السبت، 1 مايو 2010

عن تقرير التنمية لعام 2004

عن تقرير التنمية لعام 2004 والحريات الثقافية

ثروتنا المتجددة في شخصيتنا المتعددة الثقافات

محمد البدري

جاء لنا التقرير العالمي للتنمية البشرية للعام 2004 بما يفسد قناعات شعوب العالم ويبدد لها أوهامها وينغص ويعكر علي نظمها السياسية صفوها بأنها ليست علي الطريق الصحيح للتنمية والتقدم. فالتقرير رغم انه كان يعدد في السنوات الماضية أسبابا واضحة للعيان يعرفها الجميع من قصور في الأداء وتبديد للثروات وفساد للإدارة كذلك بممارسة الاضطهاد والظلم أو حروب دينية ومجاعات. إلا ان تقرير هذا العام أتى بجديد لم يخطر علي بال الكثيرين ممن استناموا علي فكرة أن العدل والتنمية سيتحقق تلقائيا لو زال الاستعمار أو عادت الحقوق المشروعة والغير مشروعة، كذلك ترديد ان الوحدة أو العودة إلى الدين هي رافعة للتنمية ومن ضرورات البقاء. فكم هو مؤسف لشعب ما أن يمجد تاريخه وأقواله السابقة التاريخية بأكثر من اهتمامه بمستقبله وإبداعه لمفاهيم جديدة.

التقرير هذا العام منصب بالأساس علي الحرية الثقافية. عنوانه الفرعي " الحرية الثقافية في عالمنا المتنوع". فيا له من بعبع جديد وكابوسا ثقيلا للشموليين وعلي من شاكلتهم من السياسيين. فطالما حدثنا السياسيون والمثقفون عن الوحدة من المحيط الي الخليج والامة الواحدة والتاريخ الواحد. بينما كانت أفغانستان و العراق في واجهة التقرير ليس لكونهما اكثر المجتمعات قهرا للثقافات لكنهما كان اكثر تفجيرا لها بعد تحرير الأولى من هيمنة السلفية العربية / الإسلامية بقيادة فكرية / ثقافية لتنظيمي القاعدة وطالبان وكذلك تحرير العراق من نظلم صدام عن طريق احتلاله من قبل الأمريكيين؟!!. فرغم أن أسباب غزوهما من قبل الأمريكيين كان بسبب العلاقة بالإرهاب إلا أن مشكلاتهما الثقافية المتنوعة داخلهما بدا علي السطح وشغلا مساحة من الحوار عن الحرب الدائرة في كل منهما خاصة بعد أحداث تفجير تماثيل بوذا تحت هيمنة طالبان والقاعدة في أفغانستان ثم الكشف عن المذابح الجماعية للشيعة والأكراد وغيرهم من المعارضة في العراق. هنا يبدأ التقرير متسائلا : " كيف سيلبي الدستور العراقي الجديد مطالب الشيعة والأكراد بتمثيل منصف؟ وأي لغة وكم لغة من اللغات المحلية في أفغانستان يجب أن يعترف بها الدستور الجديد لغة رسمية للدولة؟

التقرير في بحثه، طبقا لعنوانه، عن التنمية كهم أول له بدا ساعيا إلى مناطق الهوية والثقافة كقيمة تنموية وعنصر فاعل داخل الشخصية الإنسانية. فهي لم تكن محل اعتبار في الماضي كمفردات تدخل في المعادلة التنموية للمجتمع. فاعتبار أن قهر هوية أو ثقافة ووضعها مهمشة داخل كيان اكثر شمولية يعد تعطيلا لطاقات إبداعية وإنتاجية وذات مردود اقتصادي. فهو أمر لم ندركه ضمن ما نسيناه في ظل الهويات القاتلة التي دافعنا عنها طويلا والتي لم يكن لنا من نصيب منها سوي الهزيمة ثم الاتهام بالإرهاب والتدحرج إلى مستوي أكثر تدنيا مما كنا عليه في تقرير العام الماضي فباتت مصر، علي سبيل المثال، تحتل الموقع 127. فبقدر من المضاهاة بين الهويات التي تزحف علينا كالأصولية وبين الانحدار إلى زيل قوائم الدول النامية يبدوا معه الامر موحيا بان هناك خطا ما يجب تصحيحه في علاقتنا بثقافتنا الواحدة ومدي درجات الاختلاف داخلها وكم هي مهيمنة وقامعة لثقافات أخري داخل الوطن الواحد..

ولان الديموقراطية والحرية السياسية باتا من ضرورات التنمية ولا مجال للإطاحة بهما كما كان في الماضي- زمن الشمولية- من اجل تنمية عرجاء أو كاذبة، فان قبول التنوع والتسامح الثقافي من قبل الجميع يعد معطي ديموقراطي جديد يؤدي بالضرورة، كما في تجارب متعددة، إلى تنمية في سياق عموم التنمية الشاملة للمجتمع. بل ويوفر طاقات بددت دوما لصالح هيمنة إحداها علي الأخرى . ولم يفت التقرير الاشارة الي الاتهامات المزمنة بان التنوع هو تفتت كما تدعي الشموليات العرقية والدينية والأيديولوجية، وضرب مثلا بالولايات المتحدة المتنوعة العرقيات برغم من بعض التجاوزات وكان المثل الافدح ضمن سياق التقرير مدينة تورونتو الكندية كنموذج للرقي والنمو كعروس للشمال الأمريكي برمته رغم أن نصف سكانها ولدوا خارج كندا. فالذكاء السياسي للامم متنوعة ومتعددة الثقافات يقع في دائرة الإدارة الحكيمة للتنوع والتعدد الثقافي قبل العرقي ضمن مجموع السكان.

فالوحدة الوطنية والتعددية الثقافية يبدوان متناقضتين ظاهريا. لكن الأمثلة التي تدحض فكرة التناقض كثيرة. ويمثلها نموذج الهند والولايات المتحدة وكندا وضرب مثلا ببلجيكا كذلك سويسرا التي تتحدث أربع لغات، وأيضا المملكة المتحدة. فالتماسك الوطني في ظل مثل هذا التنوع يجعلنا نبحث عن طرائق تفكير سياسييهم وعلماء الاجتماع عندهم واصحاب النظريات الاقتصادية لديهم في كيفية الحفاظ علي كل هذا الكوكتيل الثقافي مع بناء القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية أيضا. بينما نحن في زيل القائمة التنموية ومن الضعف رغم التغني بهوية أحادية تقع كأفضل خيار بين الأمم. ماليزيا التي كانت تسعي للاستقلال بالانفصال عن اندونيسيا في بداية ستينات القرن الماضي كانت النموذج الأكثر فداحة من ناحية التعدد الثقافي في مقابل الوحدة الوطنية وتحقيق معجزة التنمية في آن واحد. تضمنت سياساتها توافقا بين العرقيات والثقافات المالاوية والصينية والهندية مع الارتداء بعباءة إسلامية. وهنا باتت نظريات ارتكن إليها الكثيرين في ان التنمية علي غرار نظرية ماكس فيبر في الاستعلاء البروتستانتي في الاتجاه الفردي والرأسمالي تدحضتها تحولات تنموية اكثر زخما وتعجيلا في الزمن الحديث ومن ثقافات خارج الأنساق الدينية المعروفة.

وفي المقابل فهناك فشل في مناطق أخرى كثيرة لكن ليس بسبب ذات التنوع إنما يرجع الأمر إلى إدارة تلك التعدديات الثقافية وكيفية وضع دستور أو تعاقدات مدنية يتفق عليه الجميع تضمن حقوقا لهم دون عدوان منهم عليه أو علي بعضهم البعض ليقطع الطريق مع سلطة تريد التوريث أو الانحياز لجماعة بعينها.

وركز الخيار لدي الأفراد في اختيار هويتهم الثقافية بذاتهم دون إملاءات خارجية أو أبوية أو سلطوية سياسية ثم قياسه بكونه مصدرا للقوة ومؤشرا للتنمية بعكس ما هو سائد في عالمنا الشرق اوسطي من حفظ للقيم والممارسات مع ولاء اعمي للتقاليد. فالثقافة في تعريفها العلمي هي منظومة حية ومتحركة وليست مجرد حفرية من زمن قديم مجمدة أو محنطة. فالمجتمعات الحية، من اجل التكييف واستمرارا للمعايشة، تعيد تعريف ما ورثوه من قيم ويكيفونها تمشيا مع تغيرات الواقع. وفي احلك الظروف تتم المغادرة النهائية لبعضها أو كلها ويحدث ما يسمي بالانقطاع الثقافي. فليس الأمر مجرد إقامة متحف للثقافات او حفظ لها في ثلاجة أصولية من ناحية او تجريم وقطع الصلة بينها من جهة اخري بل إقامة حوار حر دون قيد او شرط ودون خوف من ايه قدسية لما تحمله كل ثقافة من موروث ومن مستجدات، هي قائمة بالضرورة لا يمكن التغاضي عنها. إنه الاحتفاظ بهوية ديناميكية مع فسحة للتجديد والتغيير والمغامرة بالمغادرة إذا لزم الأمر عندما تصبح الخيارات الأخرى اكثر جدوي وشرط بقاء. مصر الحديثة نموذج مثالي تعسفي لما أتى به تقرير التنمية الأخير عن الحرية الثقافية، وهي ذاتها تقع في نفس المأزق بعد أن بات التكيف مع العالم مستحيلا تحت ما يرزح فيه أهلها من ثقافة باتت معينا مرادفا للإرهاب والتعصب وتتعسر في الإنتاج ومبادلات السوق.

الجانب الآخر لما يلقي به التقرير علي أسماعنا أن للتعدد الثقافي مزاياه أهمها إعادة اكتشاف الذات في عيون الآخر وخلق توافقات ومغادرة للاستبعادات. فضرورات الوجود في وطن واحد والحاجة للنمو المتزامن والعادل دون افتئات من طرف علي طرف آخر بات ضرورة تلزمها حرية من نوع خاص يكون القبول بالآخر مفتاحها والتعرف علي ما لديه مكسبا. فالتقرير اعتبر أن النظم السياسية الشمولية فرضت نوعا من الجبرية الثقافية التي لا تري سوي ذاتها العليلة وباتت معها التنمية مستحيلة علي المدى الطويل. وهو ما نراه في حال الاتحاد السوفيتي والصين، قبل سقوط الاول وتحولات الثانية، كنموذجين لم يعترفا بالتعدد ويقابلهما النظم العربية والمستعربة في الشرق الأوسط التي لا يمكن إخفاء فشلها رغم إدعاء الوحدة والهوية الصلبة والمدعومة من أديان السماء في بعض الأحيان.


فهناك إذن اتفاق بان المجتمع ذو البعد الثقافي الواحد هو مجتمع ضعيف هش، ومصدر خطر، لا تغذيه شرايينه الداخلية بدماء جديدة ويكره الآخر الخارجي لانه لا يري فيه من صورته شيئاً مماثلاً. والحال في الشرق الاوسط يتقاطع مع التقرير هذا وعبر التاريخ بالسلب والإيجاب. هويات وإديان ولغات متعددة تتابعت علينا ونتبناها. زرعت بينها فجوات لضمان الفصل بينها. بينما واقع الحال يقول بان التاريخ الذي نحمله علي ظهرنا في اتصال ويتبدي كما لو انه حاضر في كل لحظة عندما يستدعي الحال النجدة من الذات بعد تقاعس الآخرين من مد يد العون. الشخصية الشرق اوسطية المتعددة الهويات التي هي همنا الأول والمتعددة الثقافات وطبقا للتقرير هي شخصية ذات ثراء يفوق الشخصية الغربية أحادية البعد ( ابنة الاغتراب الرأسمالي ) والتي كتب عنها فيلسوف مدرسة فرانكفورت هيربرت ماركوز منذ حوالي النصف قرن. فهل نحن غافلون عن ثرواتنا الكامنة بينما نحن على أبواب الدخول إلى الحداثة والليبرالية في نظام عالمي وغير واعين بشروطه ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق