موت العروبة
لكل داء دواء إلا العروبة أعيت من يداويها .. غاية الأمر أن تدافعوا عنها يا أمة ضحكت من جهلها الأمم ما دامت الأمور العروبية المنشأ ثقافة وسياسة والتي تلبستها منطقه شرقنا الأوسطي - دون ذنب جنيناه - قد أوصلتنا إلى نقطه لا رجعة عنها بل أنها قادتنا إلى التصادم في معارك مع العالم علي اصعده متعددة اكبر من حجم المنطقة بكل ثقلها وعلينا أن نخوضها بشجاعة لتصحيح الأمور وليس لتفاقمها، فلنقم إذن بعمليه جرد وتصفيه حساب ليس علي الطريقة العربية في غرف الإعدام لكن أمام قضاء التاريخ الذي لا يرحم حتى نعرف ما لنا وما علينا.
ولربما يحاول البعض تفاديا للجراحات الموجعة دون بنج أو مخدر أن يقوم بعمليه ترقيع لتمزقات الثوب المهترئ الذي لم يعد يحمي من يلبسه من سوء الأجواء والمناخات العالمية. لكن نصيحتنا أن نقوم بم لم يقم به الأوائل ونخرج من النفق المظلم الذي تاهت فيه أهدافنا.
إن تاريخ موت العروبة السياسية إكلينيكيا هو الخامس من يونيو الشهير لكننا مازلنا نقف علي قبرها كعادتنا نحن المصريين في دفن موتاهم ولا نريد مغادرته أملا في عوده الروح مبكرا ولنتأكد كذلك من صدق ما ابتدعناه أو اقترفناه في حق المعرفة الإنسانية. نتحدث عنها طوال ما يقرب من أربعين عاما بعد الوفاة عملا بمقولة " لا يجوز علي الفقيد إلا الرحمة ". ولكن مادام الأمر قد طال بأطول مما ينبغي حياه وموتا فلا بد من تذكير المودعين عند مثواها الأخير بمثالب المرحومة حتى ينفض السامر ونعود لنعوض ما خربته الفقيدة في حياتنا الدنيا.
أسوأ تفاعلات قبول العروبة الثقافية أنها إبنة ثقافة بعيده عن المدنية وعن روح كثير من البلاد التي استضافتها خارج جزيرة العرب. ولا نريد الحكم عليها مسبقا قبل أن تخرج مثلما، خرج موسى في الماضي، حتى نعقد جلسة مرافعة مع توكيل كل من تؤهله قدراته للدفاع عنها عملا بقانون الفرنسيس في محاكمتهم لقاتل كليبر.
بداية يبدو الأمر اختزالا مخلا بأبسط قواعد المعرفة الانسانيه في البحث إذا فرقنا بين العروبة السياسية والعروبة الثقافية. وكيف أن المنطقة الجغرافية التي تموج بقضايا تملا أرشيف التاريخ دون حل وعروبيه المنشأ والهوي تئن بالشكوى من تخلفها الحضاري مع كيلها الاتهام للعالم الخارجي بمن فيهم من مسلمين أيضا، في الأناضول، احتسبتهم رصيدا يوما ما، بل وكانوا يحكمون باسم الإسلام ردحا طويلا براية الخلافة. لكن الأمر ليس بتلك البساطة للتفرقة المفتعلة لان السياسة العربية هي إفراز لثقافتها وفي وحده عضويه معها.
والاسئله عن العروبة بكل مواضعاتها لم تنشأ فقط منذ فشل الوحدة العربية مع سوريا بل تساءل عنها الكثير من مفكري مصر في النصف الأول من القرن الماضي. حافظ محمود- سلامه موسى - توفيق الحكيم - محمد حسين هيكل - محمد غلاب - إسماعيل مظهر - أحمد أمين - العقاد - توفيق ميخائيل - أحمد دريني خشبه - احمد لطفي السيد - محمد عنان - لويس عوض في محاولتهم سبر غور التخلف لأكثر من ألف عام. جميعهم قالوا كلمتهم التي ردمها غبار المد القومي الناصري. لم يسمع أحد رأيهم بعدما استبدلت كتب التربية الوطنية بكتاب القومية العربية في زمن يوليو الزاعق. وأصبح الصراخ الإعلامي والدعائي لها هو مصدر التعريف بالعروبة دون حوار أو جدل إذا ما زار أحد الأهرام أو الأقصر وحاول عقد مقارنه بسيطة عن هذا الثراء المعماري والفني ومن هؤلاء الذين أقاموه؟
وللتربح وعرض مفاتنها علي طلاب المتعة دون خجل أو حياء تتبجح الراحلة بأن شمسها بزغت علي الغرب إبان عصور ظلامه بعد أن استورد المسيحية من الشرق. فهي تقدم لهم ترجمات إلى اللغة العربية لأعمالهم السابقة في عملية اجترار، علي طريقة الظلفيات الرعوية، للعلوم والمعارف اليونانية والفارسية والهندوسية الأكثر قدما تاريخيا مدعية أنها صاحبة الفضل فيها ومن إنتاج رحمها العاقر متناسيه قولها بأن ناقل الكفر ليس بكافر وعليه فناقل العلم ليس بعالم أيضا.
لم يكن في نية الخارجيين من قريش يوما بعمامة علي الرأس وقرآن بيد وسيف بالأخرى أية نية لنشر العروبة بل الإسلام. ولم يتعاهدوا مع أي من البلاد التي غزوها بان يغادروا ثقافة أوطانهم ولغتهم وأعرافهم وتقاليدهم وتاريخ أجدادهم ويتنكروا له ويصبح تاريخ الجاهلية العربية، لمده لا تعدوا ثلاثمائة عام فقط قبل البعثة المحمدية هو البديل.. بل حتى الإسلام الذي وجدوا فيه مبررا لأخذ شعوب الشرق كرهائن هو اختيار وليس جبرا. كان قبول المصريين، أعرق شعوب الأرض معايشة للأديان واختراعا لها بكل أنواعها، للأديان ذات الأصل العبراني هو ولع بها سرعان ما تحول إلى هلع منها. عرف المصريين حديث كل الآلهة وعلموها للعالم بل وانطقوا منها لمن استعصي علي العطاء واختراع إلهه الخاص. وفوجئوا بمن أتي بنص في الوقت الضائع وقرب نهاية المباراة الحضارية وعلي حافة انتقال الإنسانية برمتها إلي مرحلة العقل ليتوقف الزمن ونبدأ في التخلف الحضاري.
ربما كان التفكك والتحلل للثقافة المصرية والدينية القديمة خاصة بعد سيطرة الكهنة ورجال الدين بعد سقوط نظام الرعامسه العسكري في الألف ألا خيره قبل الميلاد هو الذي نخر في مجتمع الوادي والنهر وسمح، بل وجعله قابلا، لامتصاص ما يمكن أن يأتيه من الخارج كحل لمعضلاته في تجاوز مشكلات معرفية وحضارية بعد ثلاث آلاف عام من الحضارة والعطاء. لكن أن يتم الإحلال بالكامل فتلك سنه صهيونية شارونيه كفانا الله شر استيطانها.
ولا تصاب ثقافة ما بمثل ما تصاب به الثقافة العربية من فزع وسعار إذا ما علت أصوات نقدية لتاريخيتها أو مواضعاتها في الحاضر. لذا فقد حرصت طوال تاريخها في منطقه الشرق الأوسط علي ألا يظهر مذهب نقدي واحد لما يسمي بالأدب العربي الذي هو كل رصيدها التراثي من شعر جاهلي أو بلاغه لفظية. تسائل أحمد دريني خشبه عنه يوما قائلا: " نثور على الأدب العربي كله إنه أدب تافه وناقص ولأنه على مدى ثلاثة عشر قرنا لم ينجح في إلهام مصري واحد لتقديم إنتاج جديد ذو قيمة لحياتنا. انه أدب عقيم لا فائدة منه. باختصار لماذا نوصم بالجاهلية الخاصة بشعب آخر ولم يكن لنا في الجاهلية من شأن".
وبغرض الخروج من جحر الضب الذي أدخلنا فيه عنوة بدون وجه حق وإنصافا له فقد احتضنت مصر، زمن الاحتلال البريطاني، مسيحيّي الشام المستنيرين الذين كانوا علي وعي باتجاه البوصلة الحضارية وتأسيسهم للمسرح والسينما والصحافة للحاق بقطار الحضارة المتسارع، بل وشنت هجوما عنيفا علي أمثال رشيد رضا ومصطفي صادق الرافعي وآخرين باعتبارهم أوكارا للتخلف والسلفية تصب جهودهم لإعاقة التقدم ووقف إكمال مشروع النهضة المصري. فمنذ حملة نابليون ثم دخول الإنجليز، عقد الوعي المصري مقارنة، بما هو عليه وما ينبغي الوصول لمثله.
ولا تولي الثقافة العروبية ومن والاها من سياسييها شأنا لدور الفرد في تقسيم العمل الاجتماعي لكن جذرها كامن في القبلية وحكم الطوائف والولاء والبراء وأهل الثقة. تصبغ جميع المحكومين بمُسمّى الرعية. وهي تسمية لا تعطي أي أهمّية للتناقضات الاجتماعية والتراكيب الطبقية والمصالح المتعددة ومن ثم تنوع الأفكار كل حسب طبقته ومكانته في سلم التقسيمات المجتمعية. تبكت من هم في معييتها بأنها الراعي ولولاها لافترست الذئاب القطيع. لذا فالزعيم هو الأصل والأول والآخر ومادام لم يسقط فنحن إذن منتصرون وفي أمان. هكذا تزيف الراحلة وعي الناس منذ التاسع والعاشر من يونيو وحتى آخر عروضها الهزلية في بغداد الآن- قلعه العروبة سابقا وموطن الأسود ساكني حفر العنكبوت وليس العرين.
ولأن الشعوب، في نظر الراحلة، قطيع لا فرق فيه بين آكلي العشب فيفضل لحراستها من تشهد لهم الغرائز بالولاء والإخلاص للراعي. لذا فتاريخية نظم الحكم الموروثة هي من صنف المماليك أي العبيد الذين تولوا الأمر واخذوا علي عاتقهم إدارة السياسة وظلت هي تعبّر عن إرادة الامة بقولها "الكلاب تنبح والقافلة تسير" ولا نعرف ولم تعلن الفقيدة أية وجهه ولت هي شطرها. ولأن القيادة تقوم علي غرائز غير قابلة للتطور كالشم والتحسس فلم تتطور نظم الحكم وفلسفاته عندها لاكثر من 1400 عام. ولأن الغرائز، إذا ما حكمت، دون بزوغ لقشره دماغيه تفهم وتعي وتغير من شروط وجودها لذا ظلت الأشكال السياسية العروبية في مرحله استخدام السوط والكرباج والحبس والذبح لمن تطاوعه نفسه بالخروج علي سنه الراعي. بل وعليها إبادة كل مصادر الغذاء العقلي والمعرفي التي يمكن بها أن تتحول بها القطعان إلى شئ قريب الشبه من البشر. وهو ما أدي إلى طرد القطيع بالكامل من الأندلس في زمن بزوغ النهضة والعقلانية في أوروبا واستعاده تراث اليونان العقلي من بعد شروحات ابن رشد الذي هضمته الثقافة الأوروبية بينما قام العرب والمسلمون بحرق كتبه. وسبقهم قبائل الشرق وخير أمة أخرجت لناس في تجريم المعتزلة واخوان الصفا وتكفير الفلاسفة من كل اتجاه.
هنا نكون قد وصلنا في نقدنا للانتقال إلى السياسة من باب الثقافة فمنذ أن وصلت إلينا جحافل العرب مع منتصف القرن السابع الميلادي لم تعرف مصر استقرارا سياسيا أو مدنيا ولا حتى ثقافيا بل كان الغزو الدائم لكل مزايد علي الإسلام ومكفرا للقائمين علي الحكم مسوغا لإعادة الفتح ونشر الفوضى. إنها نفس الحجة التي يتحجج بها الإرهابيون وجماعات التطرف حاليا حتى بعد أن استقرت الأوضاع وأصبح الحاكم وطنيا ومن أهل البلاد لكن ميراث العروبة مازال يجد صداه عند المعارضة المسلحة والملتحفة بالدين.
وبينما تتصاعد موجات الديموقراطية والحوار ونقد السياسات بمنهجيه علميه دون حساسيات من كل حدب وصوب خارج المحمية الطبيعية المسماة بالعالم العربي وبتنويعات منهجيه متعددة نجد العروبة تدعي الصم البكم لنصبح ممن لا يفقهون. ولا يعتريها أي غيره أو خجل من الثقافات الأخرى كالهند وكوريا وماليزيا مثلا من أن تسبقها وتلحق بالعوالم المتحضرة. ذلك لكون العروبة نزعه عنصريه شوفينيه مسماها نابع من الجنس والعرق في اصلها بينما العالم الحديث يسعى في المساواة بكل دأب علي تناسي الفروق العرقية والاثنيه ولون البشرة التي تعمل بقانون العصبية والتحزب القبلي. ولها في كولن باول وكوندليسا رايس أسوة حسنة لتولي مهام حساسة وسياديه ناهيك عن كيسنجر الألماني ومادلين اولبرايت البولندية في مجتمع تعددت فيه ألاثنيات والأعراق دون كفيل. أما الهند فرئيسها مسلم، فحدث ولا حرج.
د. جيكل العروبي: وإنصافا للتاريخ فقد ظهر شعراء فطاحل مثل المتنبي وأبو العلاء المعري أو مفكرين قلائل مثل ابن خلدون أو الكواكبي سعوا وبقواعد منهجيه بسيطة وسهلة تتناسب وتقدم العقل والفكر إبان زمانهم، وتحسسوا مواضع الداء في الثقافة والسياسة العربية والفكر العربي عامه. لكن المؤلم حقا هو ألا يستشهد بهم إلا ممن يسعون لاتساع الدائرة وفتح النوافذ علي العالم الخارجي والمتهمون بالتغريب. بينما العروبيون والإسلاميون يتجاهلونهم دون بديل من أي نوع. وإذا ما أتى من يحاول النقد باستخدام منهج حديث وعالمي اكثر تعقيدا ومن إبداعات الحضارة الأوروبية، كما هو الحال مع حسين مروه، طه حسين، نصر أبو زيد، جلال صادق العظم أو أمين معلوف، فتُخرِج المرحومة لنا مستر هايد التكفيري ليسدل الستار أو يغلق القبر ونعود إلى عصور الظلام.
وتدفع المجحومة، لا أعانها الله علي عذاب قبرها، في زمن شبابها مواطني الأرض التي تتكلم العربية لاعتناق عقيدة اسمها النفاق. فالحاكم القومي والزاعق بشعارات القومية في زمن شبابها لا يقبل بالمحاورة مع كل من يتبني فكرا ومنهجا علميا بدءا من الليبراليات المتعددة والاشتراكية والشيوعية … الخ تلك الأيديولوجيات التي أصبحت سمه للثراء الإنساني. فمثقّفو الوطن تتنوع اتجاهاتهم لكنهم جميعا عليهم زيارة السجون والقلاع ليخرجوا بعد التوبة والاستغفار عما اقترفته أيديهم من تثقيف ذاتي وقراءه سرّية لكتب يقف لها الرقيب السياسي العربي بالمرصاد. ولا مكان لهم إلا بعد أن يبرروا هزائم عسكرية وسياسية تحت رايات العروبة. فعبد الرحمن الشرقاوي مثلا مارس حقه كمفكر وكتب عن سلبيات الوحدة بعد الانفصال مع سوريا. فمنع من الكتابة وعنّفه المسؤول الثقافي والإعلامي آنذاك أن الزعيم هو الذي يقول وليس أنت. وكل ما عليك التصديق علي مبررات الزعيم.
فالحاكم العروبي يأخذ القرار وينفذه وعلي الجميع تبرير النتائج أيا كانت كارثيتها. ولمنع مثل هؤلاء المشاكسين ثقافيا فالعروبة تقوم بعمليه تطهير فكري وسياسي عبر عنه الأديب نيبول بالاباده الثقافية. فبالنظر إلى كل البلاد التي تدعي العروبة فالبنيه السياسية والمعرفية لهم جميعا عبارة مسخ أيديولوجي لا لون ولا طعم ولا رائحة وصفت بالرعية والقطيع. واصطبغت المعارضة والقوي الشعبية بهذا المسخ الباهت أيضا- أنظر لحال أحزابنا السياسية الآن. وإذا ما فشلت في تجريم الأفكار والأيديولوجيات فلن تعدم الشمطاء نزع صدقية أي فكر مستورد كان أم محلي فعندها السيف التكفيري الديني البتار ورصيدها الاستراتيجي وابنها المدلل ومسخها الوليد د. هايد الذي هو اصدق أنباء من الكتب. مثالها الصارخ في الإبادة الثقافية والسياسية يأتي من الدول الأفريقية الأصل كالسودان والجزائر الأقل تلوثا بالعروبة من باقي دول المنطقة. وعليه فالنظام القومي العروبي الاشتراكي الوحدوي هناك أعدم أهم الكوادر الشيوعية. ومن بعدها وبعد التحالف مع الأصولي حسن الترابي في 1985 أعدم ذلك الفيلسوف المتصوف محمد محمود طه أهم مثقف إسلامي مستنير بتهمة الردة عملا بقانون الفلسفة العربية في إبادة النقائض لتكون وحدتها في القبر. وقت أن كانت هناك عوالم راسما ليه واشتراكية وشيوعه ومن كل صنف تملأ العالم لم تعاشر العجوز الشمطاء، في خلوات غير شرعية، سوي الفاشيات العسكرية وأنجبت، رغم انقطاع طمثها زمن مقتل عثمان، أيديولوجية ممسوخة هي الاشتراكية العربية. فحواها أن يتلقي القطيع نصيبه من العلف والتبن بناء علي ملكيه الدولة للثروة لتوزيعها مع كل عوده ميمونة إلى الحظيرة لضمان سكوت كل من تسول له نفسه الخوار بأيديولوجيات ملحدة أو فلسفات علمانية. وبعد أن توحدت صفوف العالم في منظومة ليبرالية راسماليه فيها إعلان لشروط التعاقد والسوق والإنتاج عادت الأصوات العروبيه لتخرج لنا مستر هايد والاتهام بالصليبية للتمترس وراء حجه التكفير مما أوصل فرانكشتين العربي للعمل من كهوف تورا بورا وليضع شعوب ظلمتها العروبة طويلا في خندق مكشوف في حرب ضد العالم بأجمعه بعد جريمته في نيويورك.
وبمراجعة ملفات الآداب للمرحومة العاقر وسجل مواليدها نجدها تبنت ثلاثة أبناء وادعت بنوتهم لها . وبقليل من اختبارالجينات الثقافي عليهم نجدهم جميعا مسخ فكري وأعطتهم الشمطاء شرعية مستوحاة من ثقافات أخري تسبها في العلن وتتمني رضاها سرا. ولأنها لا تعرف لهم أبوه وكيف أنجبتهم بعد مضاجعاتها للعسكريات الفاشية فقد أوكلت إلى تلك الفاشيات تربيتهم في عواصم متفرقة. لذا اختلفت العواصم في ترتيبهم عمريا فمن قائل بحرية اشتراكية وحده ومن يرتبهم بوحدة حرية اشتراكية وهناك من لا يعرف لهم عمرا.
أما التحجج بالقضية الفلسطينية لإعادة إنتاج العروبة فليس سوي ورقه توت مثقوبة لمزيد من شفافية الهزائم وكشف العورات. فحركه القوميين العرب التي نشأت في فلسطين وامتدت إلى باقي بلاد الشام أوائل القرن الماضي، وقبل نشأه إسرائيل، لم يكن لها أيديولوجيا واضحة سوي أعاده بعث للشوفينية العنصرية والإثنية كما لو أن النهضة يقوم بها عنصر بشري دون عنصر آخر. ويقابلها الثورة العربية الكبرى ضد الأتراك التي استعانت بالإنجليز وقوي عصبه الأمم للوثوب علي الدولة العثمانية وتقسيم المنطقة طبقا لسايكس بيكو مخالفين بذلك شروط خروجهم من الجزيرة قديما لنشر الإسلام وليس الجنس العربي. فطبقا لما يردده رجال الدين أن الإسلام ونظام خلافته التي ابتدعها العرب فقط دون اعتبار لرأي من ستطبق عليهم لا يعرف التفرقة العنصرية لمن يمكنه اخذ الراية الإسلامية واستمرارها طالما كان مسلما وهو ما أخل به العرب ومدعي القومية العربية لمحاربة الأتراك المسلمين بل واستعانوا بقره العين لورنس و بمن يتهموهم عربيا وإسلاميا بالصليبيين والكفرة.
صحيح أن الدولة العثمانية كانت آنذاك في فتره الاحتضار وليس مجرد رجل أوروبا المريض لكن ثقافة الأسلاب والغنائم والأنفال العربية الأصل وأخلاق من شاهدناهم مع زوربا اليوناني وبشهيه منفتحة انشبت أنيابها في الجسد العثماني حتى ولو كان مسلما وقبل أن يسلم الروح لبارئها. وتستمرئ الحيزبون الراحلة الأمر لتكذب علنا بأن الدوله العثمانية كانت سر البلاء كما لو أن الأمر قبل تولي الأتراك أمر الخلافة كان علي ما يرام.
بإطلاله علي ما هو كائن شمال البحر الأبيض المتوسط يمكننا كشف ألغمه فيما ابتليت به الامه في جنوب البحر وشرقه. ففي الشمال تنويعات من أجناس وعرقيات وديانات وثقافات وأيديولوجيات ينفذ مداد البحر قبل أن تنفذ الكتابة عنها. سويسرا البلد الصغير به أربع لغات كلها معترف بها. فيالها من شرذمة ثقافية مقارنه بنا في الشرق الأوسطي ذوو الدين الواحد واللغة الواحدة دون أي رابط آخر. لكن التماسك الأوروبي القائم علي احترام الإنسان الفرد وليس الرعية والديموقراطية القائمة علي الحريات المدنية وليس العنصرية بعد أن لفظتها جراحات الحرب العالمية الثانبه ومؤخرا في آخر معاقلها في يوغوسلافيا المنحلة جعلت كيانات أوروبا المتعددة تدخل في الاتحاد الأوروبي أفواجا وكذلك في حلف الناتو دون أية حساسية من ماضي يعلمون أن مكانه اللحد. بل إن العقلانية التي أدت إلى انقسام تشيكوسلوفاكيا سابقا إلى دولتين بطرق مسالمة تدفعهم مؤخرا للاتحاد في كيان أكثر رحابه علي مستوي القارة بأكملها. بينما الشرق الأوسط ما زال يتردد بين الاستقلال والوحدة بسطوه السلاح والعنف لغياب قيم المواطنة والحقوق المدنية والحريات الفردية وقيمه النقد دون خوف ممن علي الأرض أو في السماء.
فمنذ زمن سايكس بيكو التي يتمسك بها العرب وبذلوا الغالي والرخيص للحفاظ علي الحدود بأكثر مما يدعونه الوحدة العربية تظل الآية القرآنية " كنتم خير أمه أخرجت للناس " قائمه وصالحه للتطبيق علي نوري السعيد ومشروع الهلال الخصيب الوحدوي كأحد الخيارات للوحدة العربية ويضم في اتحاد فدرالي كلا من العراق، سوريا، شرق الاردن، فلسطين ولبنان علي أن يتمتع اليهود باستقلال إداري في إطار الدولة العربية المتحدة وبذا لا يشكل المجتمع اليهودي المستقل خطرا علي دول الشرق. لكن المرحومة سعت لنحر الابن وافتداء الكبش عملا بالقاعدة الفقهية العربية " جلب المفاسد مقدم علي درء المصالح " . وكان هناك أيضا مشروع سوريا الكبرى كبديل. وفي مصر نصح إسماعيل صدقي الحكام العرب ونظام الملك فاروق الساعي للخلافة بقبول التقسيم وعدم خوض الحرب. لم يوجد آنذاك من بيت جامع لأبناء المرحومة فأقامت لهم بريطانيا العظمي - المرضعة والأم بالتبني - جامعه ليلهو تحت قبتها ولتجنبهم الشرزمة والتشرد السياسي الكامن في شرزمه ثقافية لأوطان تتقول بعروبة واحدة. ومع ذلك فلم تفلح اعتي الملاجئ في التهذيب والإصلاح . وتقدم العالم ليمد يد العون لتأهيل الأبناء بمشروعات عده. كان الفرق بين المشروع البعثي أو الناصري وبين مشروع نوري السعيد الوحدوي أن الأخير كان سيختصر زمن المخاض ويلحق سريعا بقطار العولمه الذي بدأ من الغرب مبكرا بدلا من التسكع علي أرصفه محطات لم يأت إليها أي قطار أو حتى عربه كارو بل لم يكن لدي أصحابها يوما نية الركوب بل ليكونوا مطية لراحة جولدا مائير ماضيا وشارون حاضرا والله أعلم بمن سيمتطي فضل متاعها مستقبلا. كان الهدف أن تتكالب القبليات السياسية لتحطيم الآخرين والفوز بالهزيمة للمشروع الأكثر ديماجوجية في العام 67 ومن بعده في مسلسل طويل ربما يمتد بعد زمن سقوط بغداد المعاصر. انه فقر الابوه الثقافية الذي يورث الفقر السياسي لأبنائه ومن تبعهم بإحسان. فكل نفس ذائقة الموت ولا عزاء في الفقيدة هذه المرة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق