الأحد، 2 مايو 2010

الفتنة والسلطة في الإسلام

محمد البدري



لو أن المعارضة بغرض تبديل السلطة هي فتنة، وان الإسلام يخلو، كما هو حادث، من أية وسيلة آمنة لتولي السلطة أو تغييرها، فما معنى دولة مدنية بمرجعية إسلامية بها معارضة لنظام الحكم؟ فتاريخ الإسلام يعج بالفتن وتجد دائما من يوقظها دون أي اكتراث باللعنة.. فإذا كان الإسلام دين ودولة ولا يفي بشروط تداول السلطة المفترض أن تتغير باستمرار فإننا نعيش حياة كلها فتن. بهذا يمكن فهم عدم الاستقرار الدائم طوال التاريخ الإسلامي. ونسأل، مجددا، إذا كان "الإسلام هو الحل" كما يدعي البعض، فلماذا ظهرت المعارضة طوال تاريخه وأصبحت الفتنة في يقظة دائمة؟



كان المجتمع العربي قبل الإسلام بلا تاريخ، لأنه بلا تدوين وفاقد للمعرفة والذاكرة. المعرفة لم تأته بجهد داخلي إنما من خارج الكون تحركه نصوص الأديان بينما سلطته السياسية من لب الوقائع والأحداث. لأنه لا سلطة بلا معرفة، فإن صاحب المعرفة ومتلقي النصوص كان صاحب السلطة الوحيد. وبدونها يكرر المجتمع نفسه ويعيد تجاربه ويرتكب نفس أخطائه ولا يتقدم أبدا لافتقاده تجدد المعرفة بانتهاء مصدرها. بهذا كتب على أهل الإسلام وتابعيه أن يظلوا في احتراب لا نهاية له حتى ولو استقر الوضع وخرج النفط وعمرت الأرض ورضوا عن الأمريكان ورضي الأمريكان عنهم.



مع اكتسابنا للثقافة العربية لم يعد ممكنا حل أية مشكلة بشكل نهائي لوقوف النص حائلا بيننا وبين اكتساب المعرفة أو إنتاجها وبالتإلى عدم أهليتنا لاستلام السلطة. وأصبح تدخل الخارج لصالح حلول جاهزة يضيف مزيدا من التعقيد، العراق والسودان والصومال ولبنان حديثا، نموذجا. لهذا تروج الدولة الاستبدادية الدين وترعاه لديمومة السلطة بقدر ما تستطيع ولمنع لوقوع الفتنة كقدر ومكتوب على كل المسلمين. وبنظرة إلى دول الإسلام فكلها تعج بالمعارضة أي بالفتن. وهي ذات التسمية التاريخية الإسلامية مما يعني أن المشكلة الأولي والقديمة لا زالت متأججة وتعكس نفسها في كل خلاف مستجد. أما الوجود الأمريكي فليس سوى عامل مساعد لكشف عورة المجتمع العربي / الإسلامي. فأحداث الفتنة الأولي زمن الإسلام وقعت على ارض العرب وبدون أمريكان. وصدرت لباقي الأمصار على أنها جزء من أحداث الإسلام، إن لم تكن أهمها لأنها حددت مسار التاريخ فيما بعد. ولم يكن للنص القرآني أية ذنب فيما وقع زمن الفتنة الأولي إلا بقدر خلوه مما ينبغي عمله في مثل هذه الظروف ومع ذلك فنحن ضحايا الحدث رغم اعتناقنا للنص الذي لم ينقذنا من أفعال العرب سياسيا. صدق من قال الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها. حقيقة الأمر، هي متيقظة بشكل دائم وليست في حاجة لأحد لتلعنه السماء إذا ما أيقظها. فكلما تأزم موقف السلطة السياسية القائمة في أي مجتمع إسلامي نجد ما يسمي فتنة جاهزة كأول الحاضرين لان المعرفة غائبة والمعارضة متأجّجة والسلطة في خطر ومتاحة للسطو عليها باستمرار.



الفتنة الأولي (الخميرة) وقعت لحظة وفاة رسول الإسلام. كان الرسول يمتلك كلا من السلطة السياسية والمعرفة الدينية على أتباعه. وقتها لم تكن هناك معرفة أخرى لأنهم أمة جاهلية. بوفاته أصبحت السلطة السياسية ساحة صراع ومحط طمع واغتصاب. ولم يكن ممكنا أن يتولاها احد إلا ومعه السلطة الدينية أيضا التي تمثل المعرفة وحيا. لهذا قال ابن خلدون أن حياة العرب تقوم على النسب والعصبية وبقيادة دينية ووحي. ولأن طبيعة الحكم القائم على العصبية، وهو ما نهى الإسلام عنه، ممكنة وان المعرفة بالدين ملزمة فان تولي السلطة لم يعد سهلا أو يمكن تمريره بسهولة ويسر. كان من المفترض بعد أن تليت الآية " اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عليكم نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً " أن يسأل سائل في المعرفة السياسية ولو لمرة واحدة. بل وعندما فوجئ المسلمون بوفاة رسولهم لم يتوقف احد ممن اسلموا في ذلك الزمن ليسال لماذا لا نبحث في القرآن عن كيفية تولي السلطة، بعد أن أطمئنت نفوسهم بالإجابة عن أسئلة الحيض والنفاس وتقسيم الغنائم. كانت أسئلة المعرفة زمن النبوة عن كل شيء من الروح إلى الأنفال إلى المحيض ما عدا السياسة. كان أسئلتهم فيما يمكن للعلوم الطبيعية اكتشافه فهل فاجأ الموت الناس وقتذاك قبل أن يطرح أحدهم سؤال الفتنة: ما العمل إذا نشأ فراغ سياسي؟



عند الوفاة أصبحت السلطة السياسية على المشاع ومطمعا لأي مسلم، أما السلطة الدينية فباتت منعدمة لانتهاء الوحي الذي توقف بوفاة الرسول. بالفعل كانت لحظة عصيبة على هؤلاء القوم. لكن مكاسبها الأرضية وأموالها المجباة لم تكن محل جدل أبدا. فأبو بكر حارب من اجلها من عندياته دون اكتراث برأي عمر وبدون مرجعية من الكتاب أو السنة تجعله هو بشخصه صاحبها. فالتراث الديني وكتب السير لم تسأل عن تلك السلطة الدينية، فهم على علم كاف بكيفية إدارة مكتسباتها، مع غض الطرف تماما عن أي معرفة يحتاجونها مستقبلا.



لحظة الاجتماع في بني ساعدة كانت فاصلة. وكاشفة للفراغ السياسي المتولد. فبنية القبيلة وعلاقات القرابة تكفلت بإيجاد البديل إن لم يكن جاهزا من قبل. حالة الإسلام لم تكن بعيدة عن هذا الموروث القبلي، وخاصة أن الوحي لم يأتِ بما يحل الإشكال وقت وقوع البلاء. هكذا قتل سعد ابن عبادة بعد فترة من انتهاء أحداث بني ساعده وقالوا قتلته الجن، ولم يقم احد الحد على أي جني. وساعد غياب ابن أبي طالب (ذو القرابة الوحيد) عن الأحداث على تسوية الأمر على عجل بين المهاجرين والأنصار فهو لم يكن حاضرا القسمة. في تلك اللحظة تولد جنين الفتنه وظل في رحم المجتمع. فسعد ابن عباده كان سيد الأنصار. والأنصار هم أهل المدينة ومن نصروا النبي بعد هجرته أي أصبحوا له شيعة وأنصارا. فما أن تفجر الصراع ثانية بعد حوإلى ربع قرن مع حادثة التحكيم بين الأشعري وابن العاص حتى ولد رسميا ما سمي بالشيعة.



ظل هوى السلطة - أي الفتنة - لدى المجتمعين في بني ساعدة كامن حتى قتل عثمان وتفجر موضوع الموروث القبلي عند على ابن أبي طالب مطالبا بها وطالبا الخضوع لولايته. فهو يمتلك ناصيتين. الأولي قرابته للنبي والأطول عهدا بالإسلام من كل من سبقوه إلى السلطة. فغياب النص الديني عن كيفية تولي السلطة جعل ابن أبي طالب يطالب بها على نفس النسق القبلي المتعارف عليه من نظام القرابة باعتبار أن الإسلام قبيلة جديدة على أنقاض قريش. فالثلاثة الكبار قضوا نحبهم وهو رابعهم وله درجة قرابة تزكيه علىهم. لكن شروط اللحظة كانت قد اختلفت تماما عن لحظة بني ساعدة. لم يكن الناس وقت مقتل عثمان على استعداد للإثراء هربا من فقر وتعاسة يقول عنهم أبو ذر: كيف لا يخرج من لا يجد قوته بسيفه على الناس. مذكرا أهله وفقراء الخلافة الراشدة بمنهج المسلمون الأوائل. مما يعني أيضا أن النظام الاجتماعي وتقسيم الثروة وطرق المعيشة لم تكن أبدا عادلة. فلم يعد الناس في حاجة إلى من يذكرهم بالتقوى والورع أو بالتقشف والزهد أو بالانضمام إلى الدين الجديد بل هناك بلاد كثيرة تحتاج إلى حكام وأمراء حكم وتحصيل للغنائم. والناس لا تري في على النموذج فهو كان يوزع أموال بيت المال أولا بأول فيما وضع يده يديه بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان ولا يبقي شيئا خوفا من طمع الطامعين وبعدها يكنسه ويرشه بالماء استعدادا لاستقبال الغنائم مجددا.



فالفتنة هنا فتنتان. فالسلطة وتوليها وكيفية انتقالها لم تحسم لا دينيا أو عرفيا تبعا لموروث القرابة عند العرب والتي تذكرنا بحديث ربما كان موضوعا فيما بعد لتبرير حدث سياسي بأثر رجعي مفاده أن الانبياء لا يورثوا تبريرا لأخذ زمامها لابو بكر وانتهاء بمعاوية. وان النموذج المطلوب والذي يتمناه الناس لم يعد في بلاد الحجاز إنما في الشام وبلاد الغنائم والأموال. فظلت مشكلة السلطة في الإسلام معلقة للهوي أو الخبرة دون تراث سياسي. مما دفع معاوية لاحقا ليجعلها ملكا عضوضا. فهو رجل من سلالة تجارية يعرف معني الثروة وسياسي من بطن قرشي كأبيه أبو سفيان. معاوية لم يكن على استعداد لفقدان ثروة طائلة وقعت في يديه وتغطي مساحة الشرق الأوسط كاملا لمجرد خلو النظام المعرفي الإسلامي الجديد لدي العرب من ايه نظام سياسي يولي السلطة وينزعها. فليكن هو السياسي دون تراث لأمة لا تحكم إلا بالعصبية والدين وتخلو من تشريع سياسي. وليكن هو المحقق لقول الله تعإلى " قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"



اختلاف العلماء لتولي السلطة ليس برحمة كما يدعي فقهاء الدين. فلا يعقل أن يطالب البشر بالاجتهاد والاختلاف في أصعب الأمور بينما تقدم لهم الحلول في ابسطها كالحيض والرضاعة والنفاس سهلة جاهزة بالوحي. فالدماء المسالة لتولي السلطة لم تنقطع طوال التاريخ الإسلامي ولم يجتهد مسلما واحدا في قضية الحكم. فكأنما الغياب كان نزعا لقدسية السلطة بمعني موتها في الإسلام وهو ما لم يدركه الفقهاء وعلماء الدين. لأنها سلطة مؤسسة فقط على صاحب النص ومتلقيه في مجتمع ضيق ومحدود وبدائي أيضا. هكذا يتأكد ابن خلدون ثانية. فبعد وفاه النبي لم يعد ممكنا للسلطة – أي سلطة - الاحتماء باللاهوت الإسلامي كي تعزز توليها أو استمرارها إلا وبقي الانقلاب متوازيا معها ومكملا لها.



ولا يجوز بعد كل هذه الفتن لقرون طويلة أن ندعي المرجعية الإسلامية ونخدع الناس في ظل العلم والمعرفة الحقيقية بمرجعية إسلامية. فمجتمع قريش طوال النبوة كان كذلك. ومجتمع ما بعد بني ساعدة كان كذلك وكل المجتمعات الإسلامية التي غاصت في الدماء كانت كذلك أيضا. تاريخ بني أمية ودولة العباس هو تاريخ الدماء قبل أن يكون تاريخا للمسلمين. ولم تكن واقعة إعدام صدام في صبيحة يوم العيد هي الأولي حتى يشمئز منها المسلمون لكن سبقها في عصور الإسلام الكثير يذكر منها ذلك الخليفة الذي انهي خطبته في الناس يوم العيد وقال : فليذهب كل ليضحي بأضحيته أما أنا فسأضحي بجعد ابن درهم. ونزل من فوق المنبر وذبح الرجل على طريقة الزرقاوي وجماعة القاعدة. كانت تهمة الرجل انه يناقش ويجادل ويسال عن أحداث في القرآن لم تكن وقعت ساعة الخلق لو ان القرآن ازلي كما تقول الفرق الاخري. وكان المحكومين في كل هذه المجتمعات وطوال التاريخ الإسلامي من المدنيين المسلمين، وكانت المرجعية اسلامية. فمن الانفراد بالسلطة واستبعاد الانصار إلى ذبح الناس صبيحة الاعياد كان حكم المسلمين بمسلمين مثلهم. فاذا كان الاسلام السياسي يطاب بنفس الامر اللهم إلا إذا كنا نريد الأخطر وهو استدعاء الفتنه وبقائها على حساب التقدم والرفاهية ليضحك العالم علىنا من حولنا ويتدخل للأمر بالديموقراطية والنهي عن الفتنه. فغياب النظام السياسي دشن تاريخا طويل من الانقلاب والغدر والمؤامرة والفتن بشكل عام. وهو ما ولد بالتبعية موقفا آخر لدي العامة بالعزوف عن المشاركة السياسية لعدم وجود ايه مرجعية لهم إلا بالانخراط فيما هو غير أخلاقي في ممارسة تولي السلطة في الإسلام. فهل الديموقراطية الممتنعة في العالم الذي يصلي ويصوم ويحج باسم الإسلام لها اصل في بنية وصلب الثقافة العربية الإسلامية منذ الجاهلية وحتى الآن؟



لقد احتل العرب كل الشرق الأوسط ومعهم نظام وعرف قبلي تمتنع فيه السلطة لان الإسلام وقف حائلا عن توليها بأدواتهم الجاهلية وفي نفس الوقت امتنع عن القول بكيفية توليها لمن اسلم. فهل الفتنة من صناعة البشر أم أنها في صلب الادعاء بالقول: الإسلام دين ودولة أو أن الإسلام هو الحل؟



ومن توابع هذا الموقف المفتقد لنظرية سياسية أو معرفة فان التقديس للسلطة بمجرد توليها يصبح مطلوبا وضرورة حتى يحتمي العامة وتحتمي مصالح الناس وأملاكهم من جراء فتن متتالية حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا بانقلاب أو اغتيال جديد. وتطالب السلطة العامة من الناس بالطاعة لوضع الاحتراب المستدام في حده الادني. لهذا أحاطت السلطة السياسية في العالم العربي أو الإسلامي نفسها بسياج من الولاءات أو شراء الذمم وطاعة من الاقربين والبراء من المعارضة باعتبارها كفرا لأنهم يسعون لتقويض الحكم متناسيين أن أي سلطة في الإسلام أخذت عنوة وبحد السيف لان لا طريق آخر لتوليها سوي هذا الأمر. وهو ذات التاريخ المصري منذ دخلها الإسلام وحتى محمد على بالانقلاب الداخلي أو الغزو الخارجي تذرعا بالدين لاغتصاب السلطة.



في الغرب وبعد صراع مرير ومع نمو معرفة صادقة وحقيقية من المحيض إلى السياسة ومن واقع تجارب البشر أصبحت الديموقراطية هي الآلية الوحيدة لتولي السلطة ولإنتاج المعرفة. ولم يعد احد يتولى الأمر بديموقراطية ثم يستعيد الموروث الديني ليستظل به كمرجعية أي زرع فيروس الفتنة مجددا. فالمرجعية الدينية تنفي الآلية الديموقراطية التي اتى عليها من يحكم بالاسلام. فالديموقراطية بطبيعتها ليست في حاجة إلى الدين او إلى أي مرجعية أخري سواها هي. لأنها تتضمن كيفية تغيير السلطة وتوليها مع إنتاج للعلم وتطبيقه. لهذا بقي الدين حكرا على الفرد وليس المجموع، وفي المسجد والكنيسة والمعبد وليس قصر الحاكم أو إدارات الدولة. فالفصل بين الدين والدولة هما نتاج مجتمعات عرفت كيف تحكم وتكمل نصوصها. بل وأدركت أن الدين لله والوطن للديموقراطية لينعم بها الجميع ولم يبقي سوي المجتمعات التي ليس لديها معرفة عن أي شيء سوي المحيض وليس لها من السياسة إلا الفوضى ومشاهد الإعدام في الأعياد.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق