الأحد، 2 مايو 2010

علي أي أساس أصبحنا مسلمين؟

محمد البدري





في سياق التطور العقلي للبشر كانت المرحلة الحضارية ومدي الإنجاز الفكري والثقافي المتحقق علي أرض الواقع هي المحددة للإطار وللتفاصيل لأي نص احتكمت إليه هذه الجماعة أو تلك. فعدم الاعتبار لهذا الأمر عند الحديث عن المؤمنين في عالم الشرق الأوسط أو الحديث عن أوروبا والغرب عامة يجعلنا نقع في أخطاء فادحة سندفع ثمنها إذا ما أخذناها إلى لحظة مواجهة مع أو حوار وتفاعل مع الآخرين.



فالشرق الأوسط حاليا تغلب عليه الصياغة العربية لمجمل ثقافته التي هي محصلة ثقافات متعددة يضرب بعضها بجذوره إلى ما هو اعمق من العروبة أو الإسلام. ويتصدر العمل السياسي فيه طرفيين أساسيين، هما الوجهين للعملة العربية الإسلامية. الوجه الأول هو القومي العروبي الذي تولي القيادة وحقق المعجزات من الهزائم. وتولي الإسلام السياسي القيادة فاحتل الأمريكي العراق بعد تطهيره لأفغانستان وهرب البعض إلى ملاذات اكثر أمنا من هاتين الهويتين القاتلتين.



فعلي أي شئ اعتمد الثوب العربي أو العروبة السياسية في الاحتكام إليه في حكم الداخل أو في التعامل مع الآخر؟



إنها الشريعة الإسلامية. فرغم انه لا يوجد حكم مباشر وقانون قضائي محدد يمكن اقتطاعه من النص القرآني ليكون مرجعا قضائيا وحكما يطبق علي الناس إلا أن الوارثين لتراث الجزيرة العربية بجاهليتها واسلامها لم يتمكنوا من وضع قواعد فقهية لتطبيق ما سمي بالشريعة إلا في العصر العباسي ومع نهاية الأموي. فلان أي قانون يجب أن يخضع للمنطق قبل أن يصاغ في قاعدة فقهية يمكن تطبيقها إلا انه طوال فترة النبوة الإسلامية وما بعدها زمن الراشدين وكذلك الأموي لم يكن هناك أي منطق رياضي داخل العقل المسلم يمكن التأسيس عليه لاقامة قاعدة فقهية أو حكم قضائي للتعامل مع الناس.



كان العرب في حاجة ضرورية إلى المنطق الارسطي الذي تخلوا منه ثقافتهم البدوية لهذا لم توضع قواعد للغة العربية إلا في الزمن العباسي أي بعد الاحتكاك والتعرف علي الثقافة اليونانية وفكر أثينا الفلسفي والذي بدونه لا يمكن التأسيس لأي علم طبيعي أو إنساني للحاجة الشديدة إلى قواعد المنطق كأساس للعقل او لفهم الواقع.



فالسؤال الذي يطل علينا لماذا كان العرب في حاجة إلى أرسطو وفلسفة اليونان، أي العقل المنطقي الصرف لاختراع الفقه الإسلامي؟ وأين هو المنطق في النص القرآني الذي علي أساسه حكم العرب المنطقة وحتى نهاية العصر الأموي؟



وهل أن النص القرآني الذي كان بحاجة إلى المنطق الارسطي امتلك منطقا خاصا به ومختلفا عن منطق الكون والبشر ليصدقه من آمن به لحظة النطق به علي لسان نبي الإسلام؟ وهل هناك اكثر من منطق يحكم الكون؟



ولان الأسئلة كثيرة فالأمر يدعونا إلى البحث ثانية في لحظة ورود النص ولحظة تلقيه من المؤمنين الأوائل في جزيرة العرب. اللغة، ايه لغة، تكشف لنا علي الدوام عن تكوبن منطقي ما محكم من حيث نظام النطق والطابع المورفولوجي. فليس لدينا ما يثبت وجود لغة سابقة للمنطق. فأي لغة تطابق الحالة العقلية السابقة للمنطق. بالطبع فليس لنا أن نفهم كلمة "منطق " في أضيق معني لها إذ علينا ألا نتوقع عند قبائل السكان الأصليين المحصورين في صحاري الجزيرة العربية مقولات للفكر الارسطي أو قواعد للتركيب اللغوي في اللغة اليونانية أو اللاتينية. فما وصلنا منهم هو الشعر المسمي بالجاهلي. أما النصوص فكانت مع القرآن لذا فقد أدان الإسلاميون طه حسين عندما صرح بان أول نص واضح يمكننا من فهم الحياة الجاهلية هو القرآن ذاته لانه يقع علي الحافة بين عصرين يقوض أحدهما فيكون مفندا وشارحا له بلغته ومؤسسا لجديد بنفس اللغة حتى يفهمها أناس هم أنفسهم أهل جاهلية. فالهجوم علي طه حسين لم يكن أساسه إنكار وجود إبراهيم الخليل أو ولده إسماعيل كانتحال عربي لضمان رابطة بينهم وبين اليهود وعقد صلة ما بينهم وبين من كانوا اهل كتاب. إنما أساسها اللغة وما ترتب عليها عند الحديث عن الشعر أيام الجاهلية ونثر الإسلام القرآني. يقول طه حسين:



" وكما أن القصاص المنتحلين قد اعتمدوا على الآيات الذي ذكرت فيها الجن ليخترعوا ما اخترعوا من شعر الجن وأخبارهم المتصلة بالدين ، فهم قد اعتمدوا على القرآن أيضا فيما رووا وانتحلوا من الأخبار والأشعار والأحاديث التي تضاف إلى الأحبار والرهبان . فالقرآن يحدثنا بأن اليهود والنصارى يجدون النبي مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل . وإذاً يجب أن نخترع القصص والأساطير وما يتصل بها من الشعر ليثبت أن المخلصين من الأحبار والرهبان كانوا يتوقعون بعثة النبي ويدعون الناس إلى الإيمان به حتى قبل أن يظِل الناس زمانه .



ونوع آخر من تأثير الدين في انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهليين ، وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه في قريش . فلأمرٍ ما اقتنع الناس بأن النبي يجب أن يكون صفوة بني هاشم ، وأن يكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف ، وأن يكون بنو عبد مناف صفوة بني قصي ، وأن يكون قصي صفوة قريش ، وقريش صفوة مضر ، ومضر صفوة عدنان ، وعدنان صفوة العرب ، والعرب صفوة الإنسانية كلها . وأخذ القصاص يجتهدون في تثبيت هذا النوع من التصفية والتنقية وما يتصل منه بأسرة النبي خاصة ، فيضيفون إلى عبدالله وعبدالمطلب وهاشم وعبدمناف وقصي من الأخبار ما يرفع شأنهم ويعلي مكانتهم ويثبت تفوقهم على قومهم خاصة وعلى العرب عامة . وأنت تعلم أن طبيعة القصص عند العرب تستتبع الشعر ، ولا سيما إذا كانت العامة هي التي تراد بهذا القصص .



وهنا تتظاهر العواطف الدينية والعواطف السياسية على انتحال الشعر . فقد أرادت الظروف أن تكون الخلافة والملك في قريش رهط النبي ، وأن تختلف قريش حول هذا الملك ، فيستقر حينا في بني أمية وينتقل منهم إلى بني هاشم رهط النبي الأدنين . ويشتد التنافس بين أولئك وهؤلاء ويتخذ أولئك وهؤلاء القصص وسيلة من وسائل الجهاد السياسي . فأما في أيام بني أمية فيجتهد القصاص في إثبات ما كان لأمية من مجد في الجاهلية . وأما في أيام العباسيين فيجتهد القصاص في إثبات ما كان لبني هشام من مجد في الجاهلية . وتشتد الخصومة بين قصاص هذين الحزبين السياسيين ، وتكثر الروايات والأخبار والأشعار .



ثم لا يقتصر الأمر على هذين الصنوين من بني عبد مناف ؛ فالارستقراطية القرشية كلها طموحة إلى المجد حريصة على أن يكون لها حظ منه في قديمها كما أن لها حظا منه في حديثها . وإذاً فالبطون القرشية على اختلافها تنتحل الأخبار والأشعار وتغري القصاص وغير القصاص بانتحالها . ولا أصل لهذا كله إلا أن قريشا رهط النبي من ناحية ، وأن الملك قد استقر فيها من ناحية أخرى . فانظر إلى تعاون العواطف الدينية والسياسية على انتحال الشعر أيام بني أمية وبني العباس .



ولست في حاجة إلى أن أضرب لك الأمثال . فأنت تستطيع أن تنظر في سيرة ابن هشام وغيرها من كتب السير والتاريخ لترى من هذا كله الشيء الكثير . وإنما أضرب لك مثلا واحدا يوضح ما ذهبت إليه من أن بطون قريش كانت تحث على انتحال الشعر منافسة للأسرة المالكة ، أموية كانت أو هاشمية . وهذه القصة التي سأرويها تمس رهط بني مخزوم من قريش ، وهي تعطيك مثلا صادقا قويا لحرص قريش على انتحال الشعر لا تتحرج في ذلك ولا ترعى فيه صدقا ولا دينا .



تحدث صاحب الأغاني بإسناد له عن عبد العزيز بن أبي نهشل قال : قال لي أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وجئته أطلب منه مغرما : يا خال هذه أربعة آلاف درهم وانشد هذه الأبيات الأربعة وقل سمعت حسّانا ينشدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقلت أعوذ بالله أن أفتري على الله ورسوله ، ولكن إن شئت أن أقول سمعت عائشة تنشدها فعلت ؛ فقال : لا ، إلا أن تقول سمعت حسّانا ينشدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ؛ فأبى عليّ وأبيتُ عليه.



ذلك أني لا أنكر الحياة الجاهلية وإنما أنكر أن يمثلها هذا الشعر الذي يسمونه الشعر الجاهلي . فإذا أردت أن أدرس الحياة الجاهلية فلست أسلك إليها طريق امرئ القيس والنابغة والأعشى وزهير ، لأني لا أثق بما ينسب إليهم ؛ وإنما أسلك إليها طريقا أخرى ، وأدرسها في نص لا سبيل إلى الشك في صحته ، أدرسها في القرآن . فالقرآن أصدق مرآة للعصر الجاهلي . ونص القرآن ثابت لا سبيل إلى الشك فيه . أدرسها في القرآن ، وأدرسها في شعر هؤلاء الشعراء الذين عاصروا النبي وجادلوه ، وفي شعر الشعراء الآخرين الذين جاءوا بعده ولم تكن نفوسهم قد طابت عن الآراء والحياة التي ألفها آباؤهم قبل ظهور الإسلام . بل أدرسها في الشعر الأموي نفسه . فلست أعرف أمة من الأمم القديمة استمسكت بمذهب المحافظة في الأدب ولم تجدد فيه إلا بمقدار كالأمة العربية . فحياة العرب الجاهليين ظاهرة في شعر الفرزدق وجرير وذي الرمة والأخطل والراعي أكثر من ظهورها في هذا الشعر الذي ينسب إلى طرفة وعنترة والشماخ وبشر بن أبي حازم . "



فانتحال الشعر بأثر رجعي، رغم كونه مشكلة إضافية تضاف إلى مشاكل التراث، إلا انه ينزع وجود أي منطق في النصوص الإسلامية لانه لو وجد فيها لظهر له اثر في الشعر الأقدم لو انه كان منحولا.



فالنص، أي نص، اللغوي التركيب هو خاضع لمنطق ما بالأساس. وعندما يتطلب من متلقيه أن يتعامل معه إيمانا به أو رفضا له فهو يضع نفسه موضع التفنيد أولا من قبل العقل المتلقي له وفحصه من زوايا متعددة. ولن يقبل به العقل المتلقي إلا إذا تبني منطق النص الخاص وتخلي عن بنائه هو. بكلمات أخرى فالنص يطلب من العقل الإنساني المتلقي له أن يكون ناقدا له ومرجعية قضائية قبل أن يؤمن به من عدمه. والعقل المتلقي لن يؤمن قبل أن يتبني نفس منطق النص ليكون متناغما معه مؤمنا به. أوار هذا الجدل والصراع لم تخبوا ناره حتي يومنا هذا، بل لم تخبوا في كل الديانات السماوية.



فالعقل الإنساني المستقل والارسطي البناء هو سلطة مرجعية قبل أي نص وعلي ايه نص. فما بالنا وان العقل والمنطق ضمن الإطار الإسلامي لم يكن موجودا وحتى نهاية العصر الأموي ولم يبدأ وينموا علي استحياء إلا مع العصر العباسي ولم يكتب له الاكتمال أبدا تحت وطأة المصادرة واعمال العنف الفكري التي مورست عليه طوال العصور الإسلامية. وهل المصادرة المستمرة والمزمنة قي عالم العرب والإسلام هي وسيلة هروب من مواجهة صريحة للعقل الإنساني المنطقي والرياضي الذي يحاول أن يؤسس نفسه بشكل سليم ولو لمرة واحدة.



الموجه الأخيرة من العنف وحادث 11 سبتمبر أعادت لنا مسالة العقل المنطقي المفقود في الثقافة العربية والإسلامية. ونموذجها قتل العراقيين الأبرياء بحجة انهم مجاهدون ومقاومون للاحتلال!! أين المنطق؟ فكلا من العروبيين والإسلاميين يتفقان علي كونها مقاومة، بينما الواقع، الذي هو اصدق إنباء من الكتب أو النصوص وخاضع للمنطق، يقول بالعكس تماما. فأيهما نصدق؟ العصر الحديث يبدوا مؤرقا للإسلاميين ومن اعتمدوا النصوص قبل العقول في الاحتكام إليها تعاملا مع الداخل والخارج. علوم كثيرة اكتملت وعرفت مناهجها وكيفية التفكير في الواقع لاستخلاص قوانينه للسيطرة عليه فكيف يمكن العودة إلى نصوص تفتقد القدرة علي الصمود أمام علوم مؤسسة علي المنطق في المعركة الجارية حاليا بين الغرب العلماني وبين المجتمعات الإسلامية التي تستقي قوانينها من فترات مغرقة في التاريخ قبل أن تكتسب أي منطق أو عقل تأملي. أليس غريبا ألا يحمل لنا التراث الإنساني الإسلامي والعربي ايه حوارات تناقش رسول الإسلام فيما أتاه به الوحي، وتحاوره في صدقيه أيا من الأحداث أو الأحكام أو القواعد التي أصبحت من الثوابت دون التثبت من إياها سوي أن نؤمن بها بالغيب. المسلمون حاليا هم من الورثة لتراث لم يصنعوه بل ورثوه. فلماذا كل هذا الاحتقان دفاعا عنه بينما هو غير قادر علي تسليح المسلمين بسلاح عقلاني يضمن له علي الأقل الصمود في وجه الحضارة الغربية المتنامية لغة وفكرا وعلما وتكنولوجيا؟ التصميم علي فكرة صراع الحضارات وبلع الطعم بان الإسلام قادر وصالح لكل زمان ومكان هو انتحار مضمون وانتحال لقوة مزعومة لا تقل عن انتحال الشعر الجاهلي. وضعت أوروبا الدين المسيحي في مكانه الصحيح وانطلقت هي تحقق المعجزات. فالمسيحية هي دين شانه شان الإسلام عجزت معه وبه أوروبا عن التقدم حتى زمن التنوير. فالعناد الذي يبديه رجال الدين الإسلامي ومن خلفهم الإرهاب لهو الانتحار بعينه وتفجيرا للذات علي الطريقة الإرهابيين وصفة للعاجز عن التخلص من ربقة تراثه وغير قادر علي فهم ما يجري من حوله لامتلكه تراثا يحتاج، من جديد، إلى المنطق.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق