سلمان رشدي يدعو لإصلاح إسلامي
أي داوني بالتي كانت هي الداء
محمد البدري
أي داوني بالتي كانت هي الداء
محمد البدري
لأن الدين، في نظر المسلمين طبقا لثقافة الإسلام، ليس موضوعا للنقاش بل محل للإيمان، فقد بدا موقف سلمان رشدي، الهندي الأصل والمسلم إيمانيا في نظر المسلمين، غريبا وشاذا مما استلزم فتوى الخميني بقتله. ولأن الثقافة العربية بشقها الإسلامي لم تخرج لنا حوارات في الدين بشكل مباشر واضح، لحل مشاكله المعرفية والمنطقية، كما كان عليه الحال زمن المعتزلة في العصر العباسي حيث أقام العقل المعتزلي وإخوان الصفا محاورات علي الطريقة اليونانية فيما قرأناه في محاورات سقراط ومن بعده أفلاطون، فقد بدا الحوار من داخل النسق الديني في بلادنا شيئا غريبا لم نعهد مثله من قبل.
ولم تجد و دعوة الإصلاح الديني التي ملأت صحفنا حتى من قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر من يموضعها في حوارات مع رجال الدين الحاملين لصكوك المعرفة اللاهوتية والموكل إليهم الحديث في تفاصيله، رغم أن أصحاب المصلحة فيها هم الناس العاديين علي اختلاف تنويعاتهم. بل لم يشترك أحدا من العوام ولن نقول الدهماء والسوقة رغم اشتراكهم إيمانيا مع اعتي المثقفين وأصحاب التوكيلات الدينية أو ممن تحولوا من إيديولوجيات دنيوية مادية الي حالة دخان وضبابية لمجرد أن أصبحت مفرداتهم ضمن القاموس الديني واستشهاداتهم بالآيات والأحاديث. وهو موقف يدفعنا دوما الي الحديث عن الأرضية الأوسع من الدين أو الثقافة وهي الديموقراطية وحرية الكلام والحوار فيما نحن به مؤمنون. فكيف يكون الناس رغم مستوياتهم المتعددة ممتنعون عن الحديث في الدين بينما هم به مؤمنون؟ وهو ما يطرح السؤال تفكيكا للإجابة التي حددتها أولي كلمات المقال. لماذا آمن الناس قبل أن يناقشوا ما آمنوا به؟
ففي الأسبوع الماضي دعي سلمان رشدي صاحب الرواية إياها الي إصلاح إسلامي. فالرجل كان صريحا كما كان صريحا في رواياته التي سنعرض لها حالا. مثقفي مصر وباقي عالم الشرق الأوسط لم يكونوا بنفس صراحة رشدي فالجميع قال بالإصلاح الديني تمشيا مع، ومتماهين في المشروع الأوروبي زمن عصر النهضة والإصلاح. لهذا لم يذكر الإسلام مباشرة كمعتل في حاجة الي إصلاح. في حين أن الجميع يعرفون أن ما هو في حاجة الي الإصلاح هو دين الشرق الأوسط السائد وهو نفسه دين من قاموا بكل هذه العمليات الإرهابية وباسمه وفي ظل فتاويه ومفرداته كالجهاد مثلاً. حجة رشدي في الإصلاح هو ضمان دخول عالم المسلمين الي العصر الحديث مع إزالة حالة الاحتقان مع باقي الشعوب والثقافات التي عاداها الإسلام ورجاله وتابعيه من المتشددين وفي قول آخر الإرهابيين. فما المتوقع إذن من رجال الدين ومشايخ الإسلام الذين تباطؤا وتلكعوا في الإصلاح الذي يحتاجه الجميع؟ لقد جاءهم الغيث ممن أفتوا بقتلة واستباحته عملا بالحكمة " داوني بالتي كانت هي الداء".
فأين الداء إذن فيما قاله الرجل عن الإصلاح؟ وما الداء في روايته التي استوجبت قتله؟ وهل كنت الحوارات الغائبة و المفقودة، علي طريقة سقراط وأفلاطون، في الثقافة الإسلامية هي بيت الداء؟
بداية فروايته " آيات شيطانية " هي عمل أدبي يحتل فيه الخيال موقعا فريدا ومساحة كبيرة وشططا حلالا لأنه خيال في المقام الأول. وتبقي مسالة النوايا التي يحلو لرجال الدين الإسلامي التفتيش فيها بكل همة دون أي إحساس بالعدوان علي العقل الإنساني. فالفكرة الأساسية في تلك الرواية هي قلب العالم. ومن منا لم يفكر يوما في قلبه؟ أليس كل الثوريين يريدون قلبه ليأتي علي هواهم. بل أليس الإسلام خاصة والدين عامة جاء لقلب ما هو قائم ليعيده الي ما يتفق وهواه أو خياله. فكيف تكون الشرعية والفعل حكرا لمن يملك الايدولوجيا والسلاح والدبابة والمفخخة للتغيير ونعتبرهم أبطالا ونتهم أصحاب الخيال الأدبي الذي لم يؤذي أحدا ولم يسفك دماءا بعسف الكفر واستباحة الدماء. ألا يدعنا الأمر لصك الحكمة " كافر مسالم خير من إرهابي مؤمن "
وماذا لو أتت دعوة سلمان رشدي للإصلاح أكلها وانصلح حال الأمة العليلة والمعتلة والعاجزة والمشلولة والعدوانية؟ فرواية سلمان رشدي التي استبيح فيها دمه بنهاية عقد الثمانينات لم تكن سوي اختزال عقلي وفكري لحياتنا وثقافتنا الدينية ورؤيتنا المعرفية عن الكون التي صبها فينا الإسلام الذي بات في حاجة الي الإصلاح. فالطائرة التي سقطت مع بداية روايته " آيات شيطانية " ومات ركابها عدي اثنين فقط لم تكن سوي تعبير عن الأرض وموت سكانها، من فني هم سكانها المتناحرين علي كل صغيرة وكبيرة، حق أو باطل. فما الذي يبقي إذن بعد فناء الكون، ومن هم الناجون بعد نكبة الطائرة؟ إنهما الخير والشر، أي الله والشيطان في المخيال الديني والقيمي والأخلاقي المؤسس عليه مجتمعات الإنسان البشري الطبيعة وبطل صراعاته بين هاتين القيمتين، الخير والشر والتي سيعود الصراع بينهما مجددا لو بات الخلق من نصيب هذا الكوكب أو أي كوكب آخر.
جلس كلاهما يتناقشان في وضعهما الجديد دون بشر من لحم ودم يمكن ترغيبهم وترهيبهم وهم أصلا في حالة سعي محموم للإشباع دون قانون ضابط أو حاكم لسلوكياتهم. هكذا جلس الخير والشر يندبان حظهما فيما آلت إليه الأمور بعد فقدانهما كتلة اللحم التي طالما تلاعبا بها شدا وجذبا ترهيبا وترغيبا عنفا أو تدليلا. فالخير يريد خلق كون جديد ويعيد سيرته الأولى، إلم يقل في سابق عهده " يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {39} التوبة. عندها سارع الشر معترضا ومتسائلا: وكيف كان الحال في الطائرة؟ الم يكونوا منقسمين رغم كل الرسل الم يختلف أيضا أهل الرسالات الم يسد الشر والحروب وسفك الدماء. واقترح الشيطان أن يخلق هو كونا جديدا وبشر جدد. ولأنهم من صناعته، هذه المرة، فلن يكونوا في أحسن تقويم ولن يكونوا خير أمة بل عالم من الشيطنة مؤسس علي الرزيلة والفساد. وعليه فسيرسل لهم كتبا تدعو للفسق هي آيات شيطانية. وعلي الخير أن يغويهم بالفضيلة بعكس الأمر في سابق العهد زمن الطائرة المنكوبة عندما كان الإغواء بالرزيلة من الشيطان. ولان الحال كان مقلوبا في تلك الطائرة الكونية حيث سادت الحروب وسفك الدماء بين أقوام هم في أحسن تقويم فربما ينعكس الحال في الكون الجديد الذي هو صورة مقلوبة للخلق السابق. ولان الشيطان وقوي الشر التي تلاعبت بالبشر في الزمن المفقود كانت منتصرة فربما ينعكس الحال أيضا إذا ما خلق الشيطان الكون الجديد وأرسل رسله وآياته الشيطانية التي لن تنفع كما كان في سابق العهد وينجح الخير الذي يقوم بدور الغواية بالهداية والصراط المستقيم. عندها يمكن أن يتحقق ما لم يتحقق في الطائرة المنكوبة.
هكذا سارت الأحداث وجري السرد القصصي والروائي بما لا يشتهي المؤمنون فكل شيء معكوس. الخيال هنا هو الأساس الذي قامت عليه العمل الأدبي والصورة المقلوبة أو المعكوسة لما جبل البشر علي الإيمان به هو السياق الذي جرت علي إيقاعه المشابه للأحداث.
سلمان رشدي هذا الذي عكس كل شئ في المخيال الإنساني يأتي مجددا بعد إختباء وهروب من إرهابي مؤمن، ليقول بما لم يقله الأوائل من رجال الدين الأفاضل به و داعيا للإصلاح الذي عجزنا نحن عنه وعجزت معه كل مؤسسات الخير والفضيلة بكتبها وفتاويها. وكما كان الرجل صريحا فيما جال بخياله العميق والخصب فقد كان أيضا علي نفس الدرجة من الصدق حينما قال بإصلاح إسلامي وليس إصلاح ديني.
فالروائي الهندي الأصل والمسلم الديانة بدا ساعيا لمساعده أهل ملته علي الخروج من مأزقهم التاريخي تجنبا لخرج أصحابه من أوروبا عامة وإنجلترا خاصة كما خرجوا من الأندلس قديما. رشدي يري أن الإصرار من داخل الإسلام بان النص القرآني معصوم لا يعني سوي أن أي تحليل علمي لأي حدث قديم أو حديث بات مستعصيا علي التفسير في ظل نص لا يسمح بالتأويل أو الخيال أو الإزاحة. وتساءل في شجاعة لم نجدها من رجال ومشايخ الإسلام " لماذا تريدون أن يكون الله متأثرا بالمعطيات الاجتماعية والاقتصادية لشبه الجزيرة العربية في القرن السابع دون باقي بقاع الأرض وأزمنتها المختلفة"؟ وهو هنا ينافح في مقولة " العبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب ".
وسلمان رشدي يري انه لو اعتبرنا القرآن وثيقة تاريخية تدخلت فيها إرادة الثالوث - الخير والشر والبشر، فإن إعادة تفسيره تصبح شرعية تكيفا مع الظروف المستجدة للحقب التاريخية المتعددة. في هذا السياق لو أمكن أن تتسع صدور رجال الدين له فان ما طرحة من عكس لقصة الخلق في خياله الجامح بروايته المثيرة للجدل والخيال لم يعد لها من معني سوي رفع سقف الفهم للتراجيديا الإلهية ليجتهد الناس في فسحة متسعة من الخيال ثم استيعاب جديد لواقعهم الضيق الذي انتهي بهم الي سقوط طائرتهم في خياله هو أو طردهم واعتبارهم إرهابيين في جنة أوروبا حديثا والأندلس قديما.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق