الــشــرق الأوســط الكبير
هزيمة هوية وإفلاس ثقافة
محمد البدري
أمطار المبادرات والتوجيهات والوثائق والتقارير والمشروعات التي أغرقت الشرق الأوسط تشي بان التدخلات الخارجية ليست سوى تعبير عن عجز الداخل من التحرك ليكون متناغما مع العالم الذي عاد يقفز في فكره وثقافته وفي لغته وانتاجه قفزات واسعة لا نجد لها مثيلا في الاتساع في التراث المشرقي سوى المسافة فيما بين قوائم البراق.
قراءة أهل الداخل وكما كرستها الثقافة العربية/الإسلامية السائدة تقول بان كل تدخل خارجي يقع في خانة التآمر الاستعماري في أقلها، وفي خانة أهداف تاريخية بغرض تغيير الدين والهوية في أقصاها. وتظل المعادلة التي تجعل السياسة موجهة للابحار في بحور العالم ثقافيا واقتصاديا مرضا شرقيا عُضالاً، لأن مرساة السفينة الشرق أوسطية مازالت في مكانها ولم تبرح مرافئها رغم كل المؤامرات أو المبادرات الخارجية والنصائح والبرامج الداخلية. وتكمن جينات المرض العضال في عالم الشرق الأوسط في الطلاق البائن المبكر بين السياسي والمثقف وبين السياسة والثقافة، خاصة عندما يكون الجنرالات أو الدهماء في سدة الحكم.
وقع طلاق المرة الاولي في مدرسة الإسكندرية عندما اختفى المثقف تحت أقدام الدهماء المؤمنين بمباركة من السلطة السياسية وسقطت بعدها مصر تحت الاحتلال العربي. فلأن قيادة مجتمع جاهل اسهل كثيرا من قيادته متعلما وعارفا فظل الطلاق يقع في كل مرة يؤرق فيها المثقف الأمير. وفي بغداد الإسلامية الإعلام والفارسية العلماء والمثقفين، لم يكن الطلاق بالوسيلة الناجعة إنما التصفية للمخالفين بعد المنادمة الفكرية عن خلق القرآن أو أزليته حسب مزاج الأمير كما في ليالي ألف ليلة وليلة. ظل تاريخ الشرق الأوسط علي هذا المنوال وحتى عصر العولمة. فالجدل الحي بين السياسة والثقافة، عندنا، وبينهما وبين الاقتصاد يخالف قواعد المنهج – أي منهج - من جذوره ذلك لوقوعه في دائرة الغرائز السياسية وليس مناطق الفكر والعقل. كثرة المصادرات والإستبعادات ولدت جينات جديدة. ولعل الراصد والمشاهد لبانوراما الموقف سياسيا وثقافيا يكتشف مدي انتشار سرطان السياسة الاستبدادية في دماء المثقف القومي والرسمي بعد أن طوي الأمير المثقف تحت لوائه ليرقص علي إيقاع المارشات العسكرية والتشنجات القومية أو سيوف الفتوحات الدينية. وتحول المثقف إلى بصّاص ثقافي بقراءة سرية أو علنية لإنجاز الغرب المعرفي والنقدي ثم يتقيّأ مشروعات هدم معتبرا فكر الغرب هو قيء (علم الاستغراب). واما بتضخيم مخاوفه في مرايا محدبه ثم يوقظ ذاته من الكابوس بمرايا مقعرة ثم يتصالح مع الذات المشرقية المريضة باستحلاب أحلام الخروج من التيه.
ساقت لنا واقعة انفراط عقد مؤتمر الأمراء في تونس، قبل ولادته، كما شاهدناها في مرآة مستوية تعكس بأمانة وصدقيه كيف تتلقي المنطقة المشاريع المطروحة عليها من الداخل والخارج وردّ الفعل الشرطي منها. فعلي مدي شهر قبل السقوط المدوي لتحضيرات مؤتمر الحكام العربن خرج الغرب علينا بمشروع الشرق الأوسط الكبير. وكردّ فعل انفعالي، حشد السياسي المثقفين وخرجوا ببيان الإسكندرية. هو نسخة مطولة لمشروع الشرق الأوسط الكبير. مبرر وثيقة الإسكندرية يكمن في الكرامة القومية والوطنية باعتبارها كالعذرية لا تفريط فيها. فلماذا كان هذا الانتظار كالعوانس في زفة التقدم والحداثة، ولمَ كل هذا التلكؤ وعدم الدخول بشجاعة إلى العولمة والديموقراطية؟
الشد و الجذب بين المثقف والأمير
محاولة استعادة العلاقة بين الأمير والمثقف منذ وصلت العسكرتارية الي سدة الحكم كفيل بشرح ما يجري. كفة الميزان بينهما كمن ثقلت موازينه فلم يكن للمثقف من دور، حتي الهزيمة الكبري في العام1967، سوي تبريرها. وعلي استحياء، تسلل الأمير برأس مرفوعة علي عكاز خفي الي زنزانة المثقف المدجن والرسمية (جريدة الاهرام) الذي حبسه فيها طوال زمن الصراخ القومي في العام 1968 ليحتمي به من أصوات الداخل. إنما الخارج فقد احتكر علاقته معه باعتبارها ملكية خاصة وموقف سيادي. ورغم تلك الزيارة التي تقع في خانة (عزومة مراكبية) ظلت العلاقة بينه وبين مثقفين شعبيين قيد الاستبداد الاميري (احمد فؤاد نجم نموذجا). شجعت حادثة اختفاء الأمير المفاجئ وعمليات التطهير الخارجية لبعض أورام القُوى أن يوقّع المثقف تحت ضغط الشارع وضميره بيانا للأمير للقيام بواجبه وعلي رأسهم توفيق الحكيم ونجيب محفوظ أطال الله لنا في عمره أملا بان يشهد مولد فينيق جديد وحتي تعود لرواياته أجنحتها في الفضاء الثقافي وتعود الأرض للوطن. منذ تلك الزيارة ظل وعد الامير للمثقف بالمشاركة موقوفا طالما الضغط الخارجي في حدود المسموح بتحمله. وبعد ان سكتت المدافع علي أوسع الجبهات مرت مبادرات وطلقات كثيرة فوق رؤوس الجميع وفساد أكثر من عمق الواقع وانتهي الامر بان بأتي الامير بالمثقف ليحتمي به من هول الغضب الامريكي في حمي مكتبة لها من العبق التاريخي ما يشفع. المفارقات الساخرة الي حد البكاء أن تظل اعمال المثقف بلا أجنحة في ظل رقابة دينية بدلا من القومية. وعاش نجيب محفوظ ليشهد كيف إن هزيمة المثقف داخليا وبتر أعماله ظلت قيد التنفيذ بينما برامج الحرية الغربية أصبحت موضع حديث للاخذ والرد و للتنفيذ وتتداول بابتسار لصالح البعض دون البعض تحت ظل الاستبداد وبرّرها المثقف المدجن كسلعة فيها بعض من الحلال وكثير من الحرام التي ستحلل إذا ما صادق عليها أصحاب العمائم من بعد نفاذ الصبر الأمريكي.
فمن مكتبة الإسكندرية الحديثة، كاختيار مقارب لمنظومة البحر الابيض، جاءت وثيقة شارك فيها مثقفون من أهل المنطقة. كردّ فعل شرطي انعكاسي علي مشروع الشرق أوسط الكبير. ولان جغرافية منطقة الشرق أوسط الكبير يمكن النظر إليها ثقافيا وسياسيا وحضاريا كجزر جلاباجوس، فقد ارتعدت أوصال حفرياتها المتنوعة من تدخل ركاب بيجل الجديدة القادمة من غرب الاطلنطي. وسارع الكثير من سكانها إلى الكهوف المغلقة حماية للشبكية التي لم تتعود شدة الضوء ولم تتعود نصوصهم روح النقد وكشف الفقرات العصعصية فيما تشي به عن أذيال ثقيلة من الماضي السحيق إنقرضت ظاهريا لكنها ما زالت تعمل وظيفيا. المكتبة الجديدة - القديمة أصلا - تعود لتبزغ كطائر الفينيق من ركام العصف الديني والعرقي بالمنطقة. ما حوته قديما لم يعد كذلك بعد تطور علومها القديمة عند سكان الشاطئ الشمالي للأبيض المتوسط وأخذت أبعادا جديدة من هندسة مستوية اقليدية الي هندسة لوباتشيفسكي ومن ذرية ديموقريطس الي موجية شرودنجر ومن يقينية طاليس بالسبب الواحد والعلة الأولى إلى احتمالية هايزنبرج ومن رياضة فيثاغورث الي استقراء بوانكاريه. من العلة الأولى لأفلاطون الي السببية ثم الي القانون عند نيوتن ومنها الي تشكيل عوالم لا قانون لها سوي افتعال لحقائق Virtual Realities غير موجودة الا علي شاشات الكومبيوتر. القواعد الخمس لاقليدس باتت من الحفريات عند علماء نظم الـ Chaos . المنهج التجريبي عند ارشميدس لقياس مدي الغش في سبائك معدن التاج بات شفافا بعد تحديد العنصر بطيفه وليس بوزنه. وحرية التعبير والفكر في المدرسة فاقتها شفافية الديموقراطيات ومحاورات المشتري والبائع سياسية وسلعا وليس انصياعا بان السلعة المباعة لا ترد ولا تستبدل وان السياسة والوعظ لم تعد حكراً علي الميكروفون أو المنبر. فكل لديه منبره داخل عقله ولا لزوم إذن للفتاوى علي الهواء وعما هم عنه يتساءلون. ومن عبيد المدينة الفاضلة عند افلاطون الي الحريات الفائقة والانتاج المتعاظم يدفع بماركس للسير في جنازة صانع الأحذية في رأس المال غير مأسوف عليه. الفينيق الجديد سيحلق في مناخات لها مواصفات جديدة ومختلفة ليس الإيمان احدها بل العقل مفتاحها. اسم المدينة يؤسس لقياماتها من الرماد. فالاسكندرية تمتلك أسباب نهضتها كونها في حوض المتوسط وعلي شاطئه الجنوبي. فالمجال المتوسط طالما عرض شروط زواج جديد بين عروس البحر الابيض وثقافة شمال البحر شرط أن تقود المدرسة بقديمها وجديدها جزر جالاباجوس الممتدة من المحيط الي الخليج. شروطاً هي الآن محل قبول من العالم. انها شروط التسامح والإختلاف وبقاء الأبواب مفتوحة. فلا خوف من اسكندر أو قمبيز أو بدوي علي جمل. إنما فكر وثقافة وابداع وانتاج واستهلاك. في ظل هذه المتناقضات التي تجمعها المدينة ولدت "وثيقة الاسكندرية" النسخة المكبرة للمشروع الامريكي.
في الماضي، كان السياسي يتسلي في الصباح بمحاورات حول خلق النصوص وازليتها وليلا بالقيان والمحظيات. بيئة الفينيق الجديد ما زالت هي ذاتها بيئته القديمة تجأر بالشكوي بفضل ثقافة اشعرية أربكتها أجزاء العالم المشتتة ، وتبدو الطبيعة أمامها مبعثرة ، إلا من أمر الكينونة الذي يشد كل جزء من العالم أو إلى الخالق والمبدع الأول، ولا يمكن لمثل هذا التصور أن ينتج أية معرفة "علمية" بالعالم أو بالطبيعة وإدراك لقوانينها المحكمة، ناهيك بالمجتمع أو بالإنسان. فلهذه الأسباب توقفت مبكرا محاولات علماء العصر العباسي لانتاج علوم راسخة تصلح من معارف الأولين وتثبت أمام مستجدات اللاحقين. فهذا التصور امتداد للموقف "الأشعرى" القديم، الذي ينكر قوانين السببية في الطبيعة والعالم لحساب "جبرية" شاملة، تمثل غطاء إيديولوجيا للجبرية الاجتماعية والسياسية في الواقع. وتبرر مصادرة المثقف الذي يريد تفكيك العالم وفهمة علي الاقل لمرة واحدة ربما تكون الاخيرة.
الآن، وبعد أن سقطت عاصمة الرشيد قاتلة البرامكة والقرامطة والزنج و العبيد القوميين وسهرات المجون الاسلامية تحت سنابك الطائرات العملاقة وعاد التهديد بالتدخل في كل أوكار الشرق، عاد السياسي ليحتمي بالثقافة لاول مرة في تاريخ المنطقة منذ علت قرقعة السيوف ماضيا والدبابات وكعوب البنادق حديثا فيما سمي ثورات عربية وصحوات إسلامية. فالسياسي يتساءل صمتا عن جدوي المشروع الاميركي فيما يتعلق بالدوافع الحقيقية والكامنة وراءه، خاصة بعد جريمة نيويورك واحتلال العراق السهل. وما اذا كان السلام يتوقف على تغيير النظم السياسية العربية تمهيداً لولادة الشرق الأوسط الكبير وتكون إسرائيل إحدى، إن لم تكن، أهم ركائزه!
تلك المخاوف سربها الأمير إلى مثقفه. والمثقف الذي هضم وامتص، لكنه ممتنع عن تمثل خلاصة منتجات علماء السفينة بيجل الحداثية بسبب ما يحمل علي ظهره من تاريخ يقع بأكمله ضمن الحفريات المنقرضة أو وقوفه حائرا بين سيف الأمير وذهبه، عاد ليكون حاضرا دفاعا عن الأمير وما بقي من فتات الأوطان. المثقف موصوم أصلا بتهمة تعاطي الفكر الأوروبي لذا قام مثقفين آخرون – صناعة محلية – بالمزايدة عليه بأنه علماني بتشجيع من أمراء آخرين سفنهم ذات خروق ولا قوارب للنجاة من عواصف التغيير إذا ما افلح من الإفلات من عواصف الشرق الأوسط الكبير. مشكلة الفينيق الجديد أن البشر خارج عشه علي شاطئ الإسكندرية بالشاطبي فقدوا اتصالهم بما تحويه ارفف المكتبة القديمة وما تحويه به الأرفف الجديدة أيضا. صدرتهم البداوة الي فقر الصحراء وسواد برميل النفط. التحولات في العقل وفي الوعي السياسي والاجتماعي أضحت ممتنعة و الفضاء السياسي شبه منعدم. وهو نفس الورقة التي لم ينسَ المثقف الاميري ولا الامير الثقافي نسيان ضمها الي ملف الاصلاح ذي الصناعة المحلية فيما سمي "مع الحفاظ علي الخصوصية الثقافية وخصوصية الإصلاح".
تضمّنت الوثيقة النهائية مطالب هامة وضرورية وترجمتها إلى أفعال في الواقع يبقي هما. ويبقي السؤال كم مرة تَسَوَّلَ المثقف مِثلَ هذه المطالب من السياسي؟ مطالب تقع كلها في خانة الديموقراطية مثل الشــراكة بين الحكومات والمجتمع المدني، والقيام بإصلاح دستوري وتشريعي والفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية وتحديد أشكال الحكم ومدد توليه حتي تتداول السلطة بالطرق الســــلمية وتضمن عدم احتكارها. فهل هذا جديد؟ أم أن الجديد هو ورود النسخة الاصلية لورقة الاسكندرية من غرب الاطلنطي؟ إجتماع الشركاء الاطلنطيين في يونيو القادم ليتخذوا قرارا في جزر جلاباجوس السياسية والثقافية وكيفية إصلاحها بعد أن بددت انجازها الحضاري وموروثها الثقافي الضارب بعمق في التاريخ لصالح جماعات ارهابية وثقافة اساسها الخوف سيكون صكا جديدا ودينا إضافيا للعمل علي الإصلاح.
المثقف المدّجَّن عاد ليستثمر مخاوفه القديمة التي علي أساسها أقام الأمير نظم الاقتصاد الموجه وإعلانها حربا علي اقتصاديات السوق الليبرالية. متناسيا أن السياسة القديمة خلقت قوي استهلاك شرهه وتفتقر تماما الي القدرات الإنتاجية طوال الخمسين عاما الماضية مما يسيل له لعاب أي منتج أو راسمالي شرقا وغربا. هكذا قدمت النظم القومية والدينية شعوبها علي مائدة الاستغلال المجاني دون سلاح واحد للمقاومة. واستخدم الإسلام السياسي وخطابه الغيبي في تفريغ العقول. فالعمل طبقا للمشروع الامريكي أو طبقا لوثيقة الفينيق السكندري يصبح شاقا وعبئاً ثقيلا، بينما ملاذات النجاة كجبل بن نوح أو الكتل الاشتراكية لم تعد موجودة بعد أن غرق كلاهما أمام حرب الايديولوجيات وسقوط الاتحاد السوفيتي. ولم يعد من منقذ سوى ان نتعلم العوم في بحار الانتاج والاستهلاك مع عمل الضمانات لان يتنفس الجميع ديموقراطية تتسع لكل الاراء دون مصادرة بحجة الدين أو المقدس الذي غرقنا، تاريخيا، بسببه مرتين وحوّل الفينيق الي رماد في كل مرة.
اتهامات متبادلة ورضا مفتعل
ومن الصعب تجاهل فشل الاجتماع بين أمراء الشرق الاوسط فيما بعد تقديم مشروع الشرق الأوسط. فليس في اجندة القمة القديمة البالية من جديد سوي احتلال العراق والمشروع الشرق اوسطي. أول المستجدين تم برضا ظاهر وعلي مضض باطن فقط. المستجدّان يمكن أن ينطويا تحت نفس البند وهو الاصلاح المطلوب. فالاصلاح بالتي هي أعنف في العراق اخذته الولايات المتحدة علي عاتقها وبطريقتها. وبغض النظر عن الدعاية وشجب سياسة العدوان، إلا أن النظم رضيت بما لم تستطع معه سبيلا في التخلص من كابوس صدام وبأمل أن يأتي الأمريكان بنظام جديد يضمن سكوت الاصوات الداخلية في الاصلاح مع عدم تعرض باقي النظم للخطر من جراء المطالب القومية الزائدة عن الحد. الدهشة أن المعارضة الاميرية لاحتلال العراق من قبل أمريكا لم تكن بنفس المعارضة لمشروع الشرق الاوسط. ففي زحمة إرتباك الامراء مع شوارعهم وفي مسالة العراق والعنف، سعت نظم الحكم للبحث عن مخارج لائقة للقضايا المزمنة والمعطلة طويلا. لذا بدا مشروع الشرق الاوسط الكبير كموضوع خلافي وانقسامي ليزيد تأجيج الصراعات الداخلية المكتومة بين الأمراء. فآخر ما يمكن تقديمة من الامير للشعب هو الاصلاح، فما بالنا وهم جميعا مطالبون بإصلاح علي مستوي الجماعة وبإمام أمريكي يطالبهم بصوغ مخطط واضح للإصلاح. وربطت النظم السياسية موضوع الاصلاح بتغيير النظم ذاتها ويتعلق بالدوافع الحقيقية الكامنة وراءه مما جعلها ترجف منه فعادت لتضع العربة أمام الحصان بربط الاصلاح بسلام المنطقة. قِصَر نظر الانظمة انها توقعت ان تقديم الثور للاسد (غزو العراق) كفيل بنجاتها بينما المثقف كان علي علم بالحكمة التي سمعها دبشليم الملك في كليلة ودمنة. فوضع مدير مكتبة الاسكندرية الدكتور اسماعيل سراج الدين الذي فك وثاق حصانه المحلي من العربة زيادة في اللكاعة مشددا على ضروة تحقيق رؤية عربية شاملة تواجه المبادرات الخارجية الهابطة على المنطقة. متغافلا عن الخبرة الشرق اوسطية التي تقول بان العرب لم يتفقوا علي أي شئ طوال تاريخهم سوي البقاء في الحكم علي حساب عرق البشر.
فاذا كان الامر كذلك، فهل أوقفت اسرائيل الاصلاح أو التنمية في العراق والجزائر والسودان البعيدين عنها وليسوا في حرب مباشرة أو غير مباشرة معها؟ وبفرض أن الشرق الاوسط الكبير سيولد لتكون اسرائيل نواته واحدي ركائزه، فهل معني السلام الذي ينشده الامراء مع الدولة العبرية وليس ازالتها الا يكون هناك إصلاح مطلقا خوفا من أن تصبح إسرائيل القائدة له؟ إنه نفس السؤال الذي لم يطرحه المثقف علي الامير غداه حرب يونيو 1967 عندما أعلن الأمير انه يقبل سلاما مشرفا مع إسرائيل. وترجمها بعد أن تشتت به السبل الي قبول مبادرة روجرز، وطمأن الجميع بانه لا يمكن أن يحارب أمريكا (*) فليس انهيار القمة الغير مأسوف عليها سوي تعبير عن فصل قضايا المنطقة عن بعضها والتي اتفق الامراء علي ربطها ببعض لديمومة النظم وبقاؤنا في جزر شبيهة بجزر جالاباجوس. فحل قضية فلسطين لا علاقة لها بجنوب السودان أو محو امية المصريين أو تداول السلطة في الجزائر أو قيادة المرأة للسيارة في السعودية. ولقد لمح مساعد وزير الخارجية الاميركي مارك غروسمان الى هذه النقطة بالذات، عندما قال انه من الصعب انتظار إحلال سلام شامل في المنطقة من أجل تشجيع الإصلاح. ثم كرر ما قاله نائب الرئيس ديك تشيني في منتدى «دافوس» من ان نشر الديموقراطية في اوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، كان شرطا للسلام والرخاء. وواضح من كل هذا ان المبادرة التي قدمتها الولايات المتحدة امام الحلف الاطلسي والاتحاد الأوروبي في الخامس من آذار (مارس) الماضي، كانت تهدف الى ربط نجاح هذا المشروع بإشاعة الامن والاستقرار في العالم.
فهل نصدق تشيني أم أمراءنا؟ ولماذا لا يصدق المثقف نفسه بعيدا عن جميع الامراء المحليين والدوليين ليصبح متصالحا مع مثقفي زمن العباسيين من المعتزلة وحتي الحاضر؟ فيطالب بالفصل بين الاصلاحات تشبها بالفصل بين السلطات.
(*) في ذكري الخمسين عاما علي ثورة يوليو استقالت هدي عبد الناصر من موقعها في جريدة الاهرام لان المانشيت الرئيسي خرج بذات الصياغة عن محاضر جلسات اللجنة المركزية. مما يجعل موقف السادات المعلن هو إكمال لما كان عبد الناصر يقوله سرا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق