الخوف - ليس من فضائل الجميع
والشجاعة - لا يملكها أحد
والشجاعة - لا يملكها أحد
محمد البدري
عندما اجبر المفكر والكاتب سيد القمني علي أن يعلن موقفا غير أخلاقي ومناقضا لقوانين الحرية الإنسانية فقد بدت كثير من المفاهيم والقيم التي ظننا يوما أنها من فضائل الثقافة العربية موضع شك، بينما اتضح أن الجبن والخوف وخلق منافقين هو الهم الأول ومن أهداف ومناط الثقافة العربية والإسلامية. فجميع ما كتبه القمني من كتب ومقالات لا ضير عليها أو خوف منها علي ما يقال بأنه العقيدة الإسلامية؟
فالرجل بحث في أحداث التاريخ العربي والإسلامي فيما بين الجاهلية والإسلام. وهي جميعها أحداث خضعت للمنطق وقوانين السلوكيات والطبيعة البشرية والإنسانية. بل وخضعت بالأساس لمفردات وقواعد السلوك في ثقافة الصحراء والبداوة. وهي قوانين وأعراف يعلمها وكتب عنها علماء الاجتماع الدارسين لسكان الصحراء والقبيلة. فما الضير إذن في الرؤية العلمية التي ساقها إلينا القمني وكذلك من سبقه من المستشرقين لتلك الأحداث كبديل عن الفهم الأسطوري والسحري الخرافي لما وصلنا من العرب وعلي لسانهم، والمنقول إلينا عبر أناس أغراب عنا ولم يكونوا ضمن صانعي حضارات الشرق الأوسط الواسع أو يحملون ثقافة ارقي من ثقافة الصحراء كما في حالة أهل الشام ومصر والعراق وفارس وأسبانيا. كان ابن خلدون سباقا لسيد القمني في هذا الأمر، ولم يكن في كلامه وكتاباته ما يشكك في عقيدة التوحيد، رغم أن التشكيك فيها قائم وهناك من يشك فيها صراحة وبعلانية بل ويرفضها لمجرد انه يعتنق ديانة أخرى وهم ويملئون العالم من حولنا شرقا وغربا وتعدادهم يفوق تعداد المسلمين.
فحادثة خطاب التهديد وخطاب التنحي للقمني، رغم انه لم يرتكب جرما في حجم كل من تنحي سابقا ولاحقا، إلا أن تداعيات الحادث وتفاصيله وما يشي به يقول بان هذا السلوك موروث منذ زمن الإسلام الأول، أي ترغيب وترهيب فيما بين الجنة والنار، أو الحرب والغزو لضمان إخضاع من له شبه شك في رسالة سماوية أو دين جديد. فمن قام و يقوم بالتهديد هم أصوليون، أي يطبقون اساليبا أصولية وينتظرون نتائج لتهديداتهم، وهنا وجبت بعض الأسئلة عن كيفية انتشار الإسلام في ضوء ما هو حادث حاليا وهو ما يتفق وقراءة متأنية وموضوعية وهادئة لتراث العرب في جزيرتهم وما كتبوه هم عن أنفسهم. فرغم أن القمني لم يشكك في العقيدة في كتاباته إلا أن التصرفات بالتهديد بالقتل فتحت بابا أوسع من مجرد دفاعات القمني عن الوطن وسيادته وأمنه وحرية أفراده. فالسلوك الأصولي يشي بما يتهم به القمني، فلماذا اتهام القمني إذن وتبرئه الأصوليين عقائديا؟
لكن السؤال الأهم والأكثر إلحاحا هو لماذا يطلب من المسلمين الخوف والجبن والانسحاب من الحوارات فيما هم به وفيه يعتقدون، ويطلب منهم الجبن في النقد والكلام النظري ثم محاربة الاستعمار والصهيونية والإمبريالية العولمة والانفتاح والسوق الحرة ومشروعات ذات جدوي مثل الشرق الأوسط الكبير؟ وهل يمكن للجبناء او الخائفين ان يحاربوا مثل تلك المعارك الكبري تحت رايات الاصولية التي ترهب وترعب الشعوب والأفراد قبل الأعداء المزعومين؟!
في حوار علي فضائية عربية كان موضوعها الفكر االوهابي، سأل مقدم البرنامج محاوره السعودي والعالم ببواطن الفكر الوهابي عن فلسفة الترويع التي تمارس علي الأطفال والصبية بأخذهم صغارا لقبر مفتوح به ما تقشعر منه الأبدان ويوهمون ذلك الغض الصغير بان هذا مصيره لو انه حاد عن الصراط المستقيم الذي هو صراطهم دون صراط الآخرين؟ فالترويع إذن ليس غريبا عن الفكر الحنبلي والوهابيين مع سكوتهم وتكفيرهم لباقي المذاهب التي لا تروع بل تحتضن في سماحة واعتدال ونقاء وصفاء الراغبين في إيمان تهدأ لهم نفوسهم كالصوفية علي سبيل المثال لا الحصر.
واذا ما حاولنا ضبط المعادلات التي عليها يتصارع المؤمنين مع الكفار او الظالمين مع المظلومين طبقا لادبيات الفكر القومي او الاسلامي سنجد ان الهزائم التي نالتنا لا تكفي بل سيأتينا المزيد منها بإذن الله تعالي، إذا ما جعلنا لكل شئ سببا واخذنا بالأسباب طبقا للنصوص الاسلامية. فالخائفين والجبناء ومن ينسحبون بعقولهم حفاظا علي أجسادهم لن يكونوا جنودا في أي معركة ولو كانت عشرة طاولة علي مقهي متواضع. فلماذا يحارب المواطن وهو يعلم مسبقا انه غير قادر علي التفكير وتدبر امره بنفسه بل اوكله الي آخرين لا نعرف مدي قدراتهم سوي التهديد والوعيد والإرهاب. وهل هزائم العرب التاريخية كانت ضمن تلك الاسباب بل وهل كارثة يونيو 1967 ضمن نفس المشروع العربي الذي كان الناس يتحدثون همسا لو ارادوا نقد سلطة عبد الناصر ثم يخرجون يهتفون نفاقا وتأيدا له في العلن وهم علي جهل بخبل سياساته وخطأ تايدهم لها، لا لسبب سوي الجهل بحقيقتها والخوف من بطش نظامه؟
وهناك سؤال آخر ما جدوي اية انتصارات لما يقال عنه ظلما بانه مقاومة في حالة العراق لو سحب الامريكين والبريطانيين قواتهم واستولي الارهابيين علي السلطة لقيادة شعب من الجبناء وذوي العقول المكبوته عن التفكر والتدبر في شئونها؟ كانت قيادة صدام حسين إذن تحت شعارات القومية العربية أو بعد إضافة الله اكبر الي علم العراق ضمن ايديولوجيات الجبن والخوف التي سادت في جموع الشعب العراقي. فاضاف الاشوس والقائد المعجزة تلك الكلمات الي العلم لشد أزر الخائفين، لهذا انكسر في كل معاركه ولم ينتصر الا علي العزل من السلاح من الاكراد وشيعة الجنوب او الكويتيين. لقد انتصر علي شعبه وانهزم اما الجميع.
فمن هؤلاء الذين يزرعون الخوف في نفوس الناس ولاي هدف يسعون؟
لقد اعفت دولة الخلافة الاسلامية الظالمة طوال التاريخ شعوبها من الحرية في الدنيا ومنحتهم صكا غير موقع بحريات هيدونية آجلا في العالم الآخر بشرط دفع الثمن مقدما بطاعة أولي الامر والتسليم عاجلا. ومع ذلك فلم يكن الشرق باحسن حال من الغرب المسيحي المحكوم بكنيسته التي كانت تصرف صكوك الغفران بنفس الشروط الايمانية الاسلامية. فالكنيسة والمسجد كلاهما حددا ما هو مقبول وما هو غير مقبول واعفت الفرد من الافصاح والاعلان عن نتائج حرية عقله او من نتائج قراءته الخاصة بما هو مكتوب وقيل له ولاجداده انها الكلمات التامة. فالصكوك الاسلامية او الكنسية كانت تحتوي شروطا مضمرة وغير معلنه بان الحرية الفردية غير مصرح بمزاولتها، والا ستسحب الحماية في الارض والعفو في السماء ويضيع الفرد الانسان هنا وهناك. هكذا تنازل الانسان في عصور الظلام عن اتخاذ قراره بنفسه في أي قضية دنيوية او اخروية. أي انه صودر بكامله جسدا وعقلا مجانا علي الاقل في الحياة الدنيا مع انتظار غير مضمون لمديونية الصك المدفوع بالاجل لو صحت حقيقة العالم الاخر. ولا نجد وصفا لمثل هؤلاء الناس في مثل تلك الظروف الا بوصفهم خائفين من الحرية التي لا يعلمون لها طريقا. هنا سنطرح سؤالا جديدا: لماذا الايمان، إذن، موقوف علي الخوف والجبن من ممارسة الحرية، ولا حرية نراها في ظل الايمان الا للاصوليون من الكنيسة المسيحية او في الاسلام في الحق فقط في ارهاب الناس وقتلهم والتمثيل بهم؟ وهل كل الجبناء الذين قرروا السلم والتعايش بسلام وامن في حياة هادئة وكريمة لا عنف فيها من ذوي الايمان الناقص وان ايمانهم لن يكتمل الا بتحولهم الي قتلة؟ وبكلمات أخري ان يصبح الانسان حرا فقط في القتل وهو ليس سوي تعبير عن الخوف من امتلاك حريته الحقيقية في التفكير والوجود. فهؤلاء الغير قادرين علي رؤية ومشاهدة ومعايشة الاخر بسبب عدم تحملهم المقارنة بين قدراتهم الهزيلة فكرا وعملا، لا سبيل امامهم الا بنفي الاخر واخفاؤه عن التواجد حاضرا في الزمان والمكان بشكل دائم. لهذا تم نفيه اما بصك ايماني لوقف قدراته الابداعية والانتاجية والفكرية، فان لم يستطع فيتم تخويفه بحد الردة، وان لم يستطع فبالقتل واخراجه من الوجود وهو اقوي الايمان.
الحرية إذن هي في وحدة مع نقيضها وهو الخوف والجبن. تعملان صراعا مع بعضهما وتتبادلان المواقع وتتماهان في بعضهما البعض انتظارا للحظة تنكشف فيها تناقضاتهما للعبور من زمن العصور المظلمة وعصور الايمان الاعمي القائم علي الخوف.وليكتشف فيها الانسان الحي في الوجود والكينونة وليس الميت بالايمان والوعود انه سيد للكون وليس عبدا. لكن هناك بعد آخر خفي في عدالة توزيع الجبن والخوف مقابل الاقصاء التام للحرية، ومرده الي ان الموكل اليهم ولاية الامر وطاعة الرعية ليسوا مؤهلين للتقدم خطوة في طريق التقدم الحضاري لكنهم في حاجة الي مقومات الوجود الحياتي من ماكل وملبس واشباع للغرائز من اجل البقاء. وعليه فقد اتخذوا من الارهاب والترويع وتوزيع الخوف بعدالة وسيلة إعاشة ومصدرا للتربح والتعيش، ولنقرأ تاريخنا مرة إخري في ضوء هذا الطرح فلن نجد سواه في كل ما كتبه الاقدمون الغرباء وليس سيد القمني.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق