العرب بين الدولة والعصابة
محمد البدري
محمد البدري
إذا كان لمشروع الشرق الأوسط الكبير والواسع ان يتحقق فان مفهوم الدولة والقانون الدولي والعلاقات القائمة علي المصالح الاقتصادية والحريات المدنية هي الأساس في تأسيس المنطقة من جديد. ولان المنطقة مازالت تغب في جهالة وغياب رؤية حديثة للبشر فرادي او جماعات فان قانونها الداخلي المغاير والمختلف والمتناقض لقوانين العالم الحديث مازالت تعمل. والرجوع بالتاريخ او قراءة ما يجري خاليا لإثبات الطرح السابق سهل هين. فكتب التاريخ والتراث تعج بكل أنواع البراهين بان منطقتنا لم يحكمها العقل والمنطق يوما ما في ظل الثقافة العربية الإسلامية. وما نعيه الآن ليس سوي انتقاء الأكاذيب لإرضاء الذات، هروبا من الحقيقة، كي نبقي متماسكين عقليا وذهنيا ومعنويا. ولا معني للقول بشرق أوسطي واسع أو كبير أو جديد إلا بفهم كيف تشكل هذا الشرق وما الذي يجري في شرايينه وبين دولة وما هي العوالق والأمراض التي تمنعه من أن يكون جزءا متحضرا شانه شان مناطق كثيرة علي الأرض.
ما يجري الآن علي ارض لبنان هو استكمال لنفس المنطق الذي حكم وساد المنطقة طويلا. وعود كاذبة وأفكار فاسدة، تنصل من كل الاتفاقات رغم أن العهد كان مسئولا حسب ما يروج له كل الكذابون في شرقنا الأوسط القديم. فرغم ان دول المنطقة، لمجرد انها دول ذات حدود، تشارك في الصنع والموافقة والتعديل واقتراح لقرارات دولية واجبة النفاذ إذا ما أجيزت من هيئة عالمية كالامم المتحدة او مجلس الامن، الا ان واقع التنفيذ محليا يقع في منطقة فكر العصابات وقطاع الطرق بل وكل من تشكو المنطقة من سلوكياتهم التي تهدد الامن الداخلي لدوله.
فعلي ارض لبنان حاليا جنديين اسرائيليين من جهة وباقي الشعب اللبناني باكمله من جانب آخر. الجنديين ينعمان بالراحة والعناية في الماكل والمشرب وربما خدمات اخري لا يمكن، شرعا، الاستغناء عنها طويلا. الجنديان يرعاهما الشيخ حسن نصر الله رضي الله عنه ويقوم بخدمتهما علي اكمل وجه. اما الشعب اللبناني فلانه اعتمد العروبة كهوية فقد بات في نظر نصر وغير نصر الله، من امثال عبد الناصر وصدام والاسد ونميري وكل تلك النماذج العنترية المتهورة والفاقدة للحس الانساني، ممن يحق عليهم كل انواع الظلم وجعلهم هدفا لكل من يريد التدريب علي التصويب والرماية او التعذيب في السجون المحلية.
لبنان جنة المنطقة لم يعجب احدا لا من اصحاب التوجه القومي او من هؤلاء اصحاب التوجه السياسي للاسلام. فعبد الناصر مثله مثل ياسر عرفات وهنية ونصر الله، صمموا علي تدمير كل دول المنطقة واعتبارها محطات للانطلاق لتحقيق الهزيمة الكبري. في مؤتمر القاهرة الاول بعد هزيمة عبد الناصر عام 67 اعتبرت لبنان الدولة الاضعف في الحزام المحيط باسرائيل كمقلب لمخلفات الحروب العربية الفاشلة. وعليه فقد تم ترحل الفلسطينين الي هناك. كان هناك اكثر من سبب لهذا الاختيار. اولها ايجاد ملجا لاخفاء عورات العرب ونتائج حروبهم مع تغيير الخريطة الديموغرافية لبلد يتمتع بتنوع وتعدد ثقافي وفكري وعرقي وديني له صيغة ديموقراطية متجانسة لا يرغب العرب في وجود مثيلاتها علي ارضهم وخاصة في جزيرة العرب. ثم ضرب فكرة الديموقراطية النابعة من التعدد الواقع علي الارض اللبنانية لصالح فكرة الفاشية العربية والاستبداد في القرار حتي ولو انتج اكبر الهزائم واهولها كما هو حادث علي كل ارض قال عنها احد المغنواتية : الارض بتتكلم عربي. ولم يفطن الملحن والمغني وكاتب الكلمات انها ذات الارض التي لم يحدث نصر واحد عليها او رخاء يوما ما عليها بل الدماء واشلاء الاطفال والتدمير المتواصل. فمنذ اليوم الاول لترحيل مخلفات العروبة الفاشلة لم ينعم لبنان بامن وامان.
كانت الاذاعة الاسرائيلية في الخمسينات والستينات تسمي الفدائيين الفلسطينين بالمخربين، باعتبارهم يدمرون ما تم بنائه من مؤسسات حداثية ذات انماط حضارية لا تقوي القبيلة العربية او أي نظام فاشي علي ان ياتي بمثلها. وظلت لبنان كالحديقة الخلفية للعالم العربي تتكوم فيها أشلائه جراء هزائمه المتكررة. بعد ايلول الاسود في العام 1970 خرج لاجئين جدد وبعد ايلول التالي له خرجت جموع اخري كلها تكومت في لبنان. مما جعل المعادلة اللبنانية غير متوازنه فنتج عنها حرب اهلية اوصلت بيروت الي الحصار. لم يعبا العرب بشيء مما يحدث لهذا البلد الجميل، فالهدف هو التخريب سلما او حربا. ففي السلم يعتبروه مكانا للترفية ونشر الرزيلة التي لا يستطيعوا ممارستها في اوطانهم لان رجال الامر بالمعروف والنهي عن المنكر هم المحتكرون لكل وسائل اللذه سرا بالطبع. الم يقل الحديث الشريف: إذا بليتم فاستتروا.
اما اذا لم يرض المواطن بالستر فان له مصر ففيها لكم ما سألتم. ولبنان وتونس وكل البلاد التي كذيت علي انفسها وقالت بعروبتها. عروبتنا هي إذن استحلال لنا من قبل المأزومين والراغبين في فولها وعدسها زمن فاقة العبرانيين او في زمن المثني والثلاث والرباع او ملك اليمين. أما في زمن القومية العربية فان التدمير والخراب بحجة المقاومة. ولا نعرف حقيقة ماذا يقاوم المدعو حسن نصر الله وزمرته. بلاده كلها محررة. ومزارع شبعا عليها خلاف لم يحسم بعد وغالبا هي ارض سورية لا يرغب حزب البعث في تحريرها شأنها شان الجولان الا بعد ان يقضي علي كل طفل وطفلة في عمر الزهور في لبنان. نصر الله يكذب علينا ويتحدث بلغة لا نجد مثيلها إلا في اساطير الاولين. يقول حسن ابو علي انه لن يسلم الجنديين حتي لو جاءه الكون كله. وما فاته حقيقة هي القول : والله لو وضعوا الشمس في يمينه والقمر في شماله لما افرج عن الجنديين. لكن ان يفترض ان الكون في خدمه سعادته وانه لا يقبل بما يمليه الكون فانها والله لخرافة وانا لمنتظرون حيث يكفي الآنسة كوندليسا وبدون حجاب لتفرض كلمتها.
نصر الله بعد برهة قال باستعداده لتسليم الجنديين للحكومة اللبنانية. بعد ان قال سابقا في نفس خطبته العصماء بان من يعتقد باننا سنسلم الجنديين هو واهم .. واهم .. واهم. بكلمات اخري، ولانه لا يريد التفاوض مباشرة مع ابناء عمومته من اليهود رغم ان الاقربون اولي بالمعروف والتفاوض ايضا، فان الاسطي نصر الله يريد الحكومة اللبنانية ان تعمل من تحت امرته، فهو الاعلي وهي التي تفاوض، وهو الذي سيجني النتائج وهي ليست سوي آله تعمل لحسابه، متناسيا ان لبنان دولة لها سيادتها وان الكون كله لن يقبل بان تديره عصابات قومية او اصوليه. لكن ما العمل وتاريخ العرب كله يقول بانه كلما استقرت الامور فان العصابة تقوم بانهاء حالة السلم لصالح مسميات اخري.
ومع اتفاق الطائف الذي املته سوريا علي المؤتمرين فان بنوده لم تنفذ حتي يومنا هذا عملا بالموقف العربي بالاخلال الدائم بالعهود. ومع القرار 1559 فانه وبدون الضغط الخارجي لن يقوم القومجية والاسلامنجية من تنفيذ أي بند منه. فتنفيذ الوعود والعهود والاتفاقات هي استكمال للعمل الديموقراطي بعد توصل الاطراف الي اتفاق نهائي. هنا يمكن لنا فهم لماذا لا ينفذ النظام العربي أي اتفاق او تعاهد الا تحت الضغط. فلانه نظام فاشي يعتبر أي اتفاق بينه وبين أي طرف هو عملية غير ذات مصداقية. فالفاشية تملي ما تريد وتحتكر الفكر والتنفيذ فكيف تنفذ ما لا يتفق وطبيعتها السلطوية او ما جاءها من خلال عملية حوارية. وربما هذا هو السبب في ان العالم المتحضر خارج المحمي الطبيعية المسماه الامة العربية قرر ان يكون حلف الاطلنطي طرفا في تنفيذ أي اتفاق قديما كان ام حديثا. هكذا تحققت نبوءة الكابتن حسن نصر الله واتاه الكون كله للافراج عن الجندين وانقاذ الشعب اللبناني الذي وضعته القومية العربية والاسلام السياسي في موضع تخته النشان للجنود الاسرائليين بكل اسلحتهم وعتادهم ويطلقون عليهم النار بارادة ليست بعيده ان لم تكن هي ارادة الله الذي قام حسن افندي بتاسسيس حزب باسمه. فمن هو إذن العدو الحقيقي للشعب اللبناني؟ اخيرا يبكي السيد عمرو موسي علي ما قرره مجلس الامن لتغافله عن ذكر وقف إطلاق النار. وهي لن تكون البكائية الاخيرة لان بكائية الصومال القادمة في جامعتكم علي شط النيل في حاجة الي ما هو اهم من مجرد الاجتماع بمن لا يملكون من امرهم شيئا سوي تشجيع قيام دولة العقاب المسماه المحاكم الاسلامية، هكذا اصبحت الصومال دولة عربية بجدارة واسلامية عن حق. واصبح امرها ليس بيد عمرو موسي ولا بيد أي عمرو آخر حتي ولو امتلك عصي موسي التي يعرفها الجميع.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق