توزيع فائض النساء
محمد البدري
فقه جديد بدأ يطل علينا من خلال أئمة الدين وممن يقولون كلمتهم النهائية فيه. فالقضية المثارة تهم كل من بلغ الحلم لذا تتسم بالإثارة. ولكنها في الحقيقة وبرمتها تعود إلى ضبط المصطلح وما نعنيه به. إنها قضية زواج المسيار
ففي الثقافة العربية الإسلامية يصطرع داخل اللفظ الواحد معان كثيرة. وبكلمات أخرى يكون الدالّ واحدا والمدلول متعدداً. الأمر الذي يدفع بالضرورة إلى البلبلة والارتباك الفكري. ومن مساوئ تلك الفضيلة في لغتنا الجميلة أن الانتقاء ومن ثم التوفيق الذي يصل إلى حد التلفيق اصبح من سمات الثقافة العربية الإسلامية. فيكفي أن يذكر لفظ صوتي واحد ويُلقى به إلى مسامع العباد حتى يتبلبل فكرهم ويرتبك عقلهم ولا يعودوا بعدها متجانسين فيما يسمعون وفيما يتكلمون. كل يقوم بتوفيق أوضاعه وتطبيع ما القي إلى سمعه مع مكونه الداخلي للوصول إلى الاستقرار الفكري له.
والقضية المطروحة هي ما سمي يسمي بزواج المسيار ثم زواج فريند. الاولي روّج لها شيخ أهل السنة والجماعة " يوسف القرضاوي " كخير مثال لما سبق بيانه. فهي اختراع جديد لم نسمع به من قبل في مصر التي احتوت جميع الأديان بشرائعها طوال تاريخها. فهناك إذن فقه جديد يلزمه وبالضرورة شرع جديد وربما دين جديد لتبرير الحال المستجد.
ففي زواج المسيار وكما كتب شيخ الجماعة، يستبيح الرجل لنفسه علاقة مع امرأة جديدة لمجرد تواجده بعيدا عن بيت الزوجية. ثم يعطيها الشرعية بالإعلان عنها في المكان الجديد. ذلك المكان الذي لا صلة ولا اتصال بينه وبين مكان إقامته الدائمة حيث بيت الزوجية الاول رغم الاختراع البالي المسمي بالهاتف انتهاء بالإنترنت والموبايل. وبالقطع، فالزوج يعلم مسبقا فترة إقامته الجديدة طالت أم قصرت لانه ترك الزوجة الأولى علي ذمته في الانتظار. وقد أفتى الشيخ بان من حق الزوج عدم إعلان الزوجة الدائمة (الأولى) بالأمر. ذلك وغالبا لان المسكوت عنه في الشرائع العربية الإسلامية أن الطاقة الجنسية للرجل لا يحق تحجيمها. ذلك لكونها مصدر الإمداد الدائم بالرجال المؤمنين الذين يحملون اسم الأب الذكر وانتماءهم الديني ومن ثم الحفاظ علي علاقة النسب في تسلسله القبلي حيث يمكن عن طريقها تحديد مسؤوليات الأمن الاجتماعي للجماعة العرقية المنتمية إلى شيخها الأكبر أو أمنها الديني في انتمائها إلى ربها الأعلى في السماء والتزاماتهم حياله.
ففي التأسيس التاريخي للديانات الشرق أوسطية جميعها، كانت الفحولة الجنسية والتناسلية هي القاسم المشترك لهم جميعا. "لنَسلِكَ أعطى هذه الأرض …" إلى آخر الآية الكريمة وكما جاءت في سفر التكوين التوراتي. وكذلك الحديث القائل "تناكحوا تناسلوا فإني مباهي بكم الأمم يوم القيامة". فأمن وترابط واستقرار الجماعة في أوطانها مرتبط باسم ذلك الأب الأعلى الأول الذي منه ينحدر النسل. هذا الانتماء الذي يجد نفسه متحققا ومتجددا فقط من خلال التناسل من صلب ذلك الأب أو الجد الأعلى. والمقصود بوضوح لا يحتمل اللبس، الانتماء إلى ما يفيض به الذكر في أرحام اكبر عدد من الإناث زوجات كانوا أم إماء. هكذا أورثتنا الديانات الشرق أوسطية التوحيد في العقيدة والتي يتستر تحتها البناء القبلي القائم علي التوحد العرقي وعلاقة الدم والاستحواذ على أكبر قدر من الأوعية التناسلية الأنثوية..
فالتماسك العقائدي والتوحد حول شعار أو كلمة واحدة مشروط بالإنجاب. أي بحيازة اكبر قدر ممكن من الأوعية التناسلية الأنثوية لإنجاب اكبر عدد من البشر يؤمنون بما يؤمن به الأب أو شيخ القبيلة أو أمير الجماعة. وحيث أن رابطة الدم عند العرب هي رابطة أبوية، فإن حيازة اكبر قدر من الأوعية الأنثوية في حوزة الذكر الواحد لهي ضمان استمرار النسب وامتداده عبر التاريخ. لهذا السبب بالذات، فان مسألة تعدد الزوجات، وكذلك الإماء والعبيد من النساء ومن يعدون في ملك اليمين، قائمة وحيّة وتشهد بها النصوص والسير النبوية حفاظا علي الدين. بل وأنها جاهزة للتطبيق واعادة الإحياء إذا ما توفرت الحدود الدنيا من الحياة الثقافية والأصول المعرفية، وكذلك إذا ما امتلأت الساحة الاجتماعية بمواطنين عديمي التمييز بين ما هو خلق كريم وبين ما هو فجور وانحلال – أي مؤمنين علي الطريقة الأصولية. هنا تسمح الثقافة القرضاوية وفقه الجماعة بتمريرها قانونيا ومن ثم شرعيا حتى ولو كان التاريخ قد تجاوزها أخلاقيا عبر صراعاته الاجتماعية.
فغير مفهوم في ملتي واعتقادي الإبقاء علي معني الزنا الحالي في ضوء ما سبق توضيحه تاريخيا. بل أن الزنا كعمل شائن طوال التاريخ يصبح عملا أخلاقيا لا غبار عليه في ضوء ما سبق أي إذا ما رددناها إلى أصولها وآليات إنتاجها في عصور تحبذ الأصولية.
فأخلاق القبيلة المتوحدة من خلال فائض الطاقة الجنسية لدى ذكورها لا تجد أي غضاضة في ممارسة الجنس مع أي من النساء طالما أنها ليست حكرا علي ذكر آخر. والزنا يقع فقط إذا ما أوتى مع من هم في عصمة رجال آخرين أي عند استباحة أرحام مخصصة لانتاج ولاءات أبوية بذات صلات دموية معينة. إنها إذن غريزة البقاء الداروينيه ملتحفة ومتحورة في بناء اجتماعي ثقافي يحمي نفسه بدروع نصية مقدسة.
يبقي الجانب الآخر لهذه الممارسة من جهة إشباع اللذة المتجددة وتفريغ طاقاتها المكبوتة بعد أن يتحقق الأمن بعدد واف من المقاتلين الرجال القادرين عن الذود عن تخوم القبيلة. فليس غريبا أن يرتبط الوطن عبر الثقافات القديمة وفي الثقافة العربية عامة والإسلامية خاصة بإلحاق الشرف الملحق بالإناث بأمن الوطن. وهنا تتأيد فكرة السيادة الذكورية وما عليها من تبعات تناسلية ذلك لكون التشريع يقف بالمرصاد لأي إشباع أنثوي إلا إذا كان وبالأساس لخدمة الإشباع الذكوري أولا. فلا مسيار عند المرأة إذا ما سافرت أو اقتضت ظروفها الابتعاد عن بيت الإشباع الذَكَري. ولا يذكر المشرّع في أي أمة، وسَطاً كانت أو متطرفة، أحقية الإشباع للطاقة المتجددة لدى الإناث. ذلك لكون المسكوت عنه أيضا والمسبب للبلبلة أن حقوقها ليست قائمة بذاتها ولكنها تؤخَذ من خلال الحقوق الذكرية صاحبة الأولوية والإيمان الأبوي. لذا يرتبك الجميع في حال المرأة وكيف أنها مهضومة الحقوق رغم أنها أعطيت حقوقها كاملة غير منقوصة ولم يعد لها أية حقوق جديدة وأخلي طرفها منذ اكثر من 1400 عام. ولان المجتمع الإيماني هو مجتمع أبوي ذكوري الطابع فلا يسمح للنساء بإنتاج بشر لا ولاء لهم لأنه لا أب لهم معروف مسبقا ومحددا لتركيب قبلي واضح.
ونعود هنا ثانية إلى المصطلح " الزنـــا " وكيف انه يحمل دلالاتين متناقضتين أوقعت كل من اقترب من قضية المسيار في بلبلة وحيرة. فالشيخ القرضاوي تكلم عن اللفظ من خلال دلالاته العربية والإسلامية المؤسسة له حيث لا غبار على استخدام الفائض في الطاقة الجنسية لخدمة الأب الذكر صاحب الكلمة العليا ومن ثم الرغبة العليا في توجهات إشباعها الوظيفي لخدمة الجماعة والدين. بينما قام معارضوه بتقييم الأمر برمته من خلال الفهم الحضاري وكما نعرفه طبقا للقانون المدني. وكذلك من خلال علاقات الزواج الأحادية التي عرفها المصريون وشعوب أخرى كثيرة منذ آلاف السنين بحكم علاقات التوحد من خلال العمل الزراعي السلمي الذي لا يسمح بفائض بشري أنثوي يمكن أن يكون وعاءا إضافيا لإنتاج البشر خارج العقد الثنائي القطبية بين رجل وامرأة. لذا كان مفهوم ومدلول الزنا في هذا المجتمع الزراعي ينصب دون أدنى التباس أو ارتباك وبلبلة علي أي علاقة خارج نطاق الزوجين الموقعين علي عقد تكوين الأسرة.
بينما يصبح اللفظ طبقا للتشريع والقانون والعرف والأخلاق في المجتمع مطاطا ويحتمل مواقف متعددة تتباين في حدتها، إذا ما ما وقع داخل نسق الثقافة العربية و الإسلامية. فالعلاقة الجنسية خارج مؤسسة الزواج يمكن أن تكون موصومة أخلاقيا ويمكن أن تكون شرعة إلهية. فما الفارق بين الاتفاق على ممارسة الجنس لفترة محدودة وبشروط موضوعة مسبقا كالأموال المدفوعة أو الإنجاب من عدمه مع عدم الإعلان والإشهار عنه لكل من لا يهمه الأمر، أو لأطراف معينين حتى ولو كانوا رؤساء بيت للدعارة وبين زواج المسيار؟ خاصة وأن الزوجة الأولى التي تنتظر في موقف انتظار الزوجات لا حق لها في معرفة ما يجري هناك كما أفتى فضيلة الشيخ القرضاوي.
أما إذا تواجد العبيد والإماء وملك اليمين في مجتمع الفضيلة الإسلامي في غفلة من الوضع العالمي، واتخذ الذكر المسافر إحدى الجواري تحت مسمي "زوجة مسيارية" لخدمته أو للتسري بها، فمن الممكن للمعارضين وصف الأمر على انه زنا شرعي طبقا للنص المقدس. ويمكن للدكتور الشيخ القرضاوي أن يسعد فلا ضرر في شيء البته بل أن الأمر كله شرعي وحق مع اعتراض بسيط بتغيير لفظ "زنــا شرعي" إلى " نكاح ملك اليمين" أو "زواج مسيار". عندها يختلط الحابل بالنابل والحلال والحرام والحق بالباطل. ويصبح القرضاوي ومعارضوه في كفة واحدة، فلا ضرر ولا ضرار.
هنا وهنا فقط تصبح فتوى الشيخ القرضاوي خارج الحساب والتقييم ويُعفى من أي حاجة للتوضيح والشرح وبيان أصولها الفقهية والشرعية. بينما يظل الجميع في إشكالية وهم في تعريف الزنا وتعريف الحلال من الحرام والفرق بين الحر و العبد والزوجة الشرعية وزوجة المسيار كذلك تحديد ما هو شرعي من عدمه وربما الاستغفار والتوبة النصوحة، كذلك عبر دراسة التاريخ ونظم الزواج وربما العودة إلى المدرسة الابتدائية لتلقي العلم علي أسس صحيحة. عندئذ يمكن لفضيلة الشيخ الفقيه السني يوسف القرضاوى التقدم ليوفر جهدهم ويحمل عنهم عبء البحث الحضاري في القضية ويقدم لنا الفتوى في أصول الزنا.
إنها الإشكاليات الجوهرية التي تطرحها النماذج التحليلية للعلوم الإنسانية، وخطر الديني التبريري الضمني لظواهر ومواقف مدانة قيميًا، وجعل الوظيفية لدى كيانات اجتماعية بثقافة معينة بقدسيتها المحلية مسلكا عامة لكل صنوف البشر واعتبار كل الحالات والظواهر الإنسانية خاضعة لمنطق ذاتي وعوامل داخلية تفسر طبيعتها وتحدد خلفياتها من بداوة وقبلية، أو حتى من أكثرها شذوذا وأبعدها تطرفًا وأقصاها عدوانية، لمجرد أن نغلفها بقدسيات ونبدأ الحديث عنها ببسملة وننهيه بحوقلة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق