فالأدب العربي برمته يحمل هذا الطابع في التعبير والبلاغة بصورتها الجاهلية محتفيا بالفصاحة علي حساب المحتوي والمعني. ولم يكن للقران أن يحدثهم بما لم يألفوه وما لم يعتادوا عليه فكانت معجزته في التفوق بلاغيا علي افصح شعرائهم وتحداهم بان يأتوا ولو بسورة مثله. فكم سعد المسلمون لمجرد أن يسمع الفاروق عمر آية ليدخل الإسلام علي وجه السرعة لما به من حلاوة وطلاوة. وظل خطباء الجمعة في المساجد وغيرها يعانون كثيرا ليعبروا بذات الصياغات الزخرفية ليستولوا علي عقول المصلين دون قدرة علي سبر غور الفكرة أو نقد المضمون للأحداث التي تحتاج إلى صيغ نثرية ولغة تحليلية وصولا إلى حالة فهم متكامل.
فكما لم يجرؤ العقل العربي عن أن يأتي بمثله، وقتل من ادعي بفصاحة مماثلة كحالة مدعوا النبوة في عصور الإسلام الأولى، فارق العرب الإبداع الفني وأضافوا لفقرهم فقرا جديدا. فلم يعودوا بلغاء وذوو فصحي تستولي علي الوجدان ولم يكتسبوا عقلا نقديا مفكرا متجادلا مع ذاته المرتبكة تخوفا من إسقاط أعظم ما أتت به الفصحى من بلاغة. بريق القرآن كمحطة نهائية لتجليات المقدس البلاغية اضر بالعرب. بلاغتهم وجدوا من تفوق عليهم بها. واقع الأمر انه وضعهم اسري قفص البلاغة في منتهاها القدسي وحرمهم من الشك ولو مرة فيما هم فيه منعزلون. ولم يختلفوا أبدا علي مسالة الوحدانية ومعهم أيضا كل الموحدين في باقي الديانات ولكنهم اقتتلوا عند الاحتكام إلى العقل فيما ليس به نص أو وجود نص بلاغي لا مناص من تأويله.
كارثة تسونامي كانت اختبارا جديدا لأسرى الفصاحة ولمن فضلوا الاحتكام إلى النص خالصا لصالحهم. ولان العقل العربي لم يضف جديدا فقد فضل الهروب من معارك الفكر وكوارث الطبيعة إلى تحطيم النصوص وصولا إلى نقض كامل لما اتفق عليه المسلمون. فتاريخ البدائيين يقول أنهم يحطمون ما لا يقدرون علي استئناسه أو السيطرة عليه. وان اخفق في ترويضه وانهزم أمامه فيعبده ويقدسه لكنه وفي لحظات مسروقة في أوقات الرخاء أو دفء لواقع يقيم احتفالا وهميا يأكل فيه معبودة أو طوطمه القهار الغادر ليبطل بطشه به. فما بالنا وقد بات العرب في وضع النمر المروض لا يقدر لا علي بلاغة تفوق بلاغة المقدسات ولا فكر يسبر غور المجهول. بدا العقل العربي طوال عصر الراشدين ودولة بني أمية كالمصاب بالشلل، فلا هو قادر علي تقليد الجاهلي خوفا من كسر فصاحة القرآن ولا هو قادر علي فك الغاز النص المقدس خوفا من فقدان البلاغة والطلاوة.
وبقدر اهتمام محمد عابد الجابري ببنية وطبيعة العقل العربي وردود فعله إزاء الأحداث، مفترضا كونه عقلا، كان اهتمام جورج طرابيشي بنقد مقولات الجابري وتبيان مدي تواطأ القاضي والمتهم. فقبل أن نحلل أقوال الدكتور النجار في كارثة شرق آسيا يلزم أن نعرج لقضية هامة هي أساس لما ارتكز عليه مشايخنا لمصير أبناء اندونيسيا المسلمين. ففي الجزء الرابع من كتاب "نقد نقد العقل العربي" لمؤلفة جورج طرابيشي والمعنون بـ " العقل المستقيل في الإسلام " دار الحوار بين المفكرين الكبيرين حول فهم العقل العربي قديما لحديث مذكور في البخاري ومسلم انه قال " خلق الله آدم علي صورته، طوله ستون ذراعا. فلما خلقه قال …... إلى آخر الحديث " رغم أن نصف الجملة هي آية توراتية في كتاب أقدم من كتابات العرب.
والمشكلة أن جامعي الحديث بوصفه نثرا دفع بعقلهم لان يتخلى عن أي إعجاب بغياب الوزن والإيقاع والطلاوة إلى نص جاف فلجا إلى التفكر والتدبر لأول مرة في تاريخه وأخذ علم الكلام علي عاتقه معركة العقل من أجل الفهم زمن التدوين مبعدا نفسه عن خداع الشكل والبلاغة، فبدا كطفل يحبوا علي أربع. حركته بطيئة وكثير الوقوع إذا ما تجرأ وقوفا منتصبا بعقله الضعيف وبأرجل رخوة.
فعلي من تعود الهاء في كلمة صورته؟ نحن لا زلنا أمام نصوص مدغمه لغويا مع التخلي عن النغم والإيقاع الحلو. الصوفية وعلي رأسهم الحلاج يوقفونها علي الله جل وعلا. أهل الحديث و السنة اختلفوا وتناحروا بسبب الضمير المدغم في كلمة صورة. الحنابلة وإن أنكروا تصورا للذات العلية لكنهم أعادوا الضمير إليه.لان الخلق، لو أن الضمير عائد علي آدم، بات له نموذج مثإلى سابق علي آدم كما في فلسفة أفلاطون المثالية وان الله يقلد ذلك النموذج الأقدم في شكل آدم الأحدث. وفي حالة الهاء عائده علي الله فقد عرفنا صورة الله التي كسرت كل الأصنام في سبيلها لعدم التشابه وهو ما ينكره بشدة كل الفرق. فأهل الحديث من الحنابلة الذين افرزوا فيما بعد كل فرق التشدد مرورا بالوهابية أكدوا علي عائديه الضمير في " صورته " علي الله منكرين أي صورة سابقة علي ما خلقه الله لأنه الأول والآخر.
بعد ابن حنبل بنحو أربعة قرون جاء ابن تيميه مثبتا لما قاله الحنابلة ومعلقا الضمير علي الله انطلاقا من موقف إيماني يعلق الحكم ويمتنع عن التأويل أو الزيادة في الشرح. انه الشلل ثانية والذي يعود في كل مرة ليوقف النمو العقلي أو لتجاوز النصوص بما فيها من ضمور معرفي مع فصاحة لا يقدر عليها أحد.
من ابن حنبل إلى زغلول النجار
يقول الفيلسوف توماس بين " أن تقدم العقل الإنساني مرهون بغربلة راس ماله من أفكار محفوظة كنصوص. فالشك في الفكرة هو ذاته شك في النص". فرصيد العقل العربي من الأفكار ذو صنفين اولهما موروث منذ القدم عبر الأجيال وثانيها المكتشف الحديث بمجمل أدوات المعرفة. لهذا نفي العقل الحديث ما سماه العقل القديم " معجزة ". فقال أن معجزة الله هو ذلك الكون المذهل في خلقه واستمراريته. فان كان خلقه للكون بقوانين محكمة معجزة فلسنا بحاجة لان يثبت الله ذاته ثانية من خلال كسر قوانينه التي ارتضاها لنا. وعلق مكملا بأنه إذا لزم لي أن افهم الكون كواجب ديني لمعرفة قدرته سبحانه وتعالى فليس لي أن اعتقد بنقيضه في قوانين أخرى متعاكسة لتزيدنا ارتباكا فوق جهلنا به. هكذا نفي توماس المعجزة كإحياء الموتى أو شق البحر. وقال أن معجزة الرب هي في قدرتي علي التقدم والفهم والخروج من الجهل إلى النور بفهم ما هو قائم وليس الانبهار بما هو مستحيل. كلمات " توماس بين " نجد مثيلها في كلمات شيشرون Cicero الفيلسوف الروماني المفوه فكلماته تحمل فكرا رصينا متماسكا. قال شيشرون:
What was incapable of happening never happened. And what was capable of happening is not a miracle.
وترجمتها:
"إن ما ليس ممكنا حدوثه لم يحدث، وان ما هو ممكن الحدوث فليس بمعجزة".
فلا معجزة عند سيشيرون انما وجودنا وفهمنا له هو المعجزة بذاتها.
أما زغلول النجار في زماننا وشرقنا التعس فقد أخذ موقفا غير مفهوم في زمن العقل الحديث أو حتى العقل الديني القديم إنما ارتد بنا إلى زمن السحر والطوطم فيما قبل الجاهلية. يرد ما لا يقدر علي فهمه إلى ما يخاف منه. ويسعى بكل همة إلى قتل الطوطم وإبطال مفعوله حين تحين المناسبة. ففي حوار معه بنصه:
س - إذن من فسر زلزال تسونامى على أنه غضب من الطبيعة وأنها سنن كونية ينكر قدرة الله تعالى وبالتالي هو كافر.
ج - لا شك أنه كافر أو على الأقل يدخل دائرة الكفر والشرك لأنه أشرك الطبيعة مع الله تعالى مع أن الطبيعة ليست كيانا عاقلا لكي تفعل شيئا وإنما الله تعالى هو الذي يحركها كيفما يريد.
س - فماذا نفعل كمسلمين وعرب حتى ننجو من عقاب الله تعالى؟
ج - سُئلت هذا السؤال في مجلس الشعب منذ فترة قريبة حينما طلبوا منى الحديث عن زلزال تسونامى بشيئين: الأول رصد الظواهر حتى نستطيع أن نتنبأ بها ولو قبل حدوثها بعشره دقائق، والثانية تقوى الله سبحانه وتعالى فاعتبروا كلامي دروشة.
كان الحوار ضمن ما نشر مؤخرا. ولن نتطرق ثانية للجمع بين أقوال شيشرون وتوماس بين أو معركة العقل المستقيل في الإسلام بين الطرابيشي والجابري لكن الملفت للنظر أن زغلول المؤمن بشدة لم يجد حلا لكوارث الزلازل إلا بالتجسس علي إرادة الله ليتفادى إرادته التي لا راد لها، منكرا قوانين الطبيعة الملزمة. ويذكرنا بأفعال الجن في القرآن متناسيا بأنهم عوقبوا أيضا بالشهب رجما عندما تجسسوا علي ما يجري في السماوات العلي. زغلول النجار مازال يهرب لأنه وريث ثقافة الهروب والاستقالة من الواقع ومغادرة الكون والعقل والعلم والتكنولوجيا. يلهث وراء تقوي لم تنفع المسلمين ويستقوي بتكنولوجيا لا يملكها ويسعى لتفادي إرادة الله الذي يعبده، ولو في العشر دقائق الأخيرة. أما الأخطر فيما يشي به كلام زغلول أن الإله الواحد لم يعد يحمي أحدا حتى من تابعيه والعارفين به، وعليهم الهروب دوما من غضبه الذي يطال الجميع. فما جدوى كل هذه العبادات والطقوس والشعائر إذا كان ممكنا وقف إرادة الله المبيتة، أو علي الأقل الهروب من أثرها علينا؟ فهل كان البدائي أكثر تعقلا عندما جعل الكون يعج بالآلهة. لكل منهم مهام ووظائف يمكنه بها تفسير عشوائية الكون في عشوائية الآلهة وعدم عزفها متناغمة مع مطالبه منها، أم إن الفهم السليم لمنطق الكون الذي أسسه توماس بين في كتابه العظيم "عصر العقل " أجدي وانفع.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق