مأزق إسلامي بين الكتاب والسنة
محمد البدري
بجانب الشهادة بان لا إله إلا الله كما يفترض الإسلام علي أهله أن يصدقوها قولا وفعلا طواعية أو كرها فان الصديق والباحث د. أحمد صبحي منصور تحلي بقدر من الشجاعة الفكرية والإقدام علي تحريك الكثير من مخلفات الفكر الإسلامي وما ورثه سكان المنطقة مع تعدد ثقافتهم واختلاف مشاربهم.
فقضية تناقض القرآن مع السنة النبوية هي قضية قديمة قدم القرآن ذاته وقدم أقوال السنة المنقولة شفاهية شأنها شأن القرآن. وحقيقة الأمر لا تعود فقط إلى عصر النبوة بقرآنه وسنه أهلة إنما تعود إلى المجتمع العربي الجاهلي الذي افتقد الكتابة والتدوين للاحتفاظ بمنقوله التراثي عبر الأجيال وطوال التاريخ. فبعكس باقي مجتمعات الشرق الأدنى القديم فان جميع المجتمعات المحيطة بجزيرة العرب في بلاد فارس ( إيران ) و بابل وآشور ( العراق حاليا ) ومصر وفينيقيا ( لبنان حاليا ) ومصر التي لم تتغير واحتفظت بهويتها حتى ولو تحدثت حاليا باللغة العربية كانت قد تخلصت من الشفاهية من عصور ما قبل التاريخ وعرفوا الكتابة والتدوين مبكرا. لوحة الملك نارمر موحد القطرين تثبت أن مصر بلغتها الهيروغليفية عرفت الكتابة والتدوين منذ 3100 عام قبل الميلاد. واللغة المسمارية واعراف الكتابة في بلاد سومر وما تلاها من حضارات في ارض الرافدين حفظت لنا الملاحم القديمة وأساطير واديان الشعوب العريقة في تلك الأراضي. ومنها عرفنا الأصول لما أتت به كتب الدينات الإبراهيمية بشعبها الثلاث ( يهودية ومسيحية وإسلام ) حيث يتداولها ويتصارع علي امتلاكها أبناء العمومة من العرب والعبرانيين.
وهنا بيت القصيد، فالعرب والعبرانيين لا يشتركان فقط في الجد الأعلى او شيخ القبيلة الأول لكن منابعهما الثقافية وآلياتهما الحضارية جد متشابهة وتكاد تتطابق من حيث الشكل والمضمون. كلاهما شفهي لا يعرف الكتابة لهذا لم يدون الهكسوس شيئا عن أصولهم ولم يقوموا بما يقوم به المصريون من تثبيت لتاريخهم علي ارض مصر. وعندما احتلها الفصيل العربي من أبناء العمومة زمن الغزو العربي لها تتكرر الصورة الهكسوسية. فلم يدون العرب شيئا أيضا حتى انتهي حكمهم لمصر. مع ولاية بن طولون المملوك العباسي والتركي الاصل، بدأ ابن عبد الحكم كتابة وتدوين تاريخ مصر مرة أخري. الارتداد من عصور التدوين إلى عصور الشفاهية هو انتكاسه وامر طبيعي أن يكون الأدنى حضاريا مفتقدا لمقومات حضارية تحجز له موقعا عبر التاريخ وليكون له شأن عندما يراجع التاريخ ذاته ويعطي كل ذي حق حقه فيما ساهم به في الرقي الإنساني والتقدم الحضاري. ابن خلدون كان سباقا في كشف كيف ينهار العمران بعد ان تحكمه البداوة وتنهار القيم وتعود إلى الصدارة النصوص الممتلئة بالمغالطات والأكاذيب والاهم افتقادها للخلق وللسلوك.
فما طرحة د. أحمد صبحي منصور يعود في المنهج الي تلك القضية فيما بين ثقافة الشفاهية و ثقافة التدوين. فكم هو مثير للشفقة ان يعيش كل سكان الشرق الاوسط الواسع تحت هيمنة ثقافة الشفاهية التي هي بدائية وتعود الي عصور البداوة، بعد ان اجبرتهم الفتوحات العربية والغزو لبلادهم ان ينسوا التدوين ولو مؤقتا حتي تزول الغمة كما زالت بطرد الهكسوس وعودة الفنون وآداب لتحتل موقعا في بصريات الاجيال اللاحقة تربية وتثقيفا. فقلبي وعقلي يعرف كم عاني د. منصور فيما هو فيه يبحث وعن أي شي يحاول إنارة العقول لما هم فيه تائهون. فالازهر ( الشريف ) يقف له بالمرصاد ووضع بينه وبين رزقه حائلا وحرمه من كرسي الاستاذية كما لو ان مشايخ تلك المؤسسة باتوا من متعهدي توزيع الارزاق نيابة عن الله او إغتصابا لسلطاته علي الأرض. فمنذ استمرؤا طرد الدكتور وحرمانه من حقه الاكاديمي انفتحت شهوتهم لتكفير فرج فودة وتطليق نصر ابو زيد وربما يقفون ضد أسامة أنور عكاشة و مع عمر بن العاص في الدعوة المقامة من محامي الاموات، رغم كثرة سيئاته ومبازله وتدليسه علي اهله وقومه وعشيرته فيما عرف بالتحكيم الذي فاز به معاوية بالخلافة. فهي قضية تعود لانحياز مشايخ الازهر التكفيرين الي اهل الكذب وغض البصر عن الحق. فنذ عصر التحكيم وتصعيد من لا يستحق الي سدة الحكم وغبن من كان له حقا، استمر الحال علي حاله حتي زمن الدكتور منصور وعكاشة.
فهل من الممكن الافلات من منهج الشك الديكارتي فيما قاله البشر ولو نطق به الانبياء والصحابة. فمن منا لم تساوره بادرة شك واحدة فيما قاله الأقدمون أو فيما ترسخ في عقولنا من حقائق بكونها حقائق لمجرد أن الجميع يرددها. سيكولوجيا الجماعة وعلوم النفس تنفي صحة أي شئ يتفق عليه الناس طالما لم تثبته الطبيعة او قوانين المادة.
بحت الدكتور منصور يقع بكاملة في ظلال المنهج الديكارتي بعد ان راجع ذاته المصرية واخلاق ابناء الحضارة المصرية القديمة وحسن معشرهم في استنكار ان يطلب النبي مضاجعة إمراة ولو كانت مليحة وذات جمال. ثقافة قريش وما أتانا منها لم تستنكف ذلك. هم جاؤا لنا بعسكر بقيادة عمرو بن العاص معهم كلمات الله ورسالة نبيه تستلزم صلوات الله عليه ومعهم ايضا اتهام بالتحرش الجنسي ومحاولة المضاجعة. فالمرأة ذات حياء والنبي ايضا ذو حياء والخلق القويم وكريم الخلق يانف من مثل تلك الامور. فمن منطلق خلقي بحت استدعي د. منصور منهج ديكارت ليتصفح به اقوال السلف الصالحين فيما دونته السير والملاحم الاسلامية. كتب فضيلة الدكتور صبحي منصور:
" إذ يروى عن بعضهم حديثاً يقول "خرجنا مع النبى (صلى الله عليه وسلم) حتى انطلقنا إلى حائط- أى بستان أو حديقة- يقال له الشوط ، حتى انتهينا إلى حائطين فجلسنا بينهما فقال النبى: اجلسوا هاهنا ، ودخل وقد أُتى بالجونية فأنزلت فى بيت نخل فى بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل ومعها دايتها حاضنة لها ، فلما دخل عليها النبى (صلى الله عليه وسلم) قال: هبى نفسك لى. قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة، فأهوى بيده عليها لتسكت فقالت: أعوذ بالله منك.. (راجع البخارى الجزء السابع ص 53).
وبالتمعن فى هذه الرواية الزائفة نشهد رغبة محمومة من البخارى لاتهام النبى بأنه حاول اغتصاب امرأة أجنبية جىء له بها، وانها رفضته وشتمته باحتقار . فالراوى يجعل النبى يذهب عامداً إلى المكان المتفق عليه وينتظره أصحابه فى الخارج، والمرأة الضحية- واسمها الجونية- قد أحضروها له، ونفهم من القصة أنها مخطوفة جئ بها رغم أنفها. ويدخل النبى فى تلك الرواية المزعومة على تلك المرأة وقد جهزتها حاضنتها أو وصيفتها لذلك اللقاء المرتقب، والمرأة فى تلك الرواية المزعومة لم تكن تحل للنبى لذا يطلب منها أن تهب نفسها له بدون مقابل، وترفض المرأة ذلك بإباء وشمم قائلة "وهل تهب الملكة نفسه للسوقة؟" أى تسب النبى فى وجهه – بزعم البخارى – وبدلا من أن يغضب لهذه الاهانة يصر على أن ينال منها جنسيا ويقترب منها بيده فتتعوذ بالله منه ، أى تجعله- فى تلك الرواية الباطلة- شيطاناً تستعيذ بالله منه.. ولكن ذلك البناء الدرامى لتلك القصة الوهمية البخارية ينهار فجأة أمام عقل القارئ الواعى.. إذا كان الراوى للقصة قد سجل على نفسه أنه انتظر النبى فى الخارج فكيف تمكن من إيراد الوصف التفصيلى والحوار الذى حدث فى خلوة بين الجدران؟؟ "
الإلحاح الذي مارسه العرب في ترديد أقوال السلف لا يعني صدق القول لمجرد أن تكرار الشئ يعني صدقه. فقد خلي الفكر العربي والاسلامي من أي منهج مقارن مثلا لفحص ما صدقوه و اتونا به. رجال الدين الآن والأزهر خاصة يشددون بعدم جواز الفتوي أو الشرح والدعوة إلا من تملك ناصية علوم الدين من إتقان للغة العربية وقواعدها من صرف ونحو كذلك باقي العلوم التي اتفقوا بأنها شرعية لكن سرعان ما ينكرون تلك النصائح، حتي ولو كانت النصوص تضرب بالخلق عرض الحائط. فلماذا يناصب رجال الازهر د. منصور العداء لمجرد انه حاول وضع النص في حدود الاطر الخلقية قبل ان تكون مجرد نصوص ولو كانت داعية للفاحشة. لكن هناك بعض العذر لما ورثناه من نصوص إذا ما تحلينا بنظرة اكثر سعة من هؤلاء السلف الناقل لكل هذا الركام من التراث. فالقرآن نفسه يقر بمبدأ الهبة وفي أن تهب المرأة نفسها كما اتي في سورة الاحزاب آيه 50. " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ".
فاين المشكلة إذ فيما قاله السلف من احاديث وبين نصوص القرآن وبين فحص د. صبحي منصور. ولن نزيد المسألة تعقيدا لو اضفنا تحليلات الغربيين من أمثال مكسيم رودونسون في كتابه الهام " محمد " او تيودور نولدكة في كتابه "تاريخ القرآن" وآخرين كثيرون. هؤلاء تحدثوا عن الامر من خارج حظيرة الايمان او علي الاقل من خارج النسق الاسلامي لكن مشتركاتهم مع باقي البشر مسلما كان او غير مسلم هو العقل والمنطق. ولا يمكن لاي مماري او حانق من ناحية او غيور علي دينه من ناحية أخري ان يقول بغياب العقل عن الذات الالهية او فيما قاله لنبيه الكريم.
الحديث إذن بات موضع شك في الحاضربعد أن كان موضع شك في الماضي. فالبخاري يقول في مقدمة " صحيح البخاري " ان ما وصله من أحاديث يصل الي ستمائة الف حديث لكنه غربل وصفي فوصل بهم الي اربعة الاف. فكم هي نسبة الاكاذيب المنطقية والخلقية فيما تداوله شفاهة السلف العربي في جزيرة العرب. وعملية جمع القرآن ايضا في قصة القتلي من الحفظة في معركة اليمامة تنفي امكانية تدوينه لحظة تلقيه من الوحي. وقصة البحث عن مخرج لواقعة الزني، في الاية التي نسخت وقالت ام المؤمنين عنها انها كانت ضمن ما لديها لكن ماعزا أكلتها. كلها هذا واكثر يقع ضمن إخطاء ثقافة الشفاهية التي تفلت كل مرة من الحساب عندما توفق وتلفق النصوص لمصلحتها في غياب مدونات سابقة ومرجعية معتمده. طرح الدكتور منصور يعفينا من قول الكثير عن تراثنا الذي نحمله لكن يمكن اختصار القول في ان التدوين يعف عن ان يكتب ما هو غير منطقي وخارج عن الاخلاق، بينما الشفاهية تسمح بالكثير من الحكي حتي ولو باتت العفة خارج الحساب. ومع ذلك فلم ينجو المكتوب والمدون في تراث العرب من اشياء يعف عنها اللسان وتخجل منها النفوس.
الدكتور منصور في غيرته الشديدة علي الدين الحنيف بات يكمل المشوار الذي بدأه الفرس والاتراك واهل العصر العباسي في تصحيح وتقوي للاعوجاج فيما وصلنا من تراث بات دينا لشعوب الشرق الاوسط الكبير. فمعركة التخلف والجهل في بلادنا لها إذن سبب في عدم الالتزام بما هو ثابت وليس لمجرد ان هناك من توافقت اهوائهم علي صدقيته طبقا لمصالحهم. آخر فضائح مجتمع الشفاهية وعدم التدوين لحظة الحدث رغم عيشتنا في عصرالعلم الحديث والتكنولوجيا الدقيقة والاقمار الصناعية وحساب الزمن باالنانو ثانية وليس بالاردب او حفان تمر، ان هلال الشهور اصبح يرصد باثر رجعي. ففي الرابع من شهر ذي الحجة الحالي خرج علينا مفتوا الاصولية بانهم راوا الهلال ياثر رجعي وبتنا في اليوم الثالث من الشهر بدلا من الرابع. فيالها من آلة زمن اسلامية تعود بنا الي الماضي وتفوقت علي نظرية اينشتين المغشوشة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق