هل يجوز الوضوء مع الجنابة !!
محمد البدري
محمد البدري
في البيان الصادر بعنوان ( ليبراليون عرب: صرخة ضد التبسيط ) عن مثقفين شرق أوسطيين بتعدد لهجاتها وأساليبها النحوية والبلاغية وتوجهاتهم السياسية أيضا والصادر يوم التاسع من الشهر الحالي ونشر في يوم واحد في جريدتي السفير اللبنانية والقدس العربية بلندن، فان القلق بدا واضحا علي هذه النخبة مما ينشره الليبراليون عن توجهات سياسية وثقافية وفكرية بعد أن انهار أو بات الوطن العربي الكبير علي وشك أن يكون دكا.
لكن الملفت للنظر أن النظرية الليبرالية بكل أركانها هي الوحيدة التي لم تجرب حتى منتهاها بل ووُئِدَت مبكرا قبل أن تستوفي شروطها المادية في الانتقال أو التحول إلي طور جديد يفي بمتطلبات جديدة. ففي عالم الشرق الأوسط الحالي ( العالم العربي سابقا ) لا نجد مناخا ليبراليا واحدا وان بدت الصورة ليبرالية في بعض كيانات الخليج الفارسي فان القبلية هي التي تتزعم الأمر وما محاكمات ومصادرات حزب الأمة الكويتي مؤخرا إلا كواحدة علي ذلك الطريق. أما باقي دول الشرق الأوسط من المحيط إلي الخليج فكلها وبدون خجل تنتمي إلي عصور المماليك أو البلطجة السياسية والاقتصادية.
فالحركة الليبرالية الجديدة لم نجد من رجال الأعمال أو (البيزنس من) أحدا أيدها أو انضم لها أو وفر لها غطاءا رغم أن نشاطهم ومكاسبهم بكليتها لا تجني لها أرباحا إلا بفضل العمل الحر. إلا أن الحال مع الحادث حاليا أنهم جميعا يعملون من تحت سترة العسكرتارية تماما كما فعل العسكرتارية حين عملوا من داخل جبة الشيوخ. تلك هي السمة الأساسية التي حكمت بها تلك الرقعة التعسة التي سميت زورا وبهتانا بالوطن العربي الكبير وفي حديث آخر الأمة الإسلامية العربية اللغة والهوية. لهذا تنتج البرجوازية الحالية فقرا مركبا كما أنتجت العسكرتارية و وكلاء الله في الأرض مفاسد جمة.
مراجعة النظم الاقتصادية لتلك المنطقة التعسة طوال حكمها بالعروبة والإسلام يجعلها محمية طبيعية يرتع فيها ملايين هم من صنف سبارتاكوس. كل ما في الأمر انه يصلي في اتجاه مكة بدلا من البحث عن انعتاق جديد يخرج به إلي مناخ ليس فيه من صليب أو مقصلة التكفير أو طاعة أولي الأمر بل حق الوجود مدنيا.
قطعا هناك خوف وهلع من الليبرالية لدي الكثيرين. لكن الخوف الحقيقي لم يصدر بعد ممن سيحالون إلي المعاش بعد تسلط واستبداد. فهم المنتجون الحقيقيون لكل هذه الفوضى والفقر والهزائم في الشرق الأوسط التعس عندما كمموه برايات القومية أو الإسلام. وكانوا منافقين بجدارة دون أن نجد مثقفا واحدا يفك أسرار ألغازهم وتوجهاتهم السياسية. فكل النظم القومية التي شاركت في قيادة مسيرة الهزيمة والتخلف أبدت عداءا للولايات المتحدة والغرب لكنهم لم يقولوا بأنهم كانوا ضمن القطيع في مرعي الكاوبوي الأمريكي (الليبرالي) دون أية ليبرالية عندهم ولو شكلا وكانت توجهاتهم نحو السوفييت بأنهم أصدقاء ويساعدون دول التحرر لا لسبب سوي صبغ استبدادهم بشرعية منتقاة من شرعية دكتاتورية السوفييت. تلك كانت المعادلة العامة التي علي أساسها قامت الدنيا ولم تقعد عداءا للغرب وأمريكا وتبتلا وصلاة في محراب الفاشية السوفيتية. فالهدف كن دوما في منع انتشار إمراض الحرية والحفاظ من خلال الصداقة بكل جينات الاستبداد السياسي والسطو علي لثروة.
أما فردة الحذاء الاخري التي حكمت المنطقة باسم الشريعة والمقدسات فلم تكن بحاجة إلي كل تلك الألاعيب فهي أساسا في حمي المقدس تتكلم باسمة يباركها الغرب وأمريكا دون الحاجة إلي القول بان كل هذا الإيمان والتقوى والتبتل كان يلعب دور العشيقة أو المحظية ذات الحسب والنسب، فمن يجرؤ علي قذف المحصنات داخل الحرملك الإسلامي أو الأمريكي؟
الصنفين ادعوا الطهارة يوما والوضوء الدائم والتبتل في محاريب الحق وعودة الحقوق، بينما كانت الحقوق تتسرب من بين أيديهم كهدايا ورشوة للبقاء في الحكم علي حساب من لم تضع حقوقه بعد.
هكذا بات الشرق الأوسط العفن كمقلب للزبالة التاريخية وللصديد الديني والقومي فلا احد يريد الاقتراب منه أو العيش فيه. فالأجيال الجديدة تفضل الانتحار في الحاويات إختناقا أو الغرق في البحر المتوسط في مسعاها من كل فج فاسد وعميق بحثا عن قبلة ترضاها بإنسانية تخلوا من القمع السياسي والكذب القومي والخداع بالدين. الليبراليون إذن هم من يحاولون أن يجدوا مناخا جديدا بعد أن ولت كل السحب الممطرة وبات الجفاف علي الأبواب رغم الازدياد المتعاظم للأفواه المستجدة بحكم سجلات المواليد لنساء الشرق الأوسط الجاهل. فهن لا يعلمن أنهم يخلقون قدرات استهلاكية من أطفال قيل لهم أنهم أحباب الله طبقا لأقوال السلطة. بينما واقع الحال أن كل المناخات المتاحة من قبل نفس السلطة لا تجعل منهم أحبابا لأحد إلا لأسماك القرش في عرض المتوسط أو الأحزمة الناسفة لتذهب إلي أماكن سوقت لهم يوما بأنها خلاصهم من الدنيا ومن عليها. ولان الدنيا كما رأوها لا تعدوا العروبة السياسية وحكم الإسلام دون أي بصيص من الحرية لهذا بات مستحيلا وقف ذلك الانهيار إلا بخلق مناخ جديد وليس بإعادة بعث وإنتاج خطابات تحذيرية وتخوينية من بقايا أحزاب وفضلات نظم تعصف بها نفس القوي التي رعتهم يوما في حظائر الكاوبوي ثم ولت لهم ظهرها مستكثرة عليهم رصاصة الرحمة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق