوا انفسهم للاستغلال دون ذنب أو جريمة سوي الدعة والراحة في كسل عن المشاهدة الواعية لما يجري خارج جيتو العمل والانتاج. وفي مجال الادب فحدث ولا حرج من اليهود امثال كافكا الذي تحدث عن اسوا انواع الجيتو القهري بدءا من القلعة الي مذكرات من بيت الاموات.



فكرة الجيتو هي مضادة للانفتاح علي كل ما يعتبر آخر وظلت رهن البشرية. فظهرت النازية كجيتو عنصري آخر لم يكن مهتما فقط باضطهاد اليهود بل كل الاجناس معتبرا الجنس الاري – دون نصوص مقدسة بل من مقتطفات كفاحي – متفوقا علي باقي الأجناس. لهذا هرب وهاجر وتشرد اكثر العلماء من اليهود الي باقي المناطق الاكثر رحابة وقدرة علي التعيش مع الاخر بقدر معقول. المسلمون الان فيما عرف بالعالم الناطق بالعربية يبدون كمن يتحصن ويخلق كل انواع الجيتو خوفا من العولمة. بينما المطروح امامهم ليس خيار الخروج من الجيتو بل اقتحام الجيتو الاسلامي والعربي من الخارج أي من الاغيار كما حدث في العراق وافغانستان. فماذا انتم فاعلون؟


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق